أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن علاقات بلاده مع السعودية لن تتأثر بسبب قتل الصحافي جمال الخاشقجي. هذا «من أجل الحفاظ على مصالح إسرائيل ومصالح شريكات أخرى في الشرق الأوسط». إلى جانب المصالح السياسية، وبشكل خاص الاقتصادية للولايات المتحدة. في ظروف أخرى فإن إعلانه كان يجب أن يحرج إسرائيل، ولكن إسرائيل هي التي استدعت هذا الإعلان بعد عدم نفي رئيس الحكومة نتنياهو بأنه طلب من ترامب الاهتمام باستقرار السعودية رغم عملية القتل الفظيعة. إن التطابق بين نتنياهو وترامب ليس بحاجة إلى إثبات، في كل ما يتعلق بالشرق الأوسط لا يمكن التمييز بين مواقف رئيس الحكومة ومواقف الرئيس الأمريكي. هذان البرجان التوأمان يقومان بالقراءة في الجوقة من الصفحة نفسها. بشأن المواقف الأخلاقية لا يوجد بالطبع مجال للحديث.
يوجد قتلة للصحافيين في دول كثيرة، التي تواصل إقامة علاقة ممتازة مع الولايات المتحدة، وعدد منها مع إسرائيل. لا أحد يطلب من الإدارة الأمريكية إدانة السعودية على العدد الكبير من الإعدامات التي تنفذها كل سنة، والتي أخذت تتنافس فيها مع جارتها إيران. لا توجد أي دولة، حتى التي في أوروبا، ترفع علم الأخلاق وحقوق الإنسان، لم تعلن عن قطع علاقتها مع السعودية أو فرض عقوبات على القتلة الذين شاركوا في احتفال الذبح في إسطنبول.
بين نتنياهو وترامب شبكة علاقات لسارقي الخيول: في مرة يستخدم نتنياهو ترامب كدعامة لسياسته، وفي مرة ترامب يستخدم نتنياهو لتبرير مواقفه. في هذه المرة جاء دول إسرائيل كي توفر لواشنطن الملجأ من معضلة التصادم مع السعودية. إن اكتشاف الـ سي.آي.ايه الذي وصل إلى استنتاج بأن ولي العهد السعودي قد علم، بل وأمر بالقتل، وضع أمام ترامب عبوة ناسفة شديدة. إن تبني استنتاجات الـ سي.آي.ايه يمكنه تخريب صفقة الـ 110 مليارات دولار المتعلقة بشراء الوسائل القتالية من قبل السعودية، والإضرار بسياسة العقوبات على إيران. هذا إذا قررت السعودية رداً على ذلك عدم جسر الفجوة في إنتاج النفط التي يتوقع حدوثها نتيجة فرض العقوبات والتسبب بارتفاع أسعار منفلت العقال. فإنه حسب رأي ترامب هذا يشكل ثمناً باهظاً يصعب تحمله مقابل قتل الصحافي.
ترامب سارع إلى فرض عقوبات على 17 سعودياً، الذين حسب الاشتباه كانوا متورطين في عملية القتل، لكنه اختارهم بعناية. مثلاً، تشمل القائمة سعود القحطاني، وليس أحمد العسيري، نائب رئيس المخابرات السعودية. القحطاني حسب التقارير هو الذي تلقى المكالمة الهاتفية المدينة من رئيس طاقم الاغتيال ماهر المطرب، الذي طلب «إبلاغ رئيسه بأنه تم تنفيذ المهمة». الرئيس هو ابن سلمان.
قرار الرئيس الأمريكي الحفاظ على الحلف مع السعودية من أجل إسرائيل يحرج رئيس وزرائها
أحمد العسيري كان المتحدث بلسان القوات السعودية العاملة في اليمن، وتمت ترقيته من قبل ابن سلمان إلى منصب نائب رئيس المخابرات. وهو مثل القحطاني تمت إقالته من منصبه من قبل الملك سلمان.
السعودية من ناحيتها اعتقلت 21 متهماً وتم تقديم لوائح اتهام ضد 17 شخصاً، والنيابة العامة طلبت إصدار حكم الإعدام على خمسة منهم بدون الإشارة إلى أسمائهم. هذه الخطوة التي تم القيام بها قبل اكتشافات الـ سي.آي.ايه كان يمكنها تخفيف الرد الدولي ـ لا سيما الأمريكي. ولكن في حينه جاءت الاكتشافات وكذلك التسجيلات الأخرى من تركيا، التي لم تأت بجديد، لكنها أضافت بعداً دراماتيكياً لعملية القتل. وقد طلب من ترامب الرد وبسرعة.
كعادته، قام ترامب باختراع رواية خاصة به. أولاً، «لا يوجد لدى الـ سي.آي.ايه أي معلومات قاطعة بخصوص تورط ولي العهد بعملية القتل»، ثانياً، علاقاتنا مع السعودية ـ أي أنه يجب التمييز بين عملية القتل المسؤول عنها أشخاص ربما يكون ابن سلمان عرف عنهم وبين الدولة». ثالثاً، السعودية هي حليفة في الحرب ضد الإرهاب وضد إيران. رابعاً، يجب الحفاظ على مصالح إسرائيل و«شركاء آخرين في المنطقة». ولكن كل ركن من هذه الأركان الأربعة يستند إلى أساس واهن.
لا يمكن الفصل بين المملكة السعودية وابن سلمان. فالسعودية هي ابن سلمان. وعندما يعترف ترامب بأنه «ربما يكون ابن سلمان علم وربما لا»، ولكن لـ سي.آي.ايه ليس لديها «معلومات قاطعة»، فهو يشكك بوكالة الاستخبارات لديه لصالح من رتب عملية القتل. وماذا لو تم نشر دليل قاطع على أن ابن سلمان هو الذي أمر بالقتل؟ هل سيتمسك ترامب بموقفه قبل الأخير الذي يقول إن من كان متورطاً يجب أن يعاقب، بدون صلة بمكانته ووظيفته، أو أنه سيخترع تبريراً جديداً؟
السعودية ليست حليفة في الحرب ضد الإرهاب، فهي لم تشارك بالفعل في الحرب ضد داعش، هي تتعاون مع فصائل من طالبان في أفغانستان، وهي مسؤولة عن قتل آلاف المدنيين اليمنيين الأبرياء. السعودية هي حقاً شريكة في النضال السياسي ضد إيران، هي تعمل في اليمن ضد الحوثيين المدعومين من طهران، وتعهدت بزيادة إنتاج النفط لمنع نقص عالمي سيحدث في أعقاب فرض العقوبات على إيران. لكنها فشلت في تآكل قوة حزب الله في لبنان، عندما أمر ابن سلمان رئيس الحكومة سعد الحريري بالاستقالة، وبعد ذلك تراجع عن موقفه. وهي لم تنجح في الاندماج في الحرب في سوريا والتأثير على مستقبل الرئيس بشار الأسد، وتخلت عن العملية السلمية بين إسرائيل والفلسطينيين.
فيما يتعلق بإسرائيل، فإن السعودية ساعدت نتنياهو في القيام بزيارته إلى عمان، وقامت بلي ذراع البحرين التي أنقذتها من الانهيار أثناء مظاهرات الربيع العربي عندما أرسلت قوات عسكرية لقمع المتمردين، ومكنت من زيارة وزير الاقتصاد، حسب مصادر أجنبية. السعودية تمسك في أيديها الكأس المقدسة التي يطمح نتنياهو في الوصول إليها ـ علاقات دبلوماسية مع دولة عربية رائدة، التي تحقق تصريحاته بشأن التحول الذي يجري تجاه إسرائيل في الشرق الأوسط. هذا لم يحدث بعد. وأول أمس أعلن الملك السعودي بأن المشكلة الفلسطينية هي على رأس سلم أولويات المملكة.
إن ارتداء ترامب درع إسرائيل الواقية من أجل الدفاع عن نفسه من الانتقاد العالمي والحفاظ على زبون هام لصناعة السلاح الأمريكية، تستكمل تحديد وظيفة إسرائيل كمستشارة للسيد. وإن انسحاب ترامب من الاتفاق النووي مع إيران الذي هز العالم استند إلى «مصالح إسرائيل». الاعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية إليها جاء من أجل تحقيق مصالح إسرائيل. والآن أيضاً براءة ولي العهد السعودي مدينة لـ «مصالح إسرائيل». العائلة، كما هي العادة، في المقام الأول.
تسفي برئيل
هآرتس 22/11/2018