الرد على مؤامرات الخارج لا يكون باجتياح المدن وقتل الناس

حجم الخط
0

ريما كمالطال ظني أن لا أحد كالفلسطيني، يمكن أن يتفهم ما معنى أن تجتاح الدبابات والمصفحات المدن والقرى الآمنة، وما الذي يتركه ذلك على نفوس وعقول السكان المدنيين الناجين من حصاد أرواحهم. فمنذ الانتداب البريطاني على فلسطين، خبر الفلسطينيون اجتياح مدن القدس ويافا وقرى ريف فلسطين قمعا للمظاهرات السلمية التي ما فتئت تنادي بسقوط وعد بلفور، والتحالف الدولي الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني، ناهيك عن قصف منازل الثوار الذين تصدوا ببنادقهم الصدئة للهجمة الصهيونية على بلادنا. وتطور الاجتياح عشية عام 1948 مع انتقاله إلى الجنود الإسرائيليين، ليشمل ارتكاب مجازر لإجبار السكان على الهروب إلى مناطق أخرى، ضمن عملية تطهير عرقي أدت إلى فقدان ثمانين بالمئة من سكان فلسطين لديارهم ووطنهم. ولم يتوقف الأمر كما هو معروف، فبعد اجتياح باقي فلسطين عام 1967 وقتل عشرات آلاف الفلسطينيين، استمر الاجتياح حتى الاّن في سائر الأراضي المحتلة من مخيم جنين إلى الخليل إلى قطاع غزة، سعيا لقمع الانتفاضات الفلسطينية التي بقيت تطالب برفع الظلم، فيما اقتصر دور العالم (المتمدن) والعالم العربي والإسلامي على الاستنكار اللفظي لهذه الجرائم التي لا تتوقف. وتعني معاينة الاجتياح لمن لم يشهده، أن يتقلص كل ما في داخلك ماديا ومعنويا، فلا تعود تشعر بالحاجة إلى طعام أو شراب، ويجف كل ما فيك، فتشعر أن دمك قد استقر في قاع قدميك، ولا تعود قادرا على النظر في عيون من حولك حتى لا يظهر لهم كم أصبحت بلا حول أو قوة، فأنت لا تملك حتى حق الدفاع عن النفس، وكل ما تملكه هو أن تنتظر الموت أو النجاة. وتزداد قتامة الصورة عندما تنجو وأنت بقرب شهيد أو شهيدة لا تملك إمكانية إكرامها بالدفن، فتقبع بجانبها مذبوحا من الداخل. ولهذا فقد شكل اجتياح بيروت عام 1982، واجتياح بغداد عام 2003، ضربة قاصمة للفلسطيني خاصة لإيمانه بأن قضيته لا تنفصم عن قضية كل العرب، وأن كل جرح يصيب الوطن العربي إنما يمتد نزيفه على أرض فلسطين. وفي ظل هذه الأوضاع الأليمة جاءت بارقة الأمل مع انتصار المقاومة اللبنانية عامي 2000 و2006 لتقول أن زمن الهزائم قد ولّى، وليتجدد الأمل بقوة مطلع هذا العام مع الثورتين المجيدتين في تونس ومصر. ولن أنسى ما حييت الفرحة التي رأيتها في عيون أبنائي وهم يشهدون انتصار الثورتين، وتصاعد ثورتي اليمن وليبيا، وما زوّدت به أبناء الوطن العربي من عزيمة اكتسبوها لبناء مستقبل أفضل، وكأنهم ولدوا من جديد. وكبر أملنا بأن أصبحنا نرى أن خلاص العراق بات قريبا، وأن حلمنا العربي لم يعد سرابا. فرحنا ونحن نشهد انتقال الثورات من بلد لآخر، ومن موقع لآخر. وتعرّفنا على مواقع جديدة في وطننا العربي لم نسمع بها يوما، فقد حرص الاستعمار السياسي (الخفي) والثقافي (المكشوف) أن يعمل على إبعادنا عن بعضنا، فأصبحنا نعرف معالم في لندن وباريس، ونجهل معالم طرابلس وصنعاء. شخصيا لم أعرف سابقا أن منطقة المكلاّ تقع في اليمن، رغم أننا كنا نغني في طفولتنا ‘يا بنات المكلاّ، يا دوا كلّ علة’. إلا أن ربيع هذه الثورات تم اجتياحه بعنف في عقولنا ونفوسنا بالمشهد السوري الذي شكل الصدمة الأكبر، فقد اعتدنا على اعتبار سورية حاضنة فلسطين، واعتدنا على تسميتها بقلب العروبة النابض حتى أن أحمد شوقي قال في قصيدته التي مطلعها سلام من صبا بردى أرقّ، ومنذ أكثر من تسعين عاما : جزاكم ذو الجلال بني دمشق- وعزّ الشرق أوله دمشق! نعم إنها سورية العراقة والأصالة، عبق التاريخ والحضارة، سورية التي علّمت العالم حروف الكتابة! إنها سورية التي عندما نسير في أسواقها نحسّ أننا بحاجة إلى أن نرفع رؤوسنا زهوا وكبرياء. فهل يعقل أن نستوعب ما يجري على أرضها من جرائم بحق شعب أبيّ، طالما احتضن الهمّ العربي واحتمل في سبيله الكثير من العسف والشقاء، وأن يأتي الاجتياح هذه المرة من الحاكم ونظامه بدعوى أن هناك مؤامرة خارجية تستهدف أركان الحكم (المقاوم) .نعم، هناك مؤامرة خارجية على سورية، تماما مثلما هناك مؤامرة على لبنان والسودان والصومال والجزائر واليمن ، وكل بقعة عربية بما فيها ثورتا مصر وتونس. نعم، هناك من يعمل داخل سورية وخارجها لصالح هذه المؤامرة، ولكن التصدي لذلك لا يكون باجتياح المدن وقتل الناس، بل بالتلاحم مع الشعب والوقوف صفا واحدا في وجه كل ما يهدد الوطن الأعلى والأغلى . وحتى مع افتراض تصديق (أكذوبة) العصابات المسلحة التي تعيث فسادا، فإن استمرار وجود هذه العصابات في إجرامها على مدى خمسة شهور، وتمكنها من قتل وتهجير عشرات الآلاف لدليل صارخ على أن هذا النظام الحاكم قد فقد شرعيته، ما دام غير قادر على توفير الأمن لمواطنيه. أوجعتنا سورية، التي أفهمت فرنسا أن دمّ الثوار نور وحقّ، ولو كنت ضمن السائرين في مظاهراتها السلمية لحملت يافطة كتبت عليها: ‘أسد عليّ…’، وحتى الأسد لا يقتل أبناءه وعزاؤنا في مئات الشهداء مقولة شوقي – من جديد -: وللحرية الحمراء باب، بكل يد مضرجة يدقّ. كاتبة فلسطينية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية