بدفء شفيف يعانق خلجات الروح ويلامس شُغاف القلب، بحرص عميق وتفاصيل كثيرة تتراوح بين الأمل والرجاء، والفرح والتمني، لتصب جميعها في غدير واحد، تتدفق منه كل مفردات السعادة، ومواعيد أخرى مع الحياة، بل أغنيات مغلفة بترانيم محبة ترقص على وتر الخلود.
تصلنا تلك الرسالة، وقد تكون رسائل شتى، لكن تبقى هناك رسالة واحدة فقط هي التي تغير أهواءنا وتمضي بمزاجنا نحو السماء، وبدون شك هي التي تصنع فارق يومنا وتقلب الدقائق إلى نغم شعري، فتُطرب المهجة، وتُسحر العين بأصفى كُحل مزجه المحب من أحداقه.
نكتب تلك الرسالة، بملء أحاسيسنا التي لا تنفك عن سرد كل شيء، برقة كبيرة ولطف شديد، بارتعاشات مشاعرنا التي تتهادى طهرا، فتطوى كل أميال البعد، وتُزرع مكانها زهورٌ من الوصل، أريجها الوفاء، ولونها الود وماؤها الحب. نبدأها عادة بعبارات تكون الأقرب إلى ذواتنا، محملة بمخزون حسي هائل من اللهفة والهيام، المكلل بسلام ترف مُخضر من نسيم الريحان الندي، وعهود اللقاء الحتمي، بوهج يقاوم كل شعور بالخذلان ويشق طريقًا آخر نحو الحرية والأمان، فتكتسي بطابعها الربيعي الذي لا يرحل ولا يبيد. وكما قال الشاعر بهاء الدين زهير: «رسائل الشوق عِندي لو بعثت بِها إليكم لم تسعها الطرق والسبل».
وتعتبر الرسائل بين المحبين من أندر الأجناس الأدبية التي مرت عبر تطور اللغة، ولربما تعد الرسائل بين جبران خليل جبران ومي زيادة أكثرها شهرة وحضورا بين أوساط المثقفين، وفي المجتمع أيضًا، التي دامت تسعة عشر عامًا بدون أن يلتقيا، حيث كانت تنساب في حلم وديع يتقصى أثر النبض، إذا سرى بين أحضان العاشقين. وهنا مقتطف مما أرسله جبران: «تقولين لي أنك تخافين الحب. لماذا تخافينه يا صغيرتي؟ أتخافين نور الشمس؟ أتخافين مدَّ البحر؟ أتخافين طلوع الفجر؟ أتخافين مجيء الربيع؟ لما يا ترى تخافين الحب؟». هي هوية تنبثق من إحداثيات وجدانك الذي حُفرت بين جنباته علامات الوله والحرص الدفين، بأعاصير تموج بين طيات السنين، بين خطى حيرى وقصائد عُجنت بتيم بهي اختمر من فتنة النجوم وبدلال رهيف.
٭ كاتبة من البحرين