مع بدء التفاوض بين الولايات المتحدة وروسيا في جنيف، حينما أصبح واضحا أن الهجوم الامريكي يؤجل ومجرد وجوده مشكوك فيه، سارع كل المحللين الى زعم أن الرسالة التي ينقلها هذا التطور الى ايران، هي أنه لم يعد لديها ما يقلقها، وأن امكانية عملية عسكرية امريكية موجهة على برنامجها الذري قد سقط من جدول العمل. ولم يوجد حتى قبل احراز المصالحة الدراماتية أي أساس لهذا التفسير. فسورية ليست ايران والسلاح الكيميائي ليس سلاحا ذريا وكل محاولة للمقايسة بين الرأي العام في الولايات المتحدة في ما يتعلق بعملية عسكرية في سورية، وبين موقف الجمهور الامريكي في المستقبل من الهجوم على المنشآت الذرية الايرانية تقوم على خطأ. لا توجد في سورية حرب بين أخيار وأشرار، لكنها حرب أهلية دامية بين أشرار وأشرار، في وقت لا يسهل فيه تحديد أيهما شرٌ أكثر من الآخر. وليس الوضع كذلك بالنسبة لايران وبرنامجها الذري، لأنه يجري هنا صراع واضح بين الأشرار جدا ايران وبين الأخيار وهم العالم الحر ومنه اسرائيل. وعلى حسب كل استطلاعات الرأي فان ايران أكثر دولة مكروهة من قبل الولايات المتحدة، ويراها الشعب الامريكي هي ـ لا الصين ولا روسيا ولا سورية ـ أخطر تهديد للولايات المتحدة. ولا يوجد أي أساس ايضا للمقارنة بين السلاح الكيميائي والسلاح الذري، فالسلاح الكيميائي الذي في يد الاسد لا يهدد الولايات المتحدة، ويُشك في أنه يهدد اسرائيل، أما في مقابل ذلك فان الرأي العام في الولايات المتحدة يرى أن السلاح الذري الذي يملكه النظام الاصولي في ايران هو تهديد حقيقي للأمن القومي. وحينما سيُبين الرئيس باراك اوباما لشعبه أن السلاح الذري الذي تملكه ايران قد ينتقل الى منظمات ارهابية على هيئة قنبلة ذرية تصل في حاوية الى ميناء في نيويورك، فان دعم الرأي العام في الولايات المتحدة وفي مجلس النواب لعملية عسكرية موجهة على منشآت ايران الذرية سيزداد على نحو عجيب. إن الوضع اليوم أصبح قاطعا لا لبس فيه بقدر كبير، ورسالة التهديد الى ايران واضحة. إن الاتفاق بين الولايات المتحدة وروسيا الذي يفترض أن يفرض على الاسد بخلاف ارادته وطموحه أن يتجرد تماما في غضون نحو من نصف سنة من كل السلاح الكيميائي ووسائل انتاجه قد يكون اذا نُفذ تطورا عظيم الأهمية ونقطة تحول في السياسة العالمية. والحديث عن انجاز امريكي وروسي واسرائيلي ايضا بصورة غير مباشرة. إن معنى الايام الاخيرة كما ذكر رئيس الوزراء هو أن الدبلوماسية الخلاقة التي تعتمد على تهديد بعملية عسكرية يمكن أن تُحدث أمرا عظيما. وينبغي أن نضيف الى هذا استعداد الولايات المتحدة لأن ترى روسيا شريكة في ادارة العالم. كان واضحا لاسرائيل منذ زمن بعيد أن الحل الأساسي في الأمد البعيد لخطر السلاح الذري الايراني يكمن في تعاون بين الولايات المتحدة وروسيا. وقد ثبت أن روسيا غير معنية بصورة خاصة بأن يملك الاسد سلاحا كيميائيا، رغم دعمها له، ومن المؤكد أنها غير معنية بأن يكون لايران سلاح ذري. إن السابقة السورية للتعاون الامريكي الروسي قد تنجح بالنسبة لايران ايضا، وعلى كل حال فان مجرد هذا الاحتمال هو عامل ردع للايرانيين. إن صورة العملية على سورية هي النقش على الجدار الذي يجب على الايرانيين أن يقرأوه. وقد قال اوباما لا غيره هذا بصراحة. وبيّن لاثبات ذلك أن الجمع بين التهديد الصادق باستعمال القوة والدبلوماسية الخلاقة التي أثبتت نفسها في سورية يمكن أن يشير الى حل القضية الذرية الايرانية.