الرسام العراقي (هيمت) نموذجا: العيش في الرسم من جهة كونه بداهة عيش
فاروق يوسفالرسام العراقي (هيمت) نموذجا: العيش في الرسم من جهة كونه بداهة عيشغ1ف لانها يجب أن تحضر فان الرسوم غالبا ما تتخفي وراء سبب يستدعيها، انها تبعث في خيال صانعها (وهو في الحقيقة خادمها المطيع) قوة للبحث عن ذريعة ما، هي في مثابة أصبع متوتر يظل يشير اليها. لا ترغب الرسوم في أن تكون ضيفا مباغتا في حفل صامت، بل انها تحلم في الذهاب تلقائيا الي الموقع الذي هيئ لها في حفل يزيده حضورها صخبا. بهذا المعني لا تحرث الرسوم الا أرضا سبقتها اليها التكهنات، هناك دائما حكاية، فكرة، واقعة، تكون بمثابة معضلة (شخصية أو عامة، لا فرق)، يحضر الرسم ليضع لها حلا بما يملك من خيال بصري. نادرة تلك اللحظات التي عاشها الرسم بعيدا عن تأويل متحذلق يري في تمرد الرسامين نوعا من الفوضي التي تمليها حيرة من يبحث عن خلاص من واحدة من تلك المعضلات المفترضة. كان الرسم دائما ولا يزال (علي الرغم من تعرضه اليوم للانقراض) مبعوثا للابلاغ، هناك نشيد لا يكتمل الا بحضوره، هناك أجزاء من الحكاية يمليها خفق جناحيه. ظل الرسم الخالص تهمة، يرد عليها المتورطون فيه بنظريات تظهر انحيازها القلق الي العقل، وهي نظريات صدقها الكثيرون فتحولت (بعيدا عن رغبة مخترعيها) الي ايقونات مدرسية. هناك رغبة عارمة في تقنين الطيش والمجازفة، وهو ما يجعلنا ننظر الي الدراسات التي تخصصت بدراسة رسائل (فنسنت فان كوخ) بشيء ضروري من الريبة، فهي تنطوي علي قسوة مبالغ فيها في تعريف الشقاء الانساني، الذي حرص فنسنت علي أن يودعه قلب المشهد الطبيعي. واذا ما كان فنسنت غير مسؤول عما انتهت اليه تأويلات الايادي الخشنة التي امتدت الي رسائله الاستفهامية المعذبة، فان كاندنسكي وبول كليه قد ارتكبا خطأ فادحا بسعيهما الي استدراج فنهما الحر الي قفص الدرس. ان من يقرأ (الروحي في الفن) لكاندنسكي لن يتمكن أبدا من سماع الموسيقي التي ترتجلها أشكال ذلك الرسام، ومن يقرأ دروس كليه في الرسم فان كثيرا من لذة العيش تفوته وهو ينظر الي رسوم ذلك العبقري، وهي رسوم تقدس اللامعني الذي تنطوي عليه فكرة الوجود. لقد حاول الرسام العراقي الراحل شاكر حسن آل سعيد أن يحصر رسومه في زواية الدرس الصوفي غير أنه أخفق حين خانته عبقرية تلك الرسوم. وكما أري فان الرسام العراقي هيمت وهو الذي اقام معارض في غير مدينة عربية ليكشف عن تماهيه مع رسوم آل سعيد هو نموذج للرسام المضاد الذي يعلي من شأن الرسم، من جهة كونه انشغالا خالصا، وصفة سحرية، طلسما لا يزيده التفسير العقلي الا غموضا ولا يفتح أبوابه الا لعين بريئة قدمت من أجل التعرف عليه.غ2فالصورة بالنسبة لهيمت هي فكرة العيش الوحيدة. مصباحه الذي يتقدمه في ليل المعني. لا يهتم هيمت كثيرا في أن يكون صانع أفكار، (هناك أفكار في كل منعطف وهناك صور تجسد تلك الافكار أيضا). عزلته في محترفه الباريسي تنجده بنوع مختلف من الصور، وهي صور لا انتهاء لها، حيث ينتج بعضها البعض الآخر، ذلك لأنها مستلهمة من تقنية الحكايات الشرقية، هناك حيث تتشظي الليلة الواحدة لتكون ليالياً، مثل شهرزاد يتخفي هيمت برسومه، وسيلة لخلاصه الشخصي غير أن تلك الرسوم لا ترهقنا بوجوده، ذلك لأن الرسام يحرص علي خفته التي هي دعوة للنسيان. وهو في ذلك انما يقلد مثاله، (لا أحد يتذكر شهرزاد في محنتها الوجودية وهو يقرأ كتاب الليالي). استخرج هيمت تقنيات رسومه من فم شهرزاد، فصارت حكاياته الملونة لا تستغيث بالمعني ولا تسعي اليه ولا تسمح له بأن يستدرجها الي قفصه. صارت موعظة رسومه تنحاز الي اناقة مستحبة يسعي الي اكتسابها اي معني متحرر من غلواء وجوده، لكي تبقي اناقة غير متاحة الا لمن اجتاز عتبة المعني في بحثه عن الجمال. هذا الرسام يروي في استغراق. سلسلة رسومه تذكرني بسلسلة الرسام الامريكي وليام دي كوننغ (نساء)، لا من جهة الشكل ولكن من جهة ما تمثله اللوحة بالنسبة الي اللوحة التي تليها أو التي تسبقها. ما من لوحة في امكانها أن تشكل وحدها كيانا مغلقا، فالابواب المفتوحة علي جهتين تسمح للايقاعات الشكلية بالمرور من والي كل لوحة. ومع ذلك ففي كل لوحة هناك تمرد شكلي عميق لا ندركه جيدا لاننا ألفناه. فهيمت يرعي أشكاله بقسوة وصرامة يكشف عنهما توتر تلك الأشكال.غ3فمن أين يستخرج هيمت أشكاله؟ يده التي تسبق عينه الي تلك الأشكال إنما تفعل ما يمليه عليها خيال صورة لم تعمر طويلا في ذاكرته، صورة تشظت مثل مرآة ولن تستعيد حالتها الأصلية. لذلك فانه يراها كما يفعل الحالم، مزيج قصاصات تتداخل مادتها الواقعية بالوهم الذي تصنعه تلاقيتها فيما بينها وتقاطع ظلالها. يده تتبع نغما خفيا تطلقه وحدات تتكرر كما لو أن كل واحدة منها تطلع من عدم خاص بها، لتعود اليه. يري هيمت الي وحداته تلك كونها جزءاً فالتا من عالم كان قد عاش بين ثنياته يوما ما، وهو اذ يعود الي ذلك العالم عن طريق الرسم، فانه لا يسعي الي ترميمه بقدر ما يحاول التقاط شيء من فتنته التي يخونها الوصف. ولهذا فان ما يستخرجه هيمت من ذلك العالم ليس أكثر من أثر خطواته التائهة الذاهبة هي الاخري الي غيابها. يده المشفقة علي تلك اللقي تلقي بعناية علي الورق أشكالا هي مزيج من ظلال وعطور وأشباح وأصوات، مزيج غامض تشترك كل الحواس في تأليفه من غير أن تدعي امتلاكه، ذلك لانه ينتمي الي عالمه المفتون ببراءته، حيث تتفتق عبقرية رؤاه في كل لحظة عن فكرة رخاء بصري مفاجئ. لشدة صفائها تبدو رسوم هيمت كما لو أنها لم تغادر بعد مصدرها الخيالي، ولم تشتبك بأية عين ملوثة بالنظر أو بأية اذن ملوثة بالسمع. لا تجرد العالم من شكلانيته بل هي تستحضره مثل الموسيقي مجردا. رسوم تهبنا جمالا يغالي في انتسابه الي فكرة الجمال، من جهة توقه الي التسامي الزاهد بكل معني. لا غرابة في أن يتخذ هيمت موقفا متقشفا ازاء كل ما يراه، فالقليل الذي لديه يكفي للارتقاء بالروح، من غير المغامرة في الكشف عن خباياها. رسوم هيمت تمارس سحرها من غير أن تعتذر، فهي لا تقدم اسبابا، تسبقها الي عين المتلقي شحنة خيال، تجعل السطوح تشف عما تخبئه. كما لو أن هيمت يمد يده الي حجر مبلل بمياه الينابيع ليحرره من صلابته. كيف يمكننا أن نفقه رغبة الرسام في أن يعيد الأشياء الي حالتها الأولي، حيث لا تضاد؟ قد يفهم الانسجام الذي ينسج هيمت خيوطه بروية وصبر وابتهال خطأ في عالم تغلب عليه نزعة التضادات الذهنية والتصويرية الخشنة، وهو عالم الرسم الذي هيمن عليه الفرنسي جان دوبوفيه منذ ستينات القرن الماضي. ما ينبغي أن ندركه أن هيمت يقيم في منطقة أخري، جنة اخترعها لتكون مأوي لشقائه الابدي الذي وهبه ذات يوم فكرة أن يكون رساما. هل يرغب هيمت في أن يقول لنا: هذا هو الرسم. معرفتي به تؤكد أنه لا يقيم وزنا لمثل هذه الجملة، فهي بالنسبة اليه سؤال أكثر مما هي جواب. سؤال يزيده التأمل فيه حزنا ورقة وورعا. فهذا الرسام الذي لا يحترف الرسم بل يعيشه، لا يخشي شيئا بقدر ما يخشي الرسم. شاعر وناقد من العراق يقيم في السويد0