لا يكفي للمبادىء أن تكون نبيلة وطاهرة كي تلقى لها جمهورا وأتباعا بل إن سوق الضلالات في عصرنا هذا له رواد أكثر من سوق الأخيار والناس فقدت التمييز أو تعامت قصدا وقد ‘زغلل’ عيونها البريق والأثواب ومسوح الجاذبية التي تخفي من وراءها المصائب كما حذر الشاعر: احذر محاسن أوجه فقدت محاسن أنفس ولو أنها أقمار سرج تلوح إذا نظرت فنور وإذا مسست فنار وما ينطبق على البشر ينسحب على المبادىء، ولعل اختيار الأمم المتحدة مثلا لمن يسمون بالفنانين ليمثلوا مبادءهم تحت سفارة النوايا الحسنة لهو دلالة كيف أن المبدأ الحسن يجب أن يقدمه شخص يتمثله فلا يعقل أن يتكلم عن الفضيلة من يوغل في انتهاكها على الشاشات العلنية وفي حياته الشخصية!واللا ما معنى القدوة ومن سيقتنع بالاقتداء بشخص يتموضع أمام الكاميرات ليضع حجر أساس أو ينزع لغما أو يطعم مسكينا بينما حياته وسيرته هدم لاخلاق وقيم المجتمع وتجويع للغرائز واطلاق لها في الحرام؟!وفي سوق المبادىء لا يظهر الإسلام وهو الدين الخاتم المكمل لما سبق من الرسالات أحسن حالا بل لعله أكثر الديانات تعرضا للتشويه والانتقاص الممنهج وعن جهالة، وبدأ ذلك بقرن الإسلام بالإرهاب وهي تهمة كفيلة بالصاق جميع القبائح والصور النمطية وإبعاد وترويع الناس منه إن على المسلمين والدعاة أن يفهموا أنه لا يكفي للحق أن يكون حقا حتى ينتصر وينتشر بل إن على الحق أن ينزل الى مستوى العامة كما يرتقي الى فهم الخاصة فيراه الناس واقعا معاشا في حياتهم لا شعارات فضفاضة تتردد في الهواء، على الشباب أن يروا فيه جدة تناسب حياتهم وموئلا لطموحاتهم كما يرى فيه الكبار اكتمالا وجنيا لغراسهم، وعلى المرأة والرجل والطفل والعالم والقائد والاقتصادي أن يروا فيه مشروعا ينتظم جميع جوانب الحياة ويتحقق فيه الهناء الدنيوي والأخروي ولقد قام مجلس العلاقات الأمريكية الاسلامية (كير) بإطلاق مبادرة متميزة بعنوان (جهادي My Jihad) لنشر وتوضيح معنى ومفهوم الجهاد وهو سنام الإسلام وعموده، والمبادرة الاعلانية تحمل صورا وعبارات توضح مفهوم الجهاد بالمعنى المطلق الواسع وهوالنضال لأجل قضية وهدف نبيل وتنزله للتطبيق اليومي في واقع الحياة، وهو كما يقول نهاد عوض مسؤول كير ‘مفهوم عظيم يبدأ من جهاد النفس’ والذي وصفه الحديث أنه الجهاد الأكبر بينما وصف القتال والحرب بالجهاد الأصغر كونه محصورا في هدف وزمن بينما جهاد النفس مستمر ما دام النفس يجري في الإنسان. وأضاف عوض’ الجهاد يعني أن تجاهد نفسك لتصبح مواطنا أفضل، زوجا أفضل، عاملا وجارا أفضل، والجهاد بعيد كل البعد عن معاني الاعتداء والتعدي فالايذاء للبشر والممتلكات الخاصة تجاوز وخرق لروح الإسلام وروح الجهاد، حتى القتالي منه، الذي يعتبر علاجا جراحيا لمشكلة لم يحلها السلم ولا الهدنة ولا الهداية وحتى تُحفظ الأرواح والأعراض والأموال والعلانات تصور مواطنين مسلمين وغير مسلمين يحملون عبارات على شاكلة ‘جهادي أن أبني جسورا قوية يعبر عليها الناس والسيارات’ واخر يصور امرأة تحمل كاميرا والشعار يقول ‘جهادي أن أظهر الحقيقة عندما يريدون إخفائها’ ويقول منظمو الحملة أن الهدف من هكذا حملات أن ينشأ أبناء المسلمين في أجواء صحية لا تنظر اليهم والى دينهم بازدراء واتهام وابراز صورة الإسلام وسماحته واهتمامه بالدنيا وعمارتها، وبهذا المفهوم يستطيع الكل أن يجاهد ويعيش ذلك الفرض العظيم في حياته بل ويتأمل أيضا بأجر الشهداء بصلاح النية والعمل كما جاء في الحديث ‘أكثر شهداء أمتي أصحاب الفرش ورب قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته’ بحاجة نحن أن نقدم هذا الدين المتين الكامل في أثواب رفيقة تقربه للقريب والبعيد كما هو بحق دين سمح رحيم العفو شيمته والتغافل والذمة والوفاء من أعظم أخلاقه، ولعل هذه الحملات تنتقل الى بلادنا فنحن لسنا أحسن حالا بكثير من الغرب فالجهل وإساءة البعض تنفر أبناء الإسلام من دينهم وقد آن للحضن الواسع أن يضم أبناءه من الأقارب ويكون حسن الصورة أمام الأباعد.د. ديمة طارق طهبوبqmn