الرقابة العسكرية في تل أبيب.. بين حفظ أمن الدولة وهندسة وعي الإسرائيليين

وديع عواودة
حجم الخط
0

الناصرة- “القدس العربي”: “الرقابة العسكرية” في إسرائيل واحدة من منظومات العمل الموروثة من أنظمة الطوارئ الخاصة بالاستعمار البريطاني في فلسطين منذ العام 1945، وعلى أساسها تمّ تشريع عدة قوانين إسرائيلية. رسمياً، تعرف “الرقابة العسكرية” في إسرائيل بـ”رقابة الصحافة والإعلام”، وهي وحدة تابعة للاستخبارات العسكرية تهدف إلى مراقبة مسبقة للمضامين المتعلقة بـ “أمن الدولة”.

في السنوات الأخيرة، بدأت الرقابة العسكرية الإسرائيلية تتدخل أيضاً في عمل الأرشيفات الرسمية، خاصة بما يتعلق بعملية رقمنة المستندات ونشرها عبر الإنترنت

وطبقاً للقانون الإسرائيلي الخاص بـ”الرقيب العسكري”، فهو المسؤول عن ضمان أن لا تتضمن أي مادة تُنشر جماهيرياً وتنتقل بين الأشخاص معطيات قد يؤدي نشرها إلى المساس بـ “أمن الدولة، وسلامة الجمهور، والنظام العام”. وهكذا تقوم “الرقابة العسكرية” بفحص مضامين قنوات التلفاز، والإذاعات، والإنترنت، والصحف، والكتب، فتمحو بنفسها مقاطع، أو تأمر الناشر بمحوها.

“الرقابة العسكرية”، العاملة في مقرها المركزي في “بني براك” في تل أبيب، يُفترض أن توازن بين الحق بالتعبير والنشر والعمل الصحفي وحق الجمهور بالمعرفة من جهة، واحتياجات الأمن من جهة أخرى. وسبق أن حدّدت المحكمة الإسرائيلية العليا أن الرقيب العسكري لا يستطيع إلغاء نشر مادة صحفية إلا إذا كان نشرها موضوعياً يمسّ باحتمالات عالية بأمن الدولة وسلامة الجمهور ونظامه العام.

وقد حصل في الماضي أن راقبت وفحصت مراسلات الإسرائيليين، جنوداً ومدنيين على حدّ سواء، خاصة عندما تُرسل من البلاد إلى الخارج. وفي السنوات الأخيرة، بدأت الرقابة العسكرية الإسرائيلية تتدخل أيضاً في عمل الأرشيفات الرسمية، خاصة بما يتعلق بعملية رقمنة المستندات ونشرها عبر الإنترنت. وحسب موقع “محادثة محلية” العبري، فقد عالجت الرقابة العسكرية حتى الآن 2962 وثيقة تاريخية، تم نشر معظمها دون تدخل.

يُشار إلى أن الأرشيفات في إسرائيل تنشر مواد عن حوادث مرّ على حدوثها 30 عاماً على الأقل، بيد أن بعض الحوادث والجرائم الصهيونية التي تمت خلال نكبة 1948 ما زالت مستنداتها الأرشيفية محظورة، مثل مستندات مذبحة دير ياسين، وذلك خوفاً من فضح عمق وبشاعة ومنهجية الإبادة والتهجير.

تسريب للصحف الأجنبية

ويترأس “الرقابة العسكرية” الرقيب العسكري الرئيس، وهو عادة ضابط في جيش الاحتلال، ويعمل معه فريق عمل كبير يتعامل مع الصحافة الإسرائيلية. لكنها لا تنطبق على الصحافة الأجنبية أو الصحفيين الإسرائيليين العاملين مع وسائل إعلام أجنبية.

وفي كثير من الأحيان، تحظر الرقابة العسكرية على صحفي إسرائيلي نشر مواد في وسيلة إعلام إسرائيلية، فيما يتمكن صحفي آخر من نشر ذات المواد في وسيلة إعلام أجنبية، كما حصل عدة مرات خلال الحرب الحالية.

وعلى خلفية ذلك، يلجأ بعض الصحفيين الإسرائيليين إلى تسريب معلومات بحوزتهم ويمنعون من نشرها من قبل الرقابة العسكرية إلى صحفيين أجانب خارج البلاد، ويتم الاقتباس مما تنشره وسائل الإعلام الأجنبية.

تجلّى ذلك في قيام مستشار نتنياهو، فيلدشاين، المعتقل منذ أيام بشبهة المساس بأمن الدولة، بسرقة مستندات استخباراتية وتزويرها وتسريبها لصحيفة “بيلد” الألمانية بهدف تسويد صورة “حماس”، والقول إن إستراتيجيتها تشمل رفض صفقة تبادل، والسعي لتشجيع الإسرائيليين على الخروج للشوارع والتظاهر، وهو ما يهدف إلى هندسة وعي الإسرائيليين ومنعهم من الاحتجاج بقوة، خاصة بعد الكشف عن مقتل 6 من الرهائن، قبل نحو شهرين ونيّف، في رفح.

الرقابة في فترة الحرب

وحسب معطيات رسمية، حظرت الرقابة العسكرية نشر 613 مادة صحفية، وشطبت مقاطع من 2703 مواد صحفية خلال 2023، بعد انخفاض متتالٍ في عدد التقارير والأنباء المحظورة خلال السنوات الأربع التي سبقت الحرب.

وطبقاً لـ “الحركة من أجل حرية المعلومات”، فإنه منذ اندلاع الحرب قبل 13 شهراً، يحضر مندوبو الرقابة العسكرية إلى استوديوهات القنوات التلفزيونية للاطلاع مباشرة على مضامين المواد قبل بثها.

منذ بدء الحرب، ارتفعت نسبة تدخل الرقابة العسكرية في نشر المواد المرسلة إليها مسبقاً من 20% من مجمل المواد إلى 31%، كما ارتفعت نسبة المواد المحظور نشرها بالكامل من 7% إلى 18%.

وحصل مثل هذا الارتفاع في تدخلات الرقابة العسكرية وحظرها نشر مواد خلال عدوان “الجرف الصامد” على غزة عام 2014، حيث تدخلت بـ3122 مادة صحفية وشطبت بالكامل 597 منها. أما في العام الأخير، فتلت الرقابة العسكرية 10527 مادة صحفية لمعاينتها مقابل 5916 مادة في العام الذي سبقه.

ازدياد التذمر

ومع ذلك، وطبقاً لمعطيات الحركة من أجل حرية المعلومات، تتدخل الرقابة العسكرية في المضامين الصحفية في السنوات الاعتيادية على أساس يومي بمعدل 1000 إلى 3000 مرة في السنة الواحدة.

وطبقاً لموقع “العين السابعة”، المختص بنقد المضامين الصحفية في إسرائيل، فقد رصدت الرقابة العسكرية خلال الأيام الخمسين من الحرب 3415 معلومة نشرها الإعلام العبري وكان يفترض أن تقدم لها مسبقاً ولم تقدّم.

في كثير من الأحيان، تحظر الرقابة العسكرية على صحفي إسرائيلي نشر مواد في وسيلة إعلام إسرائيلية، فيما يتمكن صحفي آخر من نشر ذات المواد في وسيلة إعلام أجنبية

كذلك، رصدت في الفترة المذكورة 414 نشراً صحفياً خضع للرقابة العسكرية سلفاً، لكن نشرها لم يلتزم بتعليماتها كما يجب. وعادة، تقوم طواقم التحرير في وسائل الإعلام العبرية بغربلة المواد يومياً واختيار أي منها يرسل للرقابة العسكرية سلفاً. وعندما تقرر هذه حظر النشر، يحظر على وسيلة الإعلام التلميح لذلك، وهكذا يبقى عملها طي الكتمان وداخل الغرف المظلمة معظم الوقت، وهو أمر غير موجود في أي دولة ديمقراطية في العالم.

وتضاعف عمل “الرقابة العسكرية” في إسرائيل منذ اندلاع هذه الحرب في أكتوبر 2023، بالتزامن مع ازدياد تذمر وسائل إعلام عبرية من تقادم عمل الرقيب العسكري في ظل الثورة المعلوماتية وسريان المعلومات في منتديات التواصل الاجتماعي.

ويرى موقع “محادثة محلية” الإسرائيلي المعارض أن الرقابة العسكرية تبدو في مرات كثيرة عقاباً للمؤسسات الصحفية الرسمية المسؤولة عن وساطة وتمرير المعلومات للإسرائيليين.

وهناك من يتهم “الرقابة العسكرية” بأنها تميز في وظيفتها بين وسيلة إعلام عبرية وأخرى، لاعتبارات غريبة، تمنع نشر هذه المادة هنا وتسمح بها هناك.

يُشار هنا إلى أن القانون الإسرائيلي يعفي الرقابة العسكرية من الانصياع لأنظمة حرية المعلومات. وفي السنوات الأولى لقيام إسرائيل، اعتاد رؤساء حكومتها دعوة محرري ومسؤولي الإعلام العبري وإشراكهم بشكل منهجي بمعلومات سرية يُحظر نشرها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية