بدد مقتل زعيم حماس، يحيى السنوار الذي أعلنت عنه إسرائيل يوم الخميس، الكثير من الأساطير الإسرائيلية حوله وقادة الحركة التي قالت إنهم أشعلوا النيران في غزة واختبأوا في شبكة الأنفاق، أو مترو غزة كما يحبذ الإعلام الإسرائيلي وصفها ومعه الإعلام الغربي الذي يقلده في كل شيء. وبدلا من اغتياله بمقاتلة تحمل قنابل أمريكية الصنع زنة الواحدة منها 2.000 رطل، منع جو بايدن تصديرها إلى إسرائيل ولكنها استمرت باستخدامها، دليلا على أن الشحنات لم تتوقف، فقد كانت صورة يحيى السنوار الأخيرة مناسبة لنهاية مقاتل فلسطيني وشهيد قاتل حتى اللحظة الأخيرة فوق الأرض مواجها أعداءه، الجنود الإسرائيليين. ولم يكن السنوار كما روج الإسرائيليون متحصنا وراء الأسرى الذين يستخدمهم كما زعموا كدرع بشري، ولم يكن مختبئا في نفق تحت الأرض على الجانب الآخر من حدود غزة مع مصر، كما لم يهرب من بلده غزة.
والمفارقة أن الجنود الذين خاضوا معركة مع السنوار ورفيقيه لم يتعرفا عليه إلا في اليوم التالي من مقتله في بناية بتل السلطان في مدينة رفح، جنوب القطاع. ولم يكن مقتله والحالة هذه نتيجة معلومات استخباراتية واسعة وملاحقة دقيقة.
واللافت للنظر أنه مات بعيدا عن جباليا أو الشمال التي تقوم إسرائيل بحرثها وتحويلها لمنطقة خالية ضمن ما صار يطلق عليها خطة الجنرالات.
وفي ملاحقة السنوار، كان لدى إسرائيل كل الوسائل الإستخباراتية التي لا تتوفر لأي دولة في العالم. بل وزادت الولايات المتحدة من جمع المعلومات الإستخباراتية عن غزة بعد هجمات حماس في 7 أكتوبر 2023 حيث فشلت إسرائيل عن الكشف عن خطط السنوار ورفاقه في هجوم اعتبره الإسرائيليون الأسوأ منذ الهولوكوست. فلا الرادارات الخارقة للأرض ولا مسيرات الاستطلاع التي تجمع المعلومات كانت قادرة على رصد حركة زعيم حماس قبل مقتله. وطوال عملية ملاحقة استمرت عاما أو يزيد، ظلت الآلة الدعائية تروج أن السنوار في الأنفاق وأنه يهرب من نفق إلى آخر، وفي العادة على عجل تاركا وراءه مرة مليون شاقل ووثائق. وفي الأسبوع الماضي نشرت الصحف الأمريكية تسريبات عن وثائق زعم الجيش الإسرائيلي عما أطلقت عليه حماس المشروع الكبير، حيث كان السنوار يهدف لاجتذاب إيران إلى المواجهة مع إسرائيل.
إلا أن مقتله وهو يقاتل حرم وحدات النخبة التي لاحقته لعام وحاولت التكفير عن خطيئة الفشل الإستخباراتي بالقبض عليه أو قتله، كما قالت صحيفة «الغارديان» (17/10/2024). وعلقت أن الجيش الإسرائيلي سحق معظم غزة وهو يبحث عنه وقتل أكثر من 42.000 فلسطيني وهجر مليوني نسمة من بيوتهم وخلق كارثة إنسانية. وقالت إن عملية ملاحقة زعيم حماس المراوغ استخدمت مزيجا من التكنولوجيا المتقدمة والقوة الغاشمة، حيث استخدم من لاحقوه كل شيء. وكانت الفرق التي تلاحقه هي قوات أمنية متخصصة بالمهام الخاصة في الجيش الإسرائيلي ومن وحدات المهندسين وخبراء الرقابة وتحت مظلة «وكالة الإستخبارات الإسرائيلية» أو الشاباك/شين بيت.
وتعلق الصحيفة أن الملاحقين لزعيم حماس لم تنقصهم الخبرات، فالقتل المستهدف هو التكتيك الذي استخدمته إسرائيل منذ إنشائها. وأشارت إلى طبيعة الفرق التي لاحقت زعيم حماس من وحدة الهندسة ياهالوم والوحدة الإلكترونية 8200 وشبكة العملاء التي جددها شين بيت في غزة بعد الغزو البري لغزة إلى جانب طائرات الاستطلاع الغربية والجهود الأمريكية المستقلة للبحث عن السنوار الذي كان يعرف عدوه، فقد تعلم لغته ودرس عاداته وثقافته، وترجم بعض من الدراسات عنه وكتب رواية «الشوك والقرنفل» لكي تلهم الأجيال من «الخليج إلى المحيط ومن المحيط إلى المحيط».
وترى صحيفة «الغارديان» أن كل النظريات التي انتشرت، من الجانب الإسرائيلي عن مكان اختفاء السنوار أساءت تقدير معتقده وحماسه الأيديولوجي وصعوده في صفوف حماس من خلال ملاحقته للعملاء ومحاولته اختطاف الجنود الإسرائيليين. وكما قال المسؤول السابق لجهاز فلسطين في جهاز الإستخبارات الإسرائيلية «أمان» مايكل ميليشتين إن بقاء السنوار في غزة هو جزء من حمضه النووي وسيواصل القتال والموت في وطنه.
وفي حالة السنوار حصل على ما تمنى، وكانت وفاته محتومة بسبب إصراره على القتال حتى الموت وتصميم عدوه على ملاحقته. وإذا فشلت الملاحقة المزودة بالتكنولوجيا في العثور عليه، فقد فضلت إسرائيل تدمير كل غزة حتى يقتل في النهاية.
تحطيم الدعاية
وفي الصورة الأخيرة للسنوار الجريح الذي يحاول دفع مسيرة كانت تتجه نحوه فقد صنع أسطورته. ورأت صحيفة «فايننشال تايمز» (18/10/2024) أن الفيديو الأخير الذي نشرته إسرائيل للسنوار «أذهل» أهل غزة وأعاد تشكيل صورته بين الفلسطينيين الذين تعبوا من الحرب. فقد هشم الفيديو الصور عن زعيم حماس التي حاولت إسرائيل الترويج لها وطوال الحرب. فقد شاهد الفلسطينيون الزعيم الفلسطيني فوق الأرض وبالزي العسكري. ونقلت الصحيفة عن مواطن في خان يونس، مسقط رأس السنوار قوله إن وفاته «ستزيد من شعبيته». وقالت الصحيفة إن الكثير من أهل غزة عبروا عن سخط من حماس بسبب الهجوم الذي دمر حياتهم وشردهم، لكن اللقطات الأخيرة للسنوار بدت للكثير من الغزيين وقفة تحد ضد إسرائيل وبددت بعض النقد الذي تعرض له من الفلسطينيين. ونقلت الصحيفة عن مخيمر ابو سعدة المحاضر السابق بالعلوم السياسية في جامعة الأزهر ويعمل حاليا استاذا زائرا بجامعة نورث ويسترن في إلينوي «ما سمعت ورأيت مرة أخرى أن معظم الفلسطينيين يحترمونه» و«يعتقدون أنه مات وهو يقاتل على الجبهة في المعركة ضد إسرائيل مثل الكثير من مقاتلي حماس» و«كل النقد للسنوار اختفى اليوم وبالكامل».
وأشارت الصحيفة إلى منصات التواصل الاجتماعي العربية التي احتفلت بشهادة السنوار على أرض رفح وفي قلب المعركة، حسب أحد المستخدمين. ورأى عباس عراقجي، وزير الخارجية الإيراني في تغريدة على منصة إكس أن السنوار «قاتل بشجاعة حتى النهاية في المعركة» و«مصيره صور بجمالية صورته الأخيرة، وليس ردعا ولكن إلهاما لمقاتلي المقاومة في كل المنطقة».
لو كان الأمر بيد نتنياهو
ولو كان الأمر بيد المسؤولين الإسرائيليين لمنعوا انتشار صور السنوار ولحاولوا إظهار مقتله بطريقة تتناسب مع دعايتهم عنه وحماس. ولم يتسن له إخراج العملية لأن الجنود لم يعرفوا إلا صدفة أن السنوار أمامهم وقام أحدهم بإرسالها إلى صديق له نشرها على وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن يفكر الجيش بطريقة لتقديم ما حدث وتشويه عدوهم الذي ضربهم في العمق.
لكن هذا لم يمنع الإسرائيليين من الاحتفال بمقتله، وحفلت منصات التواصل الاجتماعي بصور الرقص على الشواطئ وفي البيوت والجنود يوزعون الحلوى على السيارات وشباب يرقصو بجنون، ومن يشربون نخبه ويفتحون زجاجات الشمبانيا وآخرون يحملون قطع اللحم المشوي.
في وقت سارعت فيه حكومة بنيامين نتنياهو للتأكيد أن السنوار قتل في منطقة لم يكن فيها أي من الأسرى. وسادت لغة انتصارية في خطاب الحكومة اليمينية المتطرفة، وخرج نتنياهو ليعيد نفس كلامه الذي يقوله منذ سنوات ويبهره باقتباسات من العهد القديم وأن داود قتل كل أعدائه. وبشر بالنور الذي سيحل محل الظلام. وقال في خطاب متلفز: «اليوم تعرض الشر لضربة شديدة، لكن المهمة التي تنتظرنا لم تكتمل بعد». وزاد على هذا هوسه بالحديث عن تشكيل الشرق الأوسط، فقد تحدث عن تغيير النظام في إيران وهدد اللبنانيين إن لم يتخلصوا من حرب الله فسيواجهون غزة ثانية. وكرر استعارة استخدمها في خطاب ألقاه الشهر الماضي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، ودعا الشرق الأوسط إلى إدراك أن إسرائيل تقدم لهم خدمة. وقال: «في غزة، وفي بيروت، وفي جميع أنحاء المنطقة، يتراجع الظلام ويشرق النور. أنا أدعوكم، يا شعوب المنطقة: لدينا فرصة عظيمة لوقف محور الشر وخلق مستقبل مختلف». وبدا نتنياهو منتفخا ومتعجرفا وحاول تبرير استراتيجيته لتحقيق «النصر الكامل» وقال: «لقد أصبح من الواضح الآن للجميع، في البلاد وفي العالم، لماذا أصررنا على عدم إنهاء الحرب».
أما وزير الدفاع الإسرائيلي يواف غالانت فقد قال إن «السنوار قتل بعد ضربه وتعذيبه وكان هاربا ولم يمت كقائد ولكن كشخص لا يهتم إلا بنفسه» مضيفا أن هذه «رسالة واضحة» لأعداء إسرائيل الآخرين وكذا سكان غزة. وفي تغريدة على إكس استعاد آية من سفر اللاويين: «ستلاحق أعداءك وسيموتون أمامك بالسيف». ولم يختلف وزراء اليمين المتطرف مثل بتسلئيل سموتريتش، وزير المالية الذي دعا على منصات التواصل الاجتماعي الجيش أن «يكثف الضغط العسكري في غزة، مع تقديم ممر آمن ومكافآت مالية لأي شخص يعيد أسرانا ويختار إلقاء سلاحه ومغادرة المنطقة».
وقال سموتريتش: «بعد عقود من الزمان، نثبت أن هناك حلا عسكريا للإرهاب». وحذر في رسالة واضحة إلى أولئك «عبر المحيط الذين حاولوا منذ فترة طويلة الضغط علينا لوقف الحرب» من أنه «إذا كانوا يهدفون إلى صفقة استسلام الآن فأنا أقول لهم: انسوا الأمر». والموقف الإسرائيلي ليس مستغربا، سواء كان من الحكومة أو الشعب، فالإسرائيليون لا يعرفون أو لا يريدون معرفة ما يحدث لغزة وسكانها، والدمار في القطاع غائب بشكل تام عن شاشات التلفزة والتغطيات الإعلامية.
أمريكا المحبطة
لكن ما هو مستغرب الموقف الأمريكي. فقبل يوم من مقتل السنوار، نشرت صحيفة «واشنطن بوست» (16/10/2024) تقريرا نقلت فيه شكوى المسؤولين الأمريكيين من التصعيد الإسرائيلي في غزة ولبنان. وجاء فيه أن إسرائيل تعقد المراحل الأخيرة في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، حيث بات التصعيد الإسرائيلي نقطة ضعف في حملة نائبة الرئيس كامالا هاريس ومحاولتها الوصول إلى الرئاسة.
فقد كانت تأمل وبايدن أن يظل مرجل الشرق الأوسط يغلي تحت السطح وفي الأسابيع الأخيرة من السباق الرئاسي. ففي الوقت الذي عطل التصعيد في لبنان خطة وقف إطلاق النار دعمها البيت الأبيض إلى جانب فرنسا، حيث تخلى عنها بايدن ليدعم الغزو البري للبنان.
وقالت الصحيفة إن تردد الإدارة نابع من ترددها بالدخول في معركة علنية مع نتنياهو، رغم خوفهم من خسارة الصوت العربي الأمريكي. وحتى عندما قررت الإدارة التحرك لوقف المجاعة في غزة منحت في رسالة سرية سربها الإعلام الإسرائيلي من وزير الخارجية أنطوني بلينكن ووزير الدفاع لويد أوستن إسرائيل 30 يوما لزيادة المساعدات الإنسانية، ما يعني أن أي عقوبات ضد إسرائيل لن تحدث إلا بعد الانتخابات. كما رفض المتحدثون باسم الإدارة القول فيما إن كانت القيود على الأسلحة لا تزال مطروحة على الطاولة. وتعبر بيانات الإدارة بشأن الحرب المتصاعدة بالمنطقة عن رؤية مرتجلة ولا تؤثر في النهاية على سلوك نتنياهو الذي يفعل ما يريد ثم تأتي واشنطن لإصلاح الوضع أو تهدئته.
وفي غياب الضغط على إسرائيل، يحاول المسؤولون الحديث عن إنجازات الإدارة وأنهم ساهموا بدخول المساعدات الإنسانية إلى غزة وحاولوا منع الحرب في لبنان وتوسع المواجهة مع إيران. وبعيدا عن هذه التصريحات فإن تقييمات الإدارة الخاصة تظهر أن الدعم الإنساني الذي وصل إلى غزة تراجع بنسبة 50 في المئة منذ الربيع. وقد أقر معظم المسؤولين الأمريكيين بأن الجانبين لن يتوصلا إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بشأن الأسرى مع نهاية العام. كل هذا ألقى بظلاله على حملة هاريس التي باتت تخشى أن الناخب العربي والمسلم وخاصة في ميشيغان، موطن واحد من أكبر التجمعات السكانية العربية الأمريكية والمسلمة في البلاد، لن يصوتوا لها، وهو ما سجلته صحيفة «الغارديان» (14/10/2024). وعندما دخلت هاريس السباق لأول مرة، عبر المستشارون لها عن أملهم في أن يساعد حديثها المختلف نوعا عن بايدن وإشارتها القوية لمعاناة الفلسطينيين، على كسب قطاع كبير من الناخبين العرب الأمريكيين والمسلمين الغاضبين من دعم الإدارة لإسرائيل. إلا أن الحصول على دعمهم أصبح صعبا مع تصعيد إسرائيل الحملات العسكرية وبدعم أمريكي.
استفاقة بايدن الأخيرة
وبعد مقتل السنوار تخلت الإدارة عن شكوكها بوقف إطلاق النار الذي اختفى من الخطاب العام لها، وبدا وكأنها مستعدة لانتهاز فرصة غياب زعيم حماس وإعادة ترتيب الأمور في غزة. وبدا وكأن السنوار هو الذي كان عقبة أمام جهود وقف إطلاق النار وليس نتنياهو، وكأن فريق بايدن يقرأ من نفس النص، فهاريس دعت إلى ترتيب وضع غزة بدون حماس وقالت إن السنوار كان عقبة لوقف إطلاق النار، فيما هنأ بايدن نتنياهو على مقتل السنوار ودعا إلى وقف إطلاق النار وانتهاز الفرصة. وكتب توماس فريدمان في «نيويورك تايمز» (17/10/2024) عن خطة فريق بايدن لبناء سلام بعد وفاة السنوار مع أنه اشترط ذلك بموافقة نتنياهو وحكومته على الخطة التي يعمل عليها فريق بايدن، وتشمل على مشاركة السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية بعد إصلاحها في قوة حفظ سلام دولية تتولى غزة بدلا من حماس. وأشار إلى أن بلينكن وبتوجيه من بايدن ونائبة الرئيس كامالا هاريس ناقش مع وولي العهد السعودي محمد بن سلمان وعبد الفتاح السيسي، رئيس مصر ومحمد بن زايد رئيس الإمارات أفكارا حول ما يجب القيام به في اليوم التالي لانتهاء هذه الحرب لإعادة بناء غزة بعد حماس، وتمهيد الطريق للتطبيع السعودي الإسرائيلي، وخلق الظروف لمحاولة أخرى من قبل إسرائيل والفلسطينيين للتفاوض على مستقبل مختلف في كل من غزة والضفة الغربية. وتتلخص الفكرة في موافقة الرئيس الفلسطيني محمود عباس على تعيين الخبير الاقتصادي ورئيس الوزراء السابق سلام فياض ـ أو أي شخص لا يتمتع بالفسادـ كرئيس وزراء فلسطيني جديد لقيادة حكومة تكنوقراطية جديدة وإصلاح السلطة الفلسطينية، واستئصال الفساد، وتطوير الحكم وقوى الأمن.
مات السنوار واقفا وبرحيله يقفل على فصل جديد من المقاومة الفلسطينية وبانتظار فصل آخر، وبالمعنى الحقيقي، فقد جسد السنوار في حياته حكاية فلسطين، وحكاية عائلته وعوائل عدة هاجرت من الساحل إلى غزة التي ظلت مصدرا للثورات ضد إسرائيل منذ إنشائها. وقد آمن السنوار أن القوي لن يظل قويا، وفي حوار مع طبيب أسنان السجن أخبره «نحن مستعدون للتضحية بعشرين ألفا وثلاثين ألفا ومئة ألف. وبعد عشرين سنة ستضعف فأهاجمك» وكانت عمليته «طوفان الأقصى» دليلا على معرفته بمواطن ضعف عدوه. وكما قال ميليشتين فكل خطوة وقرار اتخذه السنوار في حياته كان ينم معرفة بعدوه.