الرقص علي حافة الهاوية: لبنان المخطوف الهوية والارادة دائماً.. الي أين؟
مطاع صفديالرقص علي حافة الهاوية: لبنان المخطوف الهوية والارادة دائماً.. الي أين؟كما أن الحدث الفلسطيني الناجم عن الانتخابات وانفتاح طريق الوصول الي حكم السلطة الوطنية، أمام حماس، ليس حدثاً معزولاً أو محلياً، وقد تكون له تداعيات عربية واسلامية في المنطقة، كذلك فان في لبنان أحداثاً من نوع آخر، لها محصلة داخلية واقليمية بالغة الأهمية منذ الآن، وبداية من ردود الفعل السريعة علي حفلة الخطابات المدوية التي حولت ذكري مصرع رفيق الحريري، الي ما يشبه تواطؤاً علي اعلان حرب سياسية ثلاثية الجبهات وفي وقت واحد ضد الأكثرية الأخري المتمثلة في حزب الله وطائفته الكبيرة، ومعهما ذلك القطاع الواسع من المسيحيين المحازبين للجنرال عون وشرائح أخري كثيرة وموزعة بين كل الطوائف، وتمت الي نوع الجماهير الموصوفة عادة بالصامتة أو المتفرجة، أو النائية بذاتها عن (غوغائيات) الشارع. أما الجبهة الثانية التي يصر عليها دائماً وفي كل مناسبة، بعض أبواق المتبقين من فصائل الرابع عشر من آذار، فهي الموجهة طبعاً الي سورية، دون تمييز بين نظامها وشعبها. يبقي أن الحرب الثالثة، والتي ليس لها ساحة واضحة بعد، فهي مصوبة نحو ايران.اسرائيل تتحدث عن محور جديد للشر أو كما يدعوه أحد قادتها بقوس الشر الممتد من ايران الي سورية الي بعض لبنان والي فلسطين حماس والجهاد الاسلامي. لكن مهرجان الذكري الأولي لمصرع الحريري، كانت مهمته الأولي المبادرة ليس الي تسمية معظم أقطاب ذلك المحور فقط بل الي اعلان حروب السياسة ضدهم مباشرة، في هذه المرحلة علي الأقل. ذلك يعني ببساطة أن مهرجان الذكري الأولي لمن أصبح زعيماً لكل لبنان بعد مقتله، رفيق الحريري، قد تم اختطافه كذلك من طبيعته الأصلية كمناسبة وطنية لاحياء اجماع جديد علي منهج الرجل التوحيدي والسلمي والتوسيطي لكل مكونات لبنان، الي مناسبة لاعادة تقسيم الوطن والمجتمع، داخلياً، وعزل البلد عن عمقه العربي والاسلامي دفعة واحدة.المهم أن يبقي منطق التقسيم هو المتحكم الأول وحده، الذي يفرز في كل مرحلة استقطابات فئوية تولد اصطفافات جديدة قديمة علي قاعدة الطوائف والمذاهب. فالاستقطاب الاسلامي المسيحي الذي أمسي تقليدياً ما دام يحدد عناوين التاريخ اللبناني الحديث عبر تطوراته المختلفة، قد يعتريه بعض التغيير راهناً، اذ يغدو الانقسام عمودياً بعد أن كان أفقياً. هنالك نوع من تقاطع المواقع في خارطة الطوائف والمذاهب، يحدث لأول مرة. فيتلاقي المسيحيون والاسلام (السنة) والدروز في ما كان سيشكل جبهة عندما كان الهدف قبل عام هو اخراج الجيش السوري. وفي المقابل يبقي الجناح الآخر من المسلمين (الشيعة) وحيداً في الساحة. لكن، كما كان متوقعاً راح ينفرط خلالها هذا الاصطفاف (الشاذ) والموقت، مع تغيير المواقف السياسية، وتعارض المصالح بين الزعامات، انطلاقاً من تحالفات الانتخابات النيابية، ووصول الأغلبية الجديدة الي مراكز الحكم، وخاصة مع اختفاء الهدف الجامع بين النقائض، بعد رحيل النظام السوري عن لبنان، وعودة التنافسات القديمة بين الزعامات المسيحية تحت وهج المراكز السلطوية التي حُرموا منها طيلة مرحلة (الرعاية) السورية لاتفاقية الطائف منذ مطلع التسعينيات. فما دُعي بعام الزلازل السياسية انطلاقاً من (كارثة) مصرع الحريري، قد جري تحميله بوعود وأحلام سحرية، استمدت زخمها الأول من السرعة المذهلة التي جلت خلالها القوات السورية عن مختلف مواقعها الكثيرة. وبدا كأن التجمع المليوني الأول من نوعه في تاريخ لبنان، بل والعرب كذلك، الذي طفحت به ساحة الحرية وشوارعها، علي مدي الأيام والليالي عقب مأتم الحريري الدولي، هذا اللقاء الجماهيري الهائل المنقطع النظير بدا كأنه هو القوي المحركة للانقلاب الوطني الشامل الذي اعتبر بمثابة الاستقلال الثاني للبنان. لكن في حقيقة الأمر لا يمكن تناسي (الأمر) الصادر عن (المجتمع الدولي) ممثلاً بمجلس الأمن، المستفيد هو كذلك من الاجماع الجماهيري في بيروت علي ترحيل سورية وتحميل نظامها مسؤوليةََ الاغتيال. لقد صدر الأمر الدولي، الامريكي الفرنسي تحديداً، بهذا الجلاء بما يشبه انذاراً لدمشق بانجاز أمر الانسحاب خلال شهر. ولقد تم الانسحاب خلال أسبوعين. كانت مفاجآت الأحداث السياسية الكبيرة تتوالي بأسرع وأغرب مما يمكن أن يستوعبه خيال أو وعي القادة القدامي والجدد الذين وجدوا أنفسهم دفعة واحدة في الصفوف الأولي من جماهير الساحات العامة. وقد اعتقد أكثرهم أن بمقدورهم الاستيلاء علي الدولة بذات السهولة والعفوية اللتين تسلموا فيهما زمام الشارع.لكن تلك الأوهام الدونكيشوتية كانت لها قصة أخري. فما بين الانقلاب الجماهيري والانقلاب الآخر الموصوف بالسياسي أو السلطوي ثمة هاويات كثيرة ومنعطفات خطرة، أقلها متوقع، لكن جلها مجهول ومفاجئ ولا يولد ويظهر الا في ساعته. ولعل الأغرب في قصة خداع الذات التي ابتليت بها هذه المجموعة المتنافرة من فرسان الانقلاب، أن الأوصياء الكبار الدوليين الذين نزلوا الي حلبة الحدث، لم يكونوا هم أيضاً في منجاة عن اغراءات النصر السريع فاعتقدوا أنهم يمكنهم توظيف الانقلاب الذي قادوه، في تحقيق مشروعاتهم الخاصة بهم. الأمريكي منهم راهن علي أن لبنان أصبح رائداً نموذجياً لمشروع الشرق الأوسط الكبير. والفرنسي صدق أنه استعاد لبنان الي حظيرة انتدابه القديم ليس الثقافي الفرانكفوني وحده بل السياسي معه أيضاً. فالشريكان الأمريكي والفرنسي، في المأدبة اللبنانية فقط صار في وسعهما تكنيس العصر (الثوري) أو الفوضوي من الحاضر اللبناني ومستقبله. لا مقاومة بعد اليوم ولا سلاح في يد حزب الله؛ وأكثر من ذلك صار ممكناً انتزاع لبنان من جغرافية وطن العروبة وتاريخها. هكذا تنبعث مجدداً معارك الهوية. وتُخطف أهدافُ الاستقلال والديمقراطية من يد جماهيرها لتحل مكانها ثنائيات الصراع بين الغالبية والاقلية. فان سنة من التغييرات المفصلية في الجسد الاجتماعي لم تفرز الا محاور، يجمع معظمها الاضداد والتعارضات الفئوية والمصلحية ضمن أحلاف رجراجة غير مستقرة علي أرضية مشتركة حقيقية. كانت سنة التجارب الفوقية ذات الطابع الاكراهي والمصطنع في محاولات عابثة لاعادة صياغة البنية الثقافية للمجتمع، والسيطرة علي وعي الناس الطبيعي والعفوي بافتعال حماسات صورية لمصطلحات القاموس الديمقراطي والتحرري؛ بينما تجري أمام الملأ عمليات اختراع معارك مركبة تارة ضد السلاح الفلسطيني، وتارة ضد سلاح المقاومة الوطنية في جو من الشحن العنصري المنظم يضخ الكراهيات المذهبية خاصة هذه المرة ما بين الأطياف الاسلامية، هذا فضلاً عن توجيه خصومة عنصرية غير مسبوقة ضد سورية ككل ودون تمييز ما بين نظامها ومجتمعها؛ ومن ورائها نحو العرب جميعاً. وكان السلاح الأهم في هذه المعارك البائسة هي الصورة التلفزية والمقالة الصحافية، ثم وصولاً الي تنظيم الاستعراضات الجماهيرية. ومع ذلك فقد عاني التجمع السياسي القيادي المنتمي الي (ثورة الأرز) أو (انتفاضة الرابع عشر) من آذار (مارس) 2005 سلسلة من التفككات، وافتقدت عاجلاً الاهداف الجامعة بعد أن عجزت الاكثرية النيابية عن الاستيلاء علي الدولة بالرغم من النجاح النسبي في تأليف حكومة اتحاد وطني، ضربتها بدورها ومن داخلها التوجهات السياسية المتعارضة حول مسائل حيوية تمس مستقبل لبنان وهويته. لقد أعاد التجمع الجماهيري الأخير بمناسبة حلول الذكري الأولي علي اغتيال الحريري، بعض الزخم الي العلاقات ما بين القيادات الرئيسية التي قضت العام الماضي منفية اما خارج البلاد، أو سجينة معاقلها الجبلية.الهدف الجديد الذي ابتكرته هذه القيادات للحفاظ علي قوة الدفع لتحركها هي وقواعدها، أصبح يتركز حول اسقاط رئيس الجمهورية. بالمقابل فان القوي الأخري المعارضة لمجمل هذه التوجهات التي اتخذتها جماعات الرابع عشر من آذار (مارس) لا زالت تنادي بالحوار وتلاقي الجميع علي بعض الثوابت الوطنية المتبقية. الا أن النداء لن يجد آذاناً صاغية من تلك الأطراف المصممة علي قرارها غير المكتمل في الاستيلاء الكامل علي الدولة من رأس الهرم حتي قاعدته. فماذا يتبقي إذن ان أحبط مبدأ الحوار سوي الارتداد الي منطق الغلبة وحده، بالرغم من أن تجارب الحرب الأهلية قد أثبتت للجميع أنه ليس بوسع فريق إلغاء فرقاء آخرين في هذا المجتمع الفسيفسائي، حيثما أصغر قطعة فيه قد تعادل قوة الكيان بكامله. فما العمل اذن، ان كانت أوامر الوصي الأمريكي تصر علي المضي في مخطط اختطاف لبنان، ولو وصلت الأمور الي حدود التهديد بالانفجار الشامل تمهيداً لتدويل احتلالي هذه المرة.. ومشرّع من قبل المجتمع الدولي. فالوصاية الأمريكية العلنية الفاعلة كأمر واقع من خلف، ومن واجهة كل الاحداث المفصلية خلال العام المنصرم، أمست تسعي اليوم الي اكساب وصايتها شكل المشروعية الدولية، بوسيلة دفع لبنان الي الخيار ما بين الاقتتال الأهلي أو الاستنجاد بالتدويل العسكري أو شبهه.لكن الطريق الثالث بين الخيارين البائسين هو مفاجأة لبنان لذاته ولأعدائه، ولن يكون بعيداً.9