عبد النبي فرجكيهك بارد.. والهواء اللعين يضرب الأبواب بعنف، والشوارع خلت من البشر وفي غرفة صغيرة في طرف البيت من البيت الكبير الذي تسكنه ثماني أسر، سحب سلامة بخيت أولاده ودخل بعد أن استأذن من الحاج بخيت.. إيه ياوليه، لقمة الواحد جاع.. لم ترد، كانت مشغولة بإضاءة اللمبة نمرة عشرة.. غبار من الليل تناثر في الأركان.. صعد سلامة فوق السرير أبو ناموسية الذي كان يفخر به بين أقرانه بل بين أخواته على اعتبار أنه متزوج من امرأة من بيت ميسور وقد تمسك الأب بالسرير أبو ناموسية ومراية رغم أن كل ذلك أصابه العطب فالمراية تكسرت ستين قطعة، والناموسية تمزقت والسيدة التي كانت حلوة ونظيفة تقدر تقول بكل أريحية ضربها جرب، وأصبحت عظما على عظم.. غبار من الليل تناثر في الأركان.. صعد سلامة فوق السرير الذي بلا ناموسية ووضع قدماً على قدم وأخذ ينظر إلى السقف المعقود من الغاب الذي بدا مغبراً، أحضرت أم فتحي المنقد ووضعت القوالح فيه، ودلقت عليه الجاز من الكوز وأشعلت في القوالح النار، العيال تهرش بفعل الحشرات:- ياد يا فتحي…. اِنت يا له… دخل المعزة وهات لها شوية برسيم – أنا بذاكر خلي أشرف اتنطر أبي فجأة: قوم قامت قيامتك جريت وفتحت الغرفة وتذكرت أنني أريد التبول فتبولت بجوار المعزة وسحبتها فتسلل الدخان وتآكلت القوالح وتحولت إلى جمر خالص. أم فتحي بدأت تقمر العيش البتاو على الركية ويصدر منها صوتا هادئاً رتيباً، وعينها الضيقة ينزلق منها الدمع من آثار الدخان فتمسح عينها بكم الجلباب، أمسكت قطعة من النار وغرستها في الحائط وصدر صوت البق ينفجر، جرى أشرف:- أمه هاتي الكولحه.. لم تأبه – أبا أبا.. مش جدي ها يبني البيت بالطوب الأحمر؟- آه أنا كل ما أقول للعيال كده يقولوا: والنبي ياد أنت فشار. انسلتت قطة ودخلت الغرفة.. الغرفة خانقة، وأخي أشرف يلعب مع المعزة ويأكل السريس.. قفز الأب عندما رأى القطة وأغلق الباب – قوم يا كلب يا بن الكلب حلق معايا على القطة قالت أمي: يا راجل سيبها دي الملايكه حرساها وإحنا في الليل – اسكتي أنتي نار همدت ومواء قطة في منتصف الغرفة وفرح مكتوم.. أخذت القطة تدور بعينها في فراغ الغرفة وعندما شعرت بالفراغ قفزت في فزع.. حاول أبي ان يلتقطها وهي تطير في الهواء ولكن لم يستطع وتركت خمش أظافرها على يد أبي الذي صرخ: آه. ولحس الدم النازف من يده.الغرفة عبقت بالدخان وصوت أبي الجهوري يمزع الفراغ وعيونه شجر التوتيا، ووجهه المدور وشاربه الهتلري الذي كلما رأيته ضحكت: بتضحك على إيه يا بن الكلب.. أشير إلى شاربه. – دي زي هترر يا وسخ كنا نضيق عليها الحصار، وهي تنظر إلينا في شراسة ورعب وأمي تكح من الدخان حتى أحمر وجهه المزرق وبرزت عروق رقبتها، والقطة تدور وتزوم – يا راجل اقعد وريحنا الله يريح قلبك – اسكتي ياك سكت حسك – كده والنبي ما أنا مسكاها.. وجلست – يا ولية القطة حاتدخل تحت السرير وحا تكفرنا الليلة دي كانت عيون القطة تلمع بلمعان خفيف، حاول أشرف أن يمسك القطة ففلت ودخلت تحت السرير.. صرخ يا ولاد الكلب قالت أمي: إيه الليلة السودة دي – دي ليلة أمك السودة يا بنت البغلة – ياراجل ما تنكدش علينا.. اتهد ونام – أنا أتهد أمسك أمي وأخذ يضرب فيها بالشلوت وبيديه في حركات هوجاء فدفعته أمي دفعة قوية فسقط على مؤخرته، ويده ضربت المنقد قام واشتبك مع أمي وأخذ يضرب بكل قوة، وقد سقطت التربيعة من على رأسها فمسكته من الصديري وغرست أسنانها في صدره وأخذت تضرب وتضغط بقوة وهو يضرب ويصرخ. دفعها بقوة فارتمت بعيداً عنه.. حاول أبي أن يعاود ولكنها أقسمت لتصوت وتلم البلدتوقف أبي: حاضر.. إن ما ربيتك… طيب يا بنت العضاضة… حاضر – آه بتضرب ليه…. الصمت غطَّى علينا لثوان ثم قام أبي، وقال لفتحي: هات القطة من تحت السرير انا خايف الدنيا ضلمة تحت السرير وكمان ودني بتوجعني- ما احنا واقفين أهه – ماعلش يابا خلي أشرف – يا ولاد الكلب.. اقترب مني وضربني بالشلوت – ياراجل السرير تحته كراكيب وتكون فيه حاجة تقرصه – عليا الطلاق ان ماسكتي لتكوني طالق استجاب أشرف ودخل تحت السرير وأخذ ينادي القطه: بس.. بس ثم خرج- والمصحف والمصحف الشريف ما أنا شايف حاجة – طيب ان ما واريتك عيال أولاد عيال دخل أبي تحت السرير وأخذ يزيح الحاجات والصمت غطي علينا وخيال ورق الغاب النازل من السقف يهتز ومواء القطة يزداد شراسة وأبي يعلو صوته: آه يا بنت الكلب خرج من تحت السرير وقد سقطت الطاقية فظهرت رأس أبي صلعاء وعلي وجهه علامات الانتصار رغم الدم الذي غطي على يديه كنت أنظر ناحية القطة وعروقي متجمدة.. شيء ما توقف وجعلني أبدو مذهولاً، وأبي يبدو في شدة الفرح وهو يضغط بشدة حول رقبة القطة وبطنها وهي تصرخ بشراسة وأنيابها الحادة تظهر جلية وعيناي تتراقص بين التوتياء والزئبقي،علقت أمي الحبل في سقف الغرفة كما أمرها أبي… وتناثر الرماد الأسود فوق رؤوسنا والقطة تعافر وتقدم أبي من الحبل ومرق رأس القطة من الخية وشد بقوة وتركه… تشد القطة وتتراقص رقصة وحشية بمواء حاد وكلما زاد تراقصها زاد ضغط الحبل.. انزوت أمي بجوار الحائط تمسح دموعا سالت منها والقطة في النزع الأخير ترقص رقصة مسائية حزينة، تعزف لحنا جنائزينا.. سيمفونية ألم.. صرخ أخي فجأة.. همدت القطة وتوقفت عن الرقص. تقدم أبي وفك الحبل ورمى القطة في الخارج وأعلق الباب قال أبي: هاتي الأكل يا ولية!قامت ووضعت طبق السلطة والجبن وبعض السريس والعيش البتاو الذي برد أمام أبي الذي تقدم وأخذ يأكل في نهم شديد. qad