الركراكي.. قائد حلم عربي ما زال عصيا على التصديق!

يوم 28 يناير/كانون الثاني 2001، كنت برفقة المنتخب المغربي في مباراته بالقاهرة أمام منتخب مصر في إطار تصفيات كأس العالم 2002 باليابان وكوريا الجنوبية. وكان مدرب منتخب المغرب آنذاك هو البرتغالي هومبيرتو كويليو، وحلّ المغرب باستاد “القاهرة” محملا بتعادل من قلب ناميبيا وبفوز درامي أمام الجزائر من قلب ملعب “الحسن الثاني” بفاس.
ما فعله منتخب مصر حينها أمام رفقاء العميد نورالدين النيبت أقرب إلى الرعب، تسيدوا المباراة وكانوا الأقرب للفوز، وهي المباراة التي أصبحت ملازمة لتعليق المعلق المصري مدحت شلبي بعد تضييع المهاجم المصري طارق السعيد هدفا محققا بعد انفراده بالحارس ادريس بنزكري “وهي ده وهي ده.. حرام عليك يا طارق حرام عليك يا طارق”.
خرج المغرب بنقطة من فكي فريق المدرب محمود الجوهري الذي كان يلقى احتراما كبيرا من طرف المغاربة، قبل أن يفوز المغرب في مباراة الإياب بالرباط بهدف مصطفى حجي الخرافي.
في اليوم التالي لمباراة المغرب ومصر بالقاهرة، أي 29 يناير/كانون الثاني 2001، توجهت برفقة مجموعة من الإعلاميين المغاربة إلى مبنى مؤسسة الأهرام، وكان اللقاء برئيس رابطة النقاد المصريين عصام عبدالمنعم، وكان طبيعي أن نتحدث عن المباراة، وأتذكر أنه بعد تحسره على التعادل وحديثه عن رغبة المصريين الجامحة في حضور المونديال، قال العبارة الآتية: “عارفين أفضل حاجة كسبها منتخب المغرب غير نقطة التعادل؟” تبادلنا النظرات ولم نفطن لما يقصده من سؤاله، قبل أن يتابع: “كسب لاعبا كبيرا هو وليد الركراكي”، ونطق الركراكي بلكنة مصرية خالصة.. نعم قالها بالحرف ولم يذكر لاعبا آخر.
وليد كان آنذاك يخوض أول مباراة له برفقة منتخب المغرب كلاعب رسمي، وأتذكر كيف قاوم وليد الركراكي إعصار المصريين في جهته اليمنى، ولست مبالغا في وصف الإعصار، لأن المباراة كانت كذلك بوجود لاعبين من أمثال ميدو وحسام حسن وحازم إمام وطارق السعيد وسط ملعب يغلي. ونجح الركراكي غير مرة في الخروج بالكرة صوب نصف الميدان، وكان بحق لاعب المباراة في صفوف منتخب المغرب خصوصا وهو ينسجم سريعا مع جوقة لاعبي مونديال 1998 (النيبت وكماتشو وبصير وروسي وحجي…).
يوم28 يناير 2001 شهد ولادة الركراكي كقطعة لا غنى عنها في المنتخب، واستمر في أداء الواجب الوطني إلى غاية 20 يونيو/حزيران 2009 بعد مباراة المغرب وتوغو بالرباط (0-0)، خاتما بذلك 45 مباراة في مساره الدولي الذي طبعه بنهائي كبير سنة 2004 برفقة مجموعة بادو الزاكي، وكان قريبا من تأهل تاريخي إلى كاس العالم 2006 بألمانيا بعد تصفيات شهدت فبركة غريبة منحت أحد فرق المجموعة حق اللعب ضد كينيا بنيروبي بدون جمهور.
وجود الركراكي على رأس منتخب المغرب لم يكن صدفة أو ضربة حظ، فمساره يتحدث عنه منذ بداياته الأولى. وفتح الركراكي عينيه على هذا العالم يوم 23 سبتمبر/أيلول 1975 بكورباي إسون بضواحي باريس في بيت عائلة مغربية قدمت من الفنيدق شمال المغرب بحثا عن ملاذ يضمن لها العيش الكريم. لعب لشباب مدينته الصغيرة سنة 1998 قبل أن يحل في الموسم التالي بفريق كبار راسينغ كلوب، بعدها تنقل بين فرق تولوز وأجاكسيو وديجون وغرونوبل قبل أن يختم مسيرته كلاعب برفقة فريق بمدينته الأولى فلوري ميروجي، مع الإشارة إلى قضائه ثلاث سنوات في الليغا الاسبانية برفقة راسينغ سانتاندير.
والمثير في مساره بغرونوبل أنه لعب إلى جانب المهاجم الفرنسي الحالي أوليفيه جيرو سنة 2008، إذ كان وليد ضمن الفريق منذ سبتمبر 2007، في حين أن أوليفييه جيرو كان عائدا للتو من فريق إيستير، وكتب لهما أن يلتقيا في مونديال الدوحة في نصف النهائي، الأول مدربا لمنتخب بلاده، والثاني هدافا لمنتخبه وحاملا للقب بطل الدورة الماضية.
توقف عن اللعب للمغرب سنة 2009، لكن لم تتوقف آلة التفكير لديه، فقد داوم على حضور الدورات التكوينية بالمغرب وفرنسا، فكان أول حضور له في منتخب المغرب من خلال منصب مدرب مساعد لرشيد الطاوسي سنة 2012، قبل ان يتحول سنة 2014 إلى تدريب الفتح الرباطي أحد الأندية التي وضعت مشروعا كبيرا للنهوض بالفريق منذ سنة 2009. وتوج وليد رحلته مع فريق العاصمة بلقبي البطولة وكأس العرش، وتحول إلى علامة فارقة في الدوري المغربي بسبب تصريحاته وفلسفته في اللعب، وكان دائما يردد إنه “ذات يوم قد يكون مدربا للريال أو البارسا.. لم لا؟”.
ست سنوات مع الفتح الرباطي أعقبتها تجربة برفقة الدحيل القطري توج معه فيها بلقب الدوري، قبل أن يعود إلى الدوري المغربي إلى جانب الوداد المغربي الذي ظلت جماهيره تلح في حضوره منذ وجوده برفقة الفتح الرباطي، ومعه حقق مجددا ما حققه سلفه الحسين عموتة سنة 2017 وضد نفس المنافس، فإلى جانب لقب الدوري المغربي حقق الركراكي لقب دوري الابطال الإفريقية أمام الأهلي المصري في واحدة من أجمل الحكايات التي سطرها في كتاب كرة القدم المغربية.
للركراكي فلسفته الخاصة، لا يقلد أحدا، بل يصنع لنفسه شخصية متفردة، وهو أمر جلب له العديد من الصدامات بالمغرب، إلى درجة أنه أجاب أحد منتقديه بخصوص الأداء أن من يريد الفرجة فليتابع مباريات برشلونة “أنا تهمني النتيجة التي يحتفظ بها التاريخ”، وهو ما كرسه في مباريات المونديال عندما أوقف زحف كرواتيا وصيف بطل العالم وأجهز على بلجيكا وكندا واسبانيا والبرتغال بخطط أصبحت حديث محللي مختلف القنوات في العالم.
في مونديال قطر، أصبح الركراكي ثاني مدرب مغربي يقود الأسود في المونديال بعد الراحل عبدالله بليندة، ورابع مدرب عربي بعد عبدالمجيد الشتالي برفقة تونس في مونديال الأرجنتين سنة 1978 ومحمود الجوهري برفقة مصر في مونديال 1990 بإيطاليا، لكن الأهم هو أنه بعث برسائل من الدوحة عندما قال إن على العرب والأفارقة أن يتخلصوا من عقدة الأجنبي، وأن يثقوا في إمكانياتهم، وهو ما بدا جليا في مونديال قطر إلى حد ما، إذ أن خمسة منتخبات إفريقية حضرت بمدربين وطنيين، وثمانية منتخبات فقط من اصل 32 منتخبا مشاركا في الدورة استعانت بمدربين أجانب.
اليوم، ونحن نستعد لمباراة نصف النهائي أمام فرنسا، لن ينسى المغاربة سريعا دروس وليد الركراكي، فقد ثبّت مفهوم العائلة وسط لاعبي المنتخب كما فعل سابقا مع الوداد، قبل ان يرفع المفهوم عاليا بحضور عائلته وعائلات اللاعبين إلى قطر، ما حول الملعب إلى حالة عاطفية غير مسبوقة من العناق بحضور الأم والأب. لن ينسى المغاربة كذلك مقولة “دير النية وما تخافش” و”ديما مغرب” و”سير سير” و”فلنحلم.. فالحلم بالمجان”، والأهم من ذلك أنهم لن ينسوا أنهم ذات مونديال لم يصدقوا ما عاشوه مع وليد، إلى درجة أن من الطرائف مطالبة بعض الجماهير برحيل الركراكي.. بسبب الفرحة التي رفعت ضغط المغاربة حد الجنون.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية