الروائية الأردنية سميحة خريس في ندوة بعمان: كتبت نصوصي الأولى كمن يمارس هواية.. والأخيرة كمن يحتطب في غابة!

حجم الخط
0

عمان – ‘ القدس العربي’ ـ من سميرة عوض تعترف الروائية سميحة خريس في شهادتها المعنونة ‘ الطريق’: ‘… وللحق فانا خارج الكتابة أكاد لا أعرف نفسي’، وبينت خريس – التي لم تلتزم كثيرا بشهادتها المكتوبة، وقدمت ارتجالا جميلا – أن إحساسها بأهمية الكتابة وضعها على هذه الطريق، مضيفة أن ‘ الكتابة نفسها تحوي آفاقاً جديدة تعلمني، وخلال الكتابة تبرز أشياء ما كانت واردة قبل الكتابة، لا ابالغ بالقول عندما اضع الحرف تبرز فجأة اشياء تغير كل الملامح التي كانت ببالي قبل البدء بالكتابة، أشعر أن في الكتابة أسراراً خاصة، من حظي أن تطلعني عليها’. جاء هذا الكشف في معرض ردها على ‘ قارئ’ في ندوة نظمتها لجنة المكتبة لمنتدى الرواد الكبار بعنوان ‘ تجربة سميحة خريس الروائية’، في قاعة ‘ المكتبة’ في مقر منتدى الرواد الكبار في العاصمة عمان، بحضور رئيسة المنتدى هيفاء البشير، وبحضور أعضاء لجنة المكتبة وعدد من القراء، كما شارك في الندوة التي أدارها مدير المنتدى عبد الله رضوان الكاتب حكمت النوايسة الذي قدم شهادة حول مجمل أعمال خريس الروائية، حيث أصدرت أربع عشرة رواية، وغير مجموعة قصصية. الحياة كريمة معي… وتعترف خريس بفضل الجياة عليها قائلة ‘ أزعم أن ما أثرى تجربتي انني محظوظة في الحياة’، مردفة ‘ على العكس من بعض الكتاب – مع احترامي لهم ولتجربتهم – الذين يكتبون ويواصلون الكتابة بسبب ظلم الحياة لهم’. لتزيد ‘ كانت الحياة كريمة معي، في السفر، وفي العيش في مجتمعات مختلفة، تعودت فيها على قبول الاختلاف الفاقع جدا، واذني تدربت على سماع اصوات مختلفة’، منوهة إلى أن ‘ دراستي لعلم الاجتماع في الخرطوم ساهمت في اثراء قراءاتي، حيث ان السودانيين من أكثر الشعوب قراءة، فقد صرت أتحدى لقراءة كتب جديدة، اخبرهم عنها، كما كانوا يفعلون، كذلك عملي في الصحافة، فأنا بدأت العمل من مندوبة متنقلة في سائر أنواع العمل الصحافي، مما أتاح لي معرفة شخصيات كثيرة، وأحوال كثيرة، استلهمت من بعضها شخوص أعمالي’. وتكشف خريس كرم الحياة معها منذ أمسكت معلمتها شهناز استيتية معها كتاباً للشاعر نزار قباني، وهي على مقاعد الدرس، والتي قالت لها يومها: هناك كتب أخرى، تمكن كتابتها. وفي اليوم التالي احضرت لها كتباً من الادب الروسي والاوروبي، مما فتح لخريس آفاقاً جديدة نحو الأدب، بحسبها.

تنفعل وتتفاعل مع أبطالهاولا تـُخف ِ خريس ‘ انها أثناء كتابة الرواية، تنفعل وتتفاعل مع أبطالها’، ولعل هذا كان أكثر وضوحا في روايتها ‘ يحيى الكركي’، منوهة إلى انها استندت في روايتها هذه على وثيقة عثمانية تقول: ‘ يحيى الكركي ولد في الكرك، درس في الازهر، وعلم في الأموي’، وعليه درست الحياة في ذلك الزمان وتلك الأمكنة، مردفة ‘ تفاعلت مع بطلي يحيى لدرجة انني كنت ابكي في بعض الفقرات، واتوقف عن الكتابة، ذلك أنني لا أعود أرى شاشة الكمبيرتر، فأقول لنفسي، هذه رواية، وليست واقعاً، خصوصا في الفقرة الاخيرة من الرواية وهي فقرة الاعدام التي اضطررت لكتابتها إلى رؤية مشاهد إعدام حقيقية على الانترنت، ومقابلة أكثر من طبيب لمعرفة ما يجري حقا لحظة الاعدام، لأتمكن من أعطاء الفقرة حقها….’، مبينة أن القصص القصيرة التي تنشرها بين فترة واخرى ليست إلا ‘ ومضات أو فتافيت تتساقط من عباءة الرواية’، واحيانا هي ‘ صفحات فائضة من أعمالها الروائية’، تكتبها وهي تعتقد أنها من بنية الرواية، إلا أنها لا تلبث إلا ان تستبعدها عنها، وهو ما حدث معها في مجموعتها القصصية الأخيرة ‘ دومينو’. وانتقدت خريس كتابات بعض الكتاب الذين يسيرون على وتيرة واحدة في كتاباتهم، فلا تعود تقرأ لهم، وعلى سبيل المثال – بحسب خريس – الكاتب ابراهيم الكوني، ‘ قرأت له ثلاث روايات وصرت أعرف ماذا يريد أن يقول فلا أعود بحاجة لقراءة لجديده الذي يكرر نفسه’ كما تقول خريس.

لا بد من حفظ الذاكرة والتاريخونوهت خريس إلى أن حضورالمكان في رواياتها يأتي لاحساس بضرورة ترسيخ الهوية، الكيان، متسائلة ‘ لا افهم ان يكتب الكاتب خارج مكانه، لا بد من حفظ الذاكرة والتاريخ’، موضحة ‘ حضر المكان في كتابتي عن مجتمع إربد، ومجتمع عمان، ومعان، والجنوب، والكرك أيضا.’ وأشارت خريس إلى أنها ‘ بدأت بكتابة رواية تشبه القصص القصيرة كما في رواية ( المد) وبينها خيط معين يشكل خيوط الرواية، وفي معظم أعمالي التي فيها حدث حقيقي أضع معه حدثاً من مخيلتي من اختراعي، ليظهر روايتي وقراءاتي للحدث، الا أنني صرت مشغولة بالحرية، والانسان، في روياتي الاخرى، والان اعمل على رواية اسمها ( بابانوس)، وهذا هو الاسم الشعبي في السودان للـ ( الابنوس)، وهي رواية مغايرة بصورة مؤلمة، معنية ببيع الانسان وتجارة الرق، ومن دون مورابة بالنخاسة’. وخريس التي حاورت القراء في منتدى الرواد لزهاء الساعتين معلنة أنها ‘ معنية بما يرى القارئ الذي قرأني، وفي لقائنا هذا جئت كي أتعلم منكم، وأستزيد بأسئلتكم حول التجربة، ومناقشتنا المشتركة، كيف نطور رفقة الطريق الذي لا احب أن اسير فيه وحيدة، فعلاقتنا هذه كنز لا أريد ان افقده’. عبرت عن ‘ كثير من المحبة والتقدير للمنتدى، ولبصماته المميزة، وقدرته على استقطاب فئات مختلفة في أجواء حوارية غنية بالمعرفة، فضلا عن الشكر لرئيسته شعلة النشاط المتجددة دائماً، هيفاء البشير، ولمديره النشيط عبد الله رضوان’. كل شهادة تتطلب تقريراً عن الحياةواعتبرت خريس ‘ أن كل شهادة تفصح عن التجربة الإبداعية تتطلب تقريراً عن الحياة، تكمن صعوبة هذا الأمر، كون الحياة متغيرة، والتجربة متقلبة، ما كنا نعرفه قبل لحظات، ليس هو تماماً ما نعرفه في اللحظة الراهنة، ولكن تلك الانقلابات المعرفية والتغيرات الحياتية تشكل زاداً زخماً للكتابة، وللحق فأنا خارج الكتابة؛ أكاد لا أعرف نفسي.

تدربت على تأمل النفس والحياة في الكتابة منذ الصغر، لذلك قد أتلعثم في الأحاديث العادية، وقد ارتبك إزاء الأفكار، وقد تطول حيرتي، وقد تفصح شخصيتي عن تناقضات متفاوتة، ولكني في الكتابة؛ أستقيم، كأنها صارت مقياساً لروحي وعقلي، لا مجرد نور يخاتلني على الطريق، ولكن هي الطريق ذاتها، عبرها أعرف غريب ما يطرأ على النفس والروح، وعبرها تتشكل قيمي، لهذا كله أعتقد: إن الكتابة مشروعي الكبير في الحياة، وإنها توازن مشاريعي الموازية في العمل والمهنة والأمومة، ومختلف العلاقات العميقة والعابرة، كما لو أني كائن من حبر.

مهووسة بمراقبة كل ما يصادفنيمثل معظم الكتاب سرت على هذا الطريق مبكراً – تقول خريس – وكنت خلال خطواتي المصابة بالدهشة، والتي تستعجل حيناً وتتلكأ أحياناً، مهووسة بالمراقبة الدقيقة لكل ما يصادفني، سواء كان تحت قدميّ أم أمام عينيّ، أو على جوانب الطريق، ربما لهذا اخترت الرواية كصنف أدبي قادر على تفحص الحياة على هذا النحو، وفي كل الاتجاهات.

وجدت دعماً وتشجيعاً في المدرسة والبيت على حد سواء، ولكنه لم يكن أكثر من دعم الزهو البسيط بطفلة قادرة على كتابة نصوص جميلة. لا أعتقد أن أحداً تخيل أني سأصير كاتبة. أنا نفسي لم أدخل المشروع جادة ً، بل انه بدا نوعاً من اللعب والتسلي، والبوح والتخفيف عن النفس، والتعبير عن وجهة نظري في مشاهد الحياة، فيما بعد أدركت أن الطريق قادتني إلى احتراف الكتاب عبر درب صحيح، عندما اكتمل وعيي بأن الكتابة وجهة نظر حول الحياة، و إلا انتفت أهميتها ولم تعد ذات جدوى.

نضجت تلك الفكرة تماماً عبر نصوصي، على نار هادئة، في سنوات طويلة، في كل تلك الطريق لم أتخل عن انحيازي للجمال والبساطة، وعن دوري في تمهيد الطريق الصعب لمن أراد أن يسير على دربي قارئاً، فقد بت معنية بالوصول إلى القارئ دون الاستخفاف به، والتبسيط المهين، ودون أن أتخلى عن عمق الفكرة الذي يزداد بتراكم تجربتي وخبرات عمري.’اخترت تلك المهمة بوعي كاملوتقارن خريس بين براءة النصوص الأولى، وحرفة الأدب في نصوصها الأخيرة فتقول: ‘ كتبت نصوصي الأولى كما لو كنت أمارس هواية، أشخبط الكلمات، وأعكس روح عصري أكثر مما أعكس مشروعي الخاص، ربما لأن مشروعي نفسه لم يكن قد تبلور في البدايات، وكتبت نصوصي الأخيرة كأني أحتطب في غابة، حيث الجهد والتعب والتسلح بالأدوات، والمتعة أيضاً، أمسكت بمشروعي الإبداعي وعرفته وعرفني منذ أن كتبت رواية ( شجرة الفهود). كتبتها مدفوعة بخيار عاطفي، يزيده حدة واقعي كمغتربة عن بلادي، ولكني بعدها وقد انتهت غربتي المكانية، ظللت على وفاء للمكان والحياة الاجتماعية، أنبش فيهما في أعمالي المتعاقبة، كما تغيرت دوافعي العاطفية، وصارت أكثر وعياً، باتت مرتبطة بمخاوف حقيقية على الزمان والمكان، وعلى التجربة الإنسانية من أن تنطوي مع الموت والتغير فتضيع، ولا يكون هناك تراكم مفيد على الطريق، أو إشارات تساعد في المضي قدماً، اخترت لنفسي تلك المهمة بوعي كامل، أن أضع إشارات على الطريق، وأنظم مسيرة إنسانية تخترق الزمن، ذهاباً إلى التاريخ كما فعلت في رواية ( القرمية) ورواية ( يحيى)، و( إقامة في الحاضر)، أحاسب الراهن الموجع كما في روايتي ( نارة) و( خشخاش)، وتوجهاً إلى المستقبل، كما في كل رواياتي، حتى تلك التي تعالج الماضي.

أنا ابنة هذا المجتمع، ثرية بما فيه الكفاية من الحياة كلها، سافرت واغتربت وعرفت حضارات وبشراً، وتعرضت لتجارب كثيرة، ازعم أن بعضها مغاير ومختلف، يحمل صوراً مفارقة لما نعرفه في المجتمع الصغير، كما أني قرأت كثيراً، اقرأ بنهم في كل أصناف المعرفة، وأعتبر كل ما عشته وما عرفته وما قرأته، خزيناً لكتاباتي، منه آتي بشخوصي، كما يساعدني على فك اللغة المستعصية وتفسير ما أراه، ومع كل هذا؛ أشعر بالجوع والعطش دائماً إلى مزيد من المعرفة، وأخشى أن العمر سيظل ناقصاً، ولا يطيح لي الاطلاع على العالم المذهل الذي أشتهي أن أراه.

أكتب عن الإنسان، وعن نفسي، دون اصطفاف في حركات تحرير المرأة، ولكن بانحياز إلى تحرير الإنسان، أميل إلى كل الأفكار الفذة الخالدة التي دافعت عن حقوق الإنسان ورفضت عذاباته، ودعت إلى حريته وكرامته وعيشه الكريم، وأشك مثل عجائز القرى بنوايا السياسيين، أصحاب السلطة، وكل من يشرفون على هندسة الحياة؛ فتخرج من بين أيديهم مائلة مشوهة، وأراهن على الجمال والمحبة والخير في كتاباتي، دون أن أحكم على نفسي بالعمى عن رؤية الشر، أتعاطف مع الأشياء الناقصة وأقدر محاولتها للكمال.

بين أيديكم حصيلة إنتاجي الأدبي، أربع عشرة رواية، حاولت فيها أن لا أكرر نفسي، أن أجعل كل موضوع يعبر عن معناه ودلالته بلغته، فكثيراً ما تكون لغة الرواية، هي لغة الأشخاص الذين يعمرونها. من شخوص الروايات أيضاً أتعلم، فأنا أخلقهم من خليط مذهل اقتطعه من التجارب والمعارف، كما أعمر نصوصي بأحلامي عن الحياة التي أتمنى، ولعلنا إذا لم نحلم بالجديد، لا يكون لدينا جديد، نتحنط ونذوي، نموت كما الأزهار، في حالة الكاتب فإن الزهرة لا تموت ويظل شذاها عابقاً، حين يكون عطراً أصيلاً، فعبر قرون تنطوي وتذهب بالعالم، أمرائه وسلاطينه وبشره، وطغاته ومساكينه، وبنـّائيه وهدّاميه، يصلنا من الماضي صوت الأدب، نقياً مؤثراً حياً. تحتفي رواياتي بالمكان الأردني، لأنه انتمائي الإنساني الأول، وإن كنت أهيىء في عمل قادم لتوسيع رقعة المكان، لأن العالم يعنيني، الفكرة، والحرية بمفهومها الواسع. علاقتنا كنز لا أريد خسارتهفي لقائنا هذا جئت كي أتعلم منكم، وأستزيد، ربما بأسئلتكم حول التجربة أو مناقشتنا المشتركة حول الحياة، نطور رفقة طيبة على الطريق الذي لا أحب أن أسير فيه وحيدة، وإن بدا للقارئ أن الكتابة فعل فردي، لكننا نصطحب معنا زاداً كثيراً وبشراً كثيرين ومعرفة وخبرة ونحن نكتب، فما بالك بحالنا والنص بين أيديكم، صار ملكاً لكم؟ علاقتنا كنز لا أريد خسارته عندما ينتهي النص، لهذا أطمح إلى أن يكون لقاؤنا هذا رفقة الدرب لنناقش التجربة معاً، كما نناقش هموم الكتابة في مجتمعنا، وأسمع منكم ما يكون إضافة إلى اجتهاداتي المتواضعة. أكرر شكري لإدارة منتدى الرواد الكبار، ودورهم الفاعل والايجابي في الحياة الثقافية على قصر الزمان الذي قدموا فيه تلك التجربة الثرة.’ النوايسة: التنوع الفكريويصف الكاتب حكمت النوايسة بشهادة ارتجالية تجربة سميحة خريس أنها ‘ شمولية، واسعة غير قابلة للتقييد والتأطير’، مبينا أن ‘ سميحة متعددة في كتابة الأنماط الروائية، كما أنها نجحت بفضل التنوع الفكري لديها، في جميع هذه الأنماط، كونها أتاحت لشخصيات رواياتها أن تعبر عن تنوعها كما ينبغي’. ويذهب إلى أن ‘ ما يميز تجربة سميحة هذا التعدد في الأشكال والتقنيات الروائية، فكل رواية مختلفة بنيويا عن الأخرى’، مستعرضا أسلوبها في روايات متعددة، ففي ‘ القرمية’ أشار إلى أنها ‘ تربط بين التاريخ الأردني وغرائبية الفن، عبر بناء قصة تخيلية فنية موازية، كما أنها تعدد الأجيال، فهناك أصوات متعددة داخل الرواية’. ويشير النوايسة إلى أن ‘ هناك رسالة في كل رواية من روايات سميحة، والرسالة من أهم عناصر العمل، وتتعدد الرسائل بتعدد الروايات، فرواياتها تتمركز حول المرأة العربية، وحول الإنسان الأردني، مع التركيز على البعد القومي، وهنالك البحث حيث تتم قراءة التاريخ، كما في رواية ‘ يحيى’، وفي ‘ الصحن’ تبرز البنية شبه الوقائعية لحال الفتاة العربية التي تحتل المرتبة الثانية أو الثالثة في الأسرة’، ذاهبا إلى أن خريس ‘ لم تكن معنية أبدا بكتابة رواية تسجيلية في وقت من الأوقات، وحتى في روايتها ( دفاتر الطوفان) والتي اعتمدت فيها مدونة حقيقية، إلا أنها أنسنت الأشياء، وجعلتها تنطق’.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية