الروائية السعودية أميمة الخميس: الأيديولوجيا عدوة النص لأنها قالب صخري يقصقص الأجنحة

حجم الخط
1

حوار محمد القذافي مسعود: أميمة عبدالله الخميس، أديبة سعودية أصدرت عددا من الروايات ومجموعات من القصص القصيرة، تحرر زاوية ثلاث مرات أسبوعيا في جريدة الرياض تحت عنوان ‘منطق الغيم’ رشحت روايتها الوارفة لجائزة البوكر للرواية العربية، لها عدد من الكتب موجهه للأطفال، ترجمت أعمالها لعدد من اللغات مثل الأنكليزية والفرنسية والتشيكية واليابانية والكورية.
عملت مديرا للإعلام التربوي في وزارة التربية والتعليم من سنة 2001 إلى 2011 رأست اللجنة النسائية في وكالة الشؤون الثقافية 2007-2010 شاركت في عدد من المحافل الثقافية الدولية وكتب عن أعمالها الكثير من الدراسات النقدية والأكاديمية.. أجرينا معها هذا الحوار حول الكتابة الروائية وأفكارها ككاتبة لها رؤيتها فيما تكتب وتقرأ …
*ما هي أهم التحديات التي تواجه الرواية العربية ؟
*أعتقد بأن التحديات كثيرة وقد يكون على رأسها وجود شعوب عربية لا تقرأ ! لاسيما بعد الإحصاء المؤلم الذي صدر عن الأمم المتحدة بأن معدل قراءة الفرد العربي هي مجرد 6 دقائق يوميا فقط، وإن مقدار مايترجم إلى العربية لايوازي 20 ‘ من مما تترجمه اليونان سنويا وهي بلد صغير متعثر اقتصاديا .
تعثر صناعة الكتاب من من نشر وتوزيع يرفع سدودا شاهقة أمام الكتاب وصناعته، ولكن هذا لايمنع وجود نخبة من القراء أصحاب الوعي العميق والذائقة المتميزة هي التي تبقي هذه الصناعة قائمة وباب الأمل مفتوحا..
*مهمة الرواية فيما ترينها تتمثل اليوم … في طرح الواقع العام / كسر التابوهات / التحليل / أم ماذا ؟
*بالنسبة لي شخصيا أجعل القيمة الجمالية على رأس أولوياتي، فالرواية هي فن، والفن هو توق لاينقطع للجمال ومن ثم تأتي القيم الأخرى، سواء قيمة تاريخية، أو خطاب يحمل قضية، أو مشاكسة التابو …جميعها تكون حاضرة في ذهني وقت الكتابة شرط إلا تطغي على الهدف الفني الجمالي الذي له الأولوية في رواياتي
*لماذا لم تحقّق الرواية العربية رهان العالمية رغم فوز نجيب محفوظ بنوبل منذ عدة سنوات؟
*هناك قصور في عملية الترجمة والتوزيع والنشر، وتسليط الضوء على التجارب المتميزة والجادة، كما أن الدوائر الأكاديمية العالمية تهتم بالمنتج الفني ليس كقيمة فنية إبداعية قدر ما تتابعه كمحتوى من الممكن أن يفيدها كدراسة حالة تلقي المزيد من الضوء على مجتمعاتنا وصراعات شعوب المنطقة، لذا من المهم أن نتصدى نحن العرب للترجمة إلى اللغات العالمية، وتعريف المجتمع العالمي بأعمالنا الجادة والمميزة .
*إلى أي حد تضر الأدلجة بالنص ؟
*إلى حد كبير لأنه ببساطة يتحول من عمل فني إلى منشور سياسي زاعق صاخب، ويترهل وتتفتت حبكته، وتصبح شخصياته مثالية خطابية مملة، لا تلامس وجدان المتلقي ولاتؤثر في أحاسيسه ولا تضيف لوعيه.
*كيف يستفيد الكاتب من التراث الخاص والعام لبلورة رؤية تحدد مسار نصه ؟
*التراث هو خزانة الكنز في ذاكرة الشعوب، فهي التي تختزن تجاربهم، وتحفظ رؤيتهم للعالم، وأيضا هي التي تضمر المسكوت عنه في هذه الثقافة، التراث هو أرث ثقيل لكن كيف نستطيع أن نصطفي المادة الخام من ذلك التراث ونستجلبها إلى عصرنا، دون أن نجعل منها رداء ثقيلا يعيقنا عن التحرك ؟ التحدي لدى المبدع يصبح كيف نستطيع أن نصنع من مادة التراث أجنحة باذخة نحلق بها في سماء الإبداع ؟ التراث مادة خام مكهربة بالوعود، والتحدي يصبح كيف نعالجها ونحاولها إلى مشروع فني إبداعي يستجيب لمتطلبات العصر .
*السارد الديمقراطي بوجهة نظر نبيل سليمان ومعوقاته؟
*السارد الديمقراطي هو حلم لا أظن أنه يتحقق، لأن السارد يتمركز في مواقع تحجب عنه مساحة الأفق كلها، أيضا هو يضمر مقولته منذ البداية، ولن يسمح للأصوات الأخرى أن تتقاطع معه.
في روايتي الأخيرة (زيارة سجى) حاولت أن أتمرد على استحواذ السارد، وزعت أقلام الكتابة على الشخصيات ، وجعلت الشخصيات تتداول خيط السرد، وملأت صفحات الرواية بالمرايا التي تنقل المشهد من جميع اتجاهاته، ولكن على الرغم من هذا مابرحت أشعر أن السارد يمارس نوعا من الديكتاتورية داخل النص …لعلها ديكتاتورية الإله الخالق.
*ما ضرورة أن يبحث الروائي عما لا يقال ويقوله بطريقته ؟
*لا أعتقد أن هذا هو هدفه الرئيس، ولكن المبدع عموما في اي اتجاه يبحث عن أفق جديد وعن رؤيا مغايرة، وعن مغامرة مختلفة، إلم يقل السارد العظيم (نيكوس كازنتزاكي) الدهشة هي أعظم أفراح البشرية، وهي دهشة الجديد والمختلف .
* كيف ترين الرواية قبل وبعد عام 2000 ؟
*لا أدري لما اخترت هذا التاريخ لتجعله مفصليا بالنسبة للتأريخ للرواية لكن على كل حال، الرواية العربية لدينا تظل في حالة تبدل وتغير وتجليات لا تنتهي، توقفت قليلا بعد تجربة نجيب محفوظ و ومن ثم ما لبثت أن عاودت المغامرة من جديد على يد أدباء كبار أمثال …أمين معلوف، يوسف زيدان، وإبراهيم الكوني.
*ماذا ينقصك كروائية ؟
*ينقصني صناعة الكتاب، أقصد أن يكون هناك مناخ ايجابي وفضاء نشط يضمن أن يوزع الكتاب على مساحات كبيرة في عالمنا العربي ، أيضا لابد من صناعة مؤسساتية تدفعه للأسواق وفي منافذ الانتشار، سواء على مستوى الترجمة والعرض
*هل تحتكمين لاراء النقاد بشكل نهائي ؟
*لا إطلاقا …اتابعها واتفهم وجهات النظر المختلفة وندرة هي الأقلام النقدية التي شعرت بأنها استوعبت جميع آفاق تجربتي، ولكن على العموم الحركة النقدية لدينا في العالم العربي كسولة بعض الشيء .
وفي النهاية لابد أن نفرق بين الناقد، وبين من يقرأ الكتاب ويصنع له مراجعة لتنشر في الملاحق الأدبية …ففي العالم العربي تكون هناك عملية خلط بين الدورين .
*أهم رواية قرأتها في العام 2010 ؟
*كتاب أسطنبول لبرهان باموك
النبطي / يوسف زيدان
حياة باي/ يان مارتل
*هل تعيدين حساباتك بناء على ما جرى وما يجري الآن في الساحات العربية ليكون لك طرح مع أو ضد أم أن الأمر عادي بالنسبة لك ؟
*لا فالأحداث مؤقتة، والمشهد السياسي لم يكتمل، وثورات الربيع العربي إن كانت ذهبت بديكتاتوريات وجلبت حكومات إلا أن الشعوب العربية، مازالت بحاجة إلى مخاضات طويلة لتتحرر من أرث القمع والتسلط والتخلف الحضاري الذي سيطر على خططها التنموية لأجيال طويلة .
* إلى أين تسير الرواية بعد الثورات العربية المتواصلة حالياً ؟
*كما أسلفت انعكاس الأحداث الخارجية لايظهر بصورة مباشرة على الأعمال الأدبية الأمر بحاجة إلى فترات زمنية طويلة. يتم التأمل فيها، والقراءة الهادئة لكي يستوعب الكاتب جميع ملابسات المرحلة ، ويجمع القصص الإنسانية الصغيرة المهملة التي تنبت على ضفاف الأحداث التاريخية الكبرى، الأدب ليس صورة فوتغرافية سريعة، بل هي عملية هضم واستيعاب طويلة المدى قبل أن يخرج المنتج الإبداعي بصورة مستقلة وبنظرة بانورامية .
ولو لاحظت هنا لوجدت إلى الآن الأدباء اللبنانيين وبعد ما يقارب العشرين عاما على نهايتها مابرحوا يكتبون عن الحرب الأهلية لديهم .
*هل تطمحين لتحقيق أسلوب جديد ؟
*طبعا وقديما قال الشاعر
أنا وإن كنت الأخير زمانه…. لات بما لم يستطعه الأوائل
كل كاتب لديه هذا الحلم …وطبعا تتفاوت القدرات والواقع …والقدرة على امتطاء صهوة الحلم.
*ما رأيك بمستوى الرواية بعد نجيب محفوظ ؟
*على الرغم من أن كبيرنا نجيب محفوظ هو الأب الروحي للرواية العربية، إلا أنني لا أميل إلى رفع الأصنام والدوران حولها، والبطون العربية (ولادة) ودوما هناك مبدع قادم من الأفق، وكما أسلفت تجربة أمين معلوف وعبدالرحمن منيف ويوسف زيدان تجرية شاهقة ، ليس على سبيل الحصر.
*كيف لا تكون رواية العمل التاريخى ‘رواية تاريخية’ ؟
*رواية العمل التاريخي هو هيكل فقط من الأحداث التاريخية، ولكن اللحم والدماء والنبض والروح ..هي من صنع الكاتب، ومعظم الروايات التاريخية تستمد جمالها وروعتها من تتبع تفاصيل الشخصيات والأحداث اليومية البسيطة التي رصفت فسيفساء المشهد التاريخي الأكبر .
*كل يتلمس الحداثة في الرواية من زاويته من تكوينه ولكل كاتب مفهومه للحداثة فما هي رؤيتك للحداثة في الرواية ؟
*لا أسعى إلى الحداثة كمدرسة أدبية، بقدر ما أسعى أن يكون النص عبارة عن سلسلة مغامرات تسعى إلى الجديد والمدهش، اسعى إلى أن يكون النص عبارة عن عملية هدم وبناء متصل، مشاكسة الذاكرة النمطية التقليدية، وعسفها باتجاه أرض بكر غير مطروقة، لأنك في حال لم تحاول القفز على الأطر النمطية، سينطبق عليك قول الشاعر زهير بن أبي سلمى
ما أَرانا نَقولُ إِلا رَجيعاً وَمُعاداً مِن قَولِنا مَكرورا
*إلى أي حد تحضر الايديولوجيا في نصك وما رأيك بالايديولوجيا فنيا ؟
*الأيديولوجيا هي عدوة النص لأنها قالب صخري يقصقص الأجنحة، بينما العمل الإبداعي هو تحولات متصلة ترفض القولبة والنمذجة، لذا أظل في حالة مخاتلة ومناورة مع الأيديدلوجية، كي لاتدخل وتستبد بنصي وتفرض شروطها، وترفع أعلامها على حساب رونق ورواء النص الأدبي .
*من أين تخلق الشخصية الروائية عندك ؟
*على حسب السياق هناك شخصيات تأتينا كاملة بجميع تفاصيلها طولها لون بشرتها مزاجها لون أرديتها، وتقف عند أصابعي بجانب لوحة المفاتيح تود أن تقفز إلى النص، وهناك شخصيات تمر بي وتستوقفني، وأشعر من خلال استغراقي بها أنني لا أملك أمامها سوى أن أفسح لها مقعدا في رواية، وهناك شخصيات أخرى تنمو وتتخلق وتكتمل ملامحها وتبلغ نضجها أثناء كتابتي الرواية، وفق سير الأحداث .
*ما الذي يحقق الخلود للشخصية الروائية ؟
*أن تكون خالدة في وعي الروائي نفسه، فزوربا كان يمثل ليس فقط المؤلف كازنتزاكي بل اليونان كلها، وشخصية سي السيد في ثلاثية نجيب محفوظ هي فسيفساء لكل رجل شرقي في تلك المرحلة، وشخصية فنر في خماسية مدن الملح لعبدالرحمن منيف هي شخصية صحراوية سنقابلها حتما في كل منعطف.
*ما أهمية طرح شعرية السرد كلغة بديلة عن السرد العادي ؟
*اللغة الشعرية تمنح النص السردي غنى وثراء وتعمق أبعاده، وتوسع آفاقه، وتجعله قادرا على نقل المزيد من مزاج النص إلى القارىء، شرط أن يستعمل بحذر وحساسية مرتفعة، لأن الإكثار منه سيجعل النص منمقا متكلفا مبهرجا ويثقل السياق السردي وخفته وتدفقه.
*إذا ما فكرت يوما في كتابة سيرتك الذاتية هل ستكتبين كل شيء عنك ( المحرج والصعب والحساس و و الخ ) أم انك ستقدمين شيئا وتستثنين أشياء ..؟
*في كتابي الذي عنوانه (ماضي- مفرد- مذكر) كتبت فيه جزء كبير من سيرتي التعليمية علاقتي مع التعليم كطالبة ومن ثم معلمة ومن ثم مديرة لإدارة عليا في الوزارة، وأعتقد أنني كتبتها بالكثير من الصراحة والمكاشفة .
*هاجس البحث عن هوية للرواية العربية أو التي يكتبها كُتاب عرب كيف ترينه ؟
*في البداية يجب أن نقر ونعترف بأن الرواية هي جنس أدبي طارىء على الثقافة العربية، ومهما حاولنا أن نؤصل لها في تراثنا من خلال ربطها بألف ليلة وليلة أو المقامات، أو السير الشعبية، فأن الرواية تبقى جنس أدبي ظهر مع ظهور البرجوازية الصناعية الغربية، وتبلور الفردانية المستقلة عن الجماعة، بحيث يصبح للفرد رؤية مستقلة للحياة والكون، ولم يعد هو الشاعر الذي يتحدث باسم المجموع، ولكن على الرغم من هذا تبقى الرواية العربية هي وعاء عربي استطاع أن يحتوي الكثير من التجربة العربية الكبرى، حتى أن بعض النقاد أصبحوا يقولون ان الرواية العربية هي ( ديوان العرب).
*مَن هو القارئ المفترض بالنسبة إليك ؟ إذا سلمنا بوجود قارئ مفترض لدى الكاتب ؟ وإلى أى حد تفكرين بهذا القارئ عند شروعك بالكتابة ؟
*أفر من القاريء المفترض كفراري من الأسد، لأن وجود قارىء مفترض هو قالب يقولب السرد ضمن لغة واحدة يتقنها القارىء المفترض، بينما غموض القارىء المستقبل يجعلني في مهب التجربة بلا ضياء سوى مشعل الشخصيات نفسها.
* إلى ما ترجعين أسباب عدم وجود قارئ فاعل لما يكتب وينشر من أعمال أدبية وثقافية مختلفة ؟
*بالعكس هناك قاريء متابع وناقد في غاية الذكاء …وسيحترمك إذا احترمت عقله وذوقه.
*ألا ترين أن الرواية تحولت إلى موضة فصار الكل يسعى لكتابة رواية .. الشاعر يكتب رواية والقاص يكتب رواية والناقد يكتب رواية والمفكر كذلك ؟
* كثيرا ما تأخذ الرواية في عالمنا العربي شكل المنشور السياسي أو الاجتماعي، بسبب انخفاض سقف الحريات والممارسة الحقوقية والسياسية، عندها يلجأ البعض للبوح والنقاش والتعبير الأمن من المتابعة والرقابة بين صفحات رواية .

*شاعر وصحافي مستقل ـ ليبيا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية