الروائية السورية شهلا العجيلي: آن الأوان لأن تخرج الرواية العربية من دائرة ردود الفعل

حجم الخط
0

بمناسبة صدور روايتها الأولي عين الهر

عمان ـ “القدس العربي”: شهد معرض عمان الدولي للكتاب مؤخرا توقيع عين الهر الرواية الأولي للكاتبة السورية ـ الأردنية معا د. شهلا العجيلي والتي أصدرتها المؤسسة العربية للدراسات والنشر في عمان وبيروت، وهي رواية تنتمي إلي الكتابة السردية العربية الجديدة التي تقدم المعرفة والحكاية معا، وتشتغل علي موضوعات شائقة وعميقة الدلالات قلما تناولتها الرواية العربية وهي التصوف بطقوسه وشخصياته، والتي من الواضح أن العجيلي قد تشربتها في صغرها بمدينة الرقة السورية، كما أن الحجارة الكريمة ومنها عين الهر تشكل معينا خصبا لتنهل منه في سردها كموضوع ودلالات، أما شخصياتها فهي من هذا الزمان مشظاة بأفكارها وتفاصيلها الحياتية ولكنها أيضا غير منبتة عن الماضي بما يحمله من تراث غني قد يثقل الكاهل أحيانا وقد يكون عونا في أحيان أخري، والروائية العجيلي حاصلة علي شهادة الدكتوراه في الأدب الحديث وتدرس حاليا في جامعة حلب، وسبق أن أنجزت أطروحتين أكاديميّتين في نظريّة الرواية، والنقد الثقافيّ. كما أصدرت مجموعة قصصيّة بعنوان المشربيّة عن دار كلمات في حلب 2005، أما رواية عين الهرّ فقد صدرت عن المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر في بيروت 2006، كما شاركت في تأليف ثلاثة كتب أكاديميّة في الفكر والنقد، السرد وإشكالّية الهويّة، و التجديد في العلوم العربيّة والإسلاميّة و النصّ الروائيّ والمثاقفة الحضاريّة.

هنا حوار معها حول عين الهر وتجربتها الكتابية: أول ما يلحظه المرء في قراءته لعين الهر ذلك التمازج بين الراوية وكاتبة الرواية (رحلة عمان ـ حلب نموذجا) فإلي أي مدي كنت ترغبين في الإيهام بين الذاتي السيري وبين الشخصية الروائية المتخيلة؟ لقد عمدت إلي هذه التقنيّة السرديّة، ليصير المتلقّي أسيراً لنصّي، متحرّراً لبرهة من الحياة خارجه. فالمتلقّي دائماً يبحث عن حياة المبدع الخاصّة بين السطور طلباً للمصداقيّة، إنّ الناس يقرؤون الروايات ليتأكّدوا من أنّ ثمّة أناساً حقيقيّين يحبّون، ويحزنون، ويخفقون، ويخطئون، وينهضون من كبواتهم، فيكونون لهم سنداً، أو أمثولة، وعندما يشكّ المتلقّي في أنّ المبدع واحد منهم، يزداد تعلّقه بالنصّ، ويزداد شغفه بتحصيل المعرفة، والخبرة الحياتيّة التي يقدّمها النصّ. كونها رواية أولي هل كنت مخلصة للتراث العربي (السوري تحديدا) في السرد الروائي و(الأبوة الإبداعية) ولا سيما أيضا أنك سليلة عائلة أدبية سورية معروفة، أم رغبت في الدخول إلي التفرد والخصوصية ـ السؤال يتعلق هنا برأيك الخاص بعيدا عن تنظيرات النقاد ـ؟ لا بدّ من التفرّد، وإبراز الخصوصيّة، وإلاّ لم نكتب، إن كنّا سنكرّر الآخرين! بالطبع هذا لا يعني التمرّد والانسلاخ عن إرث سرديّ وطنيّ، وقوميّ، سيّما أنّني أمتلك إرثاًَ أدبيّاً عائليّاً أريد له أن يستمرّ في طريق الإبداع والتجديد في ظلّ خصوصيّة ثقافيّة أدعو إلي تكريسها في هذه المرحلة من تاريخنا التي تُوجّه فيها الضربات لثوابتنا عرباً ومسلمين من الداخل والخارج، بل حتّي ثوابتنا الإنسانيّة تنال من الضربات نصيباً، هذا كلّه يمنحني مشروعيّة لأكون ذاتي، ولأكون في الوقت نفسه مشروعاً يري فيه الآخرون امتدادات لأوّلين. لقد ولد مشروعي الثقافيّ في هذه المرحلة الخطرة، وبناء علي هذه المعطيات التاريخيّة لا أقبل أن أكون مُجتثّة من جذوري، حتّي لو بقيت وحيدة كصفصافة. لاحظت أنك رغبت في عين الهر أن تقدمي معرفة إضافة إلي الحكاية وبدا واضحا جهدك البحثي وثقافتك الذاتية فهل برأيك أن الرواية العربية الجديدة يجب أن تتخفف قليلا من اعتمادها علي الحكاية لصالح تقديم المعرفة وطرح الأسئلة؟ نعم، فأنا أجد أنّ علي الرواية أن تقدّم المعرفة، لا أن تطرح انطباعات، أو تنافح عن إيديولوجيّات، أو تعيد تدوين التاريخ، وهذا لا يتنافي حتّي مع حكايات الجدّات، التي تمثل الحكاية في أبسط أشكالها. في عين الهرّ اشتغلت علي أكثر من جانب معرفيّ: الأحجار الكريمة، وخواصّها الفيزيائيّة والكيميائيّة، وتاريخها، وعوامل تكوّنها، ومدلولاتها في التراث العربي ولدي الشعوب الأخري، وطرق قطعها وصقلها، كما اشتغلت علي الخطاب العرفانيّ، والتصوّف في الثقافتين العالمة وغير العالمة، وضمّنت نصّي حكايات من الواقع، والتاريخ، كما لم أبتعد عن الشعر. ليست مهمّة الرواية في نظري أن تقدّم حلولاً، وآراء، وتنظيرات قاطعة، وردوداً، لقد آن الأوان لأن نخرج الرواية العربيّة من دائرة ردود الفعل لأنّ الكتابة الروائيّة فعل بحدّ ذاته، يطرح أسئلته، وقلاقله تجاه الذات والعالم. التجربة التصوفية بدت جلية في عين الهر وشخصيتها النسائية الأساسية (أيوبة) وقد بدا لي التصوف فيها نتاج خبرة حياتية وليس تصوفا فنيا تتكئين عليه لصالح السرد فهل يبدو التوصيف هنا دقيــــــقا وإلي أي مدي كان لجغرافيتك الأولي وثقافتها الأثر في ذلك؟ الاطّلاع علي التجربة الصوفيّة عن بعد، وفي الكتب وحدها، ما كان ليكوّن نصّاً مثل عين الهر، المرور بمحاذاة التجربة، ومراقبتها، ثم الانخراط فيها أنتج هذا النصّ، وكما يقول المتصوّفة: من ذاق عرف، ومن عرف اغترف، وأنا أضيف: اغترف وسقي، فلا بدّ من إشراك الآخرين بهذه السقيا، لأنّ المرء لن يحتمل نشوتها منفرداً. بدأ هذا الولع منذ الطفولة، كنت أراقب جلسات الذكر في مضافة أسرتي في الرقّة في المناسبات، وكان يحييها شيوخ محليّون أو من خارج المدينة، وكنت أسأل القائمين علي الدعوة من الأسرة بأن يستدعوا شيخاً ويستبعدوا غيره مثلاً، لأنّني أحبّ مدائحه وطريقته، ثمّ رحت أبحث عن هذه الجلسات في أماكن أخري في الجزيرة السوريّة، وفي جبال لبنان، وصحراء الجزائر، لقد صاغت التجربة جزءاً من عالمي، حتّي تجلّت في عين الهرّ. بالمناسبة كونك أكاديمية متخصصة بالأدب الحديث هل من أثر لذلك سلبا أو إيجابا علي كتابتك الروائية؟ دراستي الأكاديميّة ذات أثر إيجابيّ بالغ في كتابتي عموماً، لأنّني درست الأدب العربيّ من منطلق مشروعي في الكتابة، وليس علي سبيل الصدفة، ولم أصغ يوماً للنظريّات الجامدة في الأدب والنحو، واللغة، كما لم أختر طروحاتي الأكاديميّة عبثاً، أعتقد أنّ كلّ ما أفعله يكمّل بعضه بعضاً، وإنّني أعدّ الخيال المتحرّر والمعرفة منطلقين أساسيّين في كلّ من بحثي الأكاديميّ، وكتابتي الإبداعيّة. في السياق نفسه من الملاحظ عزوف الأكاديميين العرب وطلبتهم عن تناول الإبداع السردي الجديد والبقاء في دائرة مغلقة تتعلق غالبا بالأدباء الأموات فلم هذه النظرة القاصرة برأيك؟ هي نظرة قاصرة فعلاً، الذين يعيشون بيننا هم الذين يعبّرون عنّا، فهم يكتبون في زماننا ولزماننا، بالطبع هذا لا ينتقص من قدرة الآخرين الذين سبقوا، والذين نسم أعمالهم بالخالدة تلك التي تشتغل علي الأغراض المستمرّة، أو الدائمة كما يسمّيها النقّاد الشكلانيّون. لا بدّ من أن تُنصف الكتابة الجديدة علي يد الأكاديميا، هناك نصوص جديدة مدهشة في مدي قربها منّا، وملامستها لجوانب غير مفكر فيها في ثقافتنا وحياتنا، ولا بدّ من أن نعطيها حقّها في البحث الأكاديميّ ونقدّمها لطلاّبنا. أخيرا نعرف بأنك اليوم تنتمين إلي حلب أو الرقة وعمان معا كونك ارتبطت بالشاعر والأكاديمي الأردني مصلح النجار فأي تفاعل بين التجربتين الثقافيتين؟ لا شكّ في أنّ هذا التفاعل يغني وجودي باستمرار، علي الرغم من عدم وجود فروق عميقة بين الثقافتين، سيّما أنّنا في سورية نشأنا علي مفهوم الثقافة القوميّة، إلاّ أنّ تنقّلي بين عمّان وحلب يجعلني دائماً علي مسافة من الأمكنة، وهذه المسافة ضروريّة لتعميق الشعور، وشحذ الذاكرة، كما أنّ اطّلاعي علي التجربة الأكاديميّة الأردنيّة عن طريق الدكتور مصلح النجار يصيّرني أشبه بالقناة الأكاديميّة بين جامعة حلب والجامعات الأردنيّة عموماً. أمّا الرقّة مدينتي، فحديثها شجون، إذ حينما أعاود قراءة ما كتبت أكتشف أنّها حاضرة في التفاصيل كلّها، وحين يغالبني الشوق ألجأ إلي اللغة، بلغتي آتي بكلّ بعيد، وألغي المسافات، نعم، بلغتي تصير الغربة وطناً.

التقاها يحيي القيسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية