الروائي الأردني محمود موسى… إذا طغت السياسة على النص الروائي أفقدته هيبته

حاوره: نضال القاسم
حجم الخط
0

محمود عيسى موسى كاتب روائي أردني وفنّان تشكيلي غزيرُ النِّتاجِ، وفي رواياته ينحسر التنظير إلى أقصى الحدود، وتغدو الحكاية/الواقعة، هي السند الأساس لمادته، لصيقة بالحياة والواقع. في هذا الحوار نتعرف على ملامح تجربته الإبداعية، ونقف على قضايا تظل لازمة في منجزه الروائي..
■ ماذا عن الهوية وبداية مشوارك مع الرواية؟
□ الهويّة الإبداعية روائية تشكيلية مسرحية شعرية. ابتدأ مشواري بحادثة سرقة بيضاء، مثل الكذبة البيضاء، على الرصيف الإربدي بين كتب (أبو العبد الزرعيني) المنضدة على زاوية شارع السينما، وصورة معطف (جان فالجان) الخاطفة، غلاف رواية «البؤساء». اشتهيت اقتناءها كلما مررنا أمام الرصيف أنا وصديقي إبراهيم. كان ثمنها مبلغا خياليا بالنسبة لي. فاجأني صديقي بكيس بهيج المنظر يوم 1/11/1965 قال: هدية عيد ميلادك وغادر مسرعاً. شعرت بسعادة وأنا أفتح الكيس لأجد الرواية المشتهاة بين يدي. من فرحتي ولهفتي لم أفكر من أين جاء بالثلاثين قرشا، ثمن الرواية. شرعت بالقراءة، غرقت، شممت رائحة معطف (جان فالجان). غاب صديقي بعدها، بحثت عنه، أخبرتني أمه أن والده أودعه سجن الأحداث بسبب سرقة النقود من جيبه. فرحت بالرواية وتألمت على حال صديقي. من شدة تأثري بقصة السرقة شرعت بكتابة رواية سميتها (ساري) بطلها صديقي الذي كان يسري إلى الحقول منذ مطلع الفجر.
■ لماذا كتابة الرواية، وماهو مشروعك الروائي؟
□ الدافع الأساس متعة الكتابة وسحرها ونشوتها. الكتابة تسكرني وتبلغ بي مصافاً عالياً. هذا ما حصل معي أثناء كتابة السيرة السرطانية، سكرها كان ينسيني آلام السرطان وفحش الكيميائي في الخلايا، ثم تأتي الدوافع الأخرى الإبداعية منها والمساهمة والمشاركة إلى جانب الروائيين في تجديد وتطوير الشكل الروائي. لكل روائي (حقيقي ومبدع) مشروعه الروائي الذي يعمل على إنجازه. روايتي هي مشروعي الذي اشتغلت عليه وما زلت أجتهد مستنداً إلى أقانيم تشكل الروافع الداعمة في تشييد البناء الروائي.. كالتجارب الشخصية، وتجارب الآخرين والتراكم المعرفي، والرواة الشعبيين وسحر رواياتهم الشفاهية وتقنياتهم الفطرية، ثم ذاكرة الطفولة والذاكرة كمخزون باطني جوفي لا ينضب. واللغة، البطل مثلها مثل أبطال الرواية، الفنية والسحر والصياغة والتجلي والتطويع الُمهذب والمهذِب والارتقاء بها إلى مصاف الموسيقى أرقى الفنون. كما اشتغلت على الشكل الروائي في رواياتي ولم أكن تحت هيمنة، أو تأثير التجارب الروائية، التي سبقتني في هذا المضمار، بهدف إنجاز الشكل الروائي الذي يرفع من مستوى المضامين ويحملها بخفة النسيم والريشة الطائرة من جهة وينصهر مع اللغة البطل من جهة أخرى، بحيث يكتنف الشكل الروائي قوانينه ومعطياته النقدية من داخله، تلك الكامنة في نسغه منذ الجذور صعوداً حتى جني الثمار.
■ بعد مرور ما يقرب من ربع قرن على صدور رواية «حنتش بنتش» ماذا تقول عنها؟
□ سحرني الرواة البسطاء (الذين تشبثوا بالثقافة الشعبية الاجتماعية) استمعت من أبناء شعبي للروايات الشفاهية بأحداثها وحبكاتها، بشخوصها وأمكنتها، بتشويقها وذرواتها، بمفرداتها باللهجة المحكية والفصيحة. قالوا كل شيء بحكيهم عن فلسطين. بصرامتهم، بسخريتهم الساحرة، بضحكهم، بصدقهم وكذبهم، بتعلقهم بالأرض التي هُجّروا منها قسراً، بالفداء والبطولات والمقاومة رجالاً ونساءً. حضور المرأة كان كحضور الرجل وربما أهم. المرأة أغنى الروايات (جدّتي فرحة كانت راوية شفاهية وهي لم تدخل المدارس). المرأة مشاركة في الحياة، في العمل وحديث المجالس بروايات غاية في الواقعية والتنوع والجمال. أمام زخم الرواية الشفاهية تفجّر السؤال والعتب الحُبيّ على من عاشوا في فلسطين، وأنا الذي ولدت خارج فلسطين لماذا لم يكتب من سبقونا رواية فلسطين، رواية التفاصيل ويسلمونا الراية، على كل حال لكل مجتهد نصيب، الرواة، الأبطال، أبناء شعبي حكوا واستمعت. لأن اللهجة المحكية هي لغة الأرض، انتابني الإحساس بالخوف عليها من الضياع، فكانت «حنتش بنتش» الرواية، تعلّمت منهم، قدتهم، استنبطت من طرائقهم في الكلام الشكل الروائي بعناصره وتقنياته، التطويل، الإسهاب، التكثيف، القطع (بنرجع مرجوعنا)، التصوير السينمائي بلا كاميرا، المشاهد، التخييل، المبالغة، صدقاً وكذباً، الأسطرة، وكل ما يلزم من عناصر وإضافات، أفدت منها في منجزي الروائي.

عندما يكون هناك أدب عظيم يكون هناك نقد عظيم يليق به، يكون بمثابة الرافعة والكشّاف بكل ما يحمل من معنى ودلالات. أحسب حساب النقد إذا واكب الإنتاج الأدبي. بصراحة الأولية في تجربتي للنقد الذاتي.

■ «أسطورة ليلو وحتن» هو نص ملحمي، فمـــــا هي المرجعيات الفكرية والثقافية التي استندت إليها في بلورة هذا العمل على المستوى الفني؟
□ توخيت الحذر الشديد أثناء كتابة «أسطورة ليلو وحتن»، أن أبتعد ما استطعت عن الاتكاء على المرجعيات في الملاحم والأساطير القديمة. وضعت نصب عيني مرجعيتي الحسية والفكرية والبنائية، التي شيدت معمارها كل هذه السنين. الأساطير كتبت عبر العصور، أرى أن الذي كتب كل أسطورة هو من تحلّى بالروح الإبداعية العالية وتميز عن شعبه، وبالنظر إلى عمقها وفخامتها وأبهتها وبعدها الجمالي الجمعي، نسبت إلى بقعتها الجغرافية وناسها، فتعددت الأساطير في الأزمان، سحرتنا، امتلأنا بها، أغنتنا روحياً، لم نلتفت لكاتبها الفرد بالقدر الذي أغرانا المعنى والمغنى. طالما أن لكل شعب في الدنيا أسطورته الخاصة، لماذا لا تكون لنا أسطورتنا في العصر الذي نعيش، أيقظني التحدي، تنطحت لهذه المهمة وكتبت أسطورة فلسطين وبلاد الشام.
■ معجمك غني، من أين استقيت هذه اللغة وكيف جمعت هذه الحصيلة اللغوية؟
□ عشقت اللهجات المحكية بمخزونها الجمعي وسعة آفاقها التعبيرية، التي تختزن الصورة الحركية التخيلية في حروفها. تعلقت بها حتى حسبت أنها اللغات. فتحت اللهجات الفلسطينية والشامية الباب على مصراعيه أمامي، إضافة إلى مخزون الذاكرة رحت أبحث عن الجذور اللغوية والمعاني في الكتب والمراجع، زادتني عشقاً ومعرفةً. في مرحلة مبكرة جداً من حياتي سحرتني لغة جبران خليل جبران، وأحدثت في النفس أثرها الكبير. سطرت رسائل حب مقلداً للغته. ثم تململت الغيرة الإبداعية في داخلي واشتغلت على السحرية في اللغة، بما تعلمته وقرأته وسمعته واطلعت عليه في كنوز موروثنا. كانت المثالية منطلقي الجمالي للخوض في غمار التجربة.
■ تحتفي كثيرا بالأمكنة، لماذا؟
□ المكان الأصلي مغتصب، المكان غير المغتصب يعني الاستقرار والراحة والأمان. أنت تولد في الأمكنة تحبو، تكبر، تترعرع فيها، تدخل فيها وتدخل فيك، تصبح جزءاً من خلاياك ونسيجك وبنائك الوجداني والاجتماعي والجمعي. ولدت فوق بيدر في أرض الكفارات في شمال الأردن، صار البيدر لغز الحنين للأرض والقرى والقمح. حبوت في خيمة لاجئي الـ48. كادت الريح الزمهرير أن تقتلعنا معها ثانيةً. تشبثنا بأوتادها. شاركت العائلة وأهل المخيم في صناعة (اللِبِّن) من القش والطين واستبدلنا الخيمة ببيت الطين. عششت رائحة الطين في الحنايا. نضجت في الشام، تعلقت بالأزقة والدخاريش والمشربيات والأزقة المرصوفة. بنيت البيت القديم في الحصن حجراً حجرا، كأني أبني بيتنا في (إجزم) في فلسطين. فكيف لا أحتفل بالمكان كما احتفل بي.
■ لماذا تعتمد كثيراً على الذاكرة في كتاباتك؟
□ الذاكرة هي كل شيء. هي جدتي. ذاكرة الطفولة ودرج النضوج. الذاكرة الشخصية والذاكرة الجمعية من قصص وخرافات وأساطير وخرافات ومعتقدات ومقدسات ومحرمات، هي النبع الدفَّاق، الذي نهلت منه وما زلت. الذاكرة هي فلسطين التي لم أراها، هي بلاد الشام، هي إربد، هي أمي وأبي وجدتي. الذاكرة هي الشتاء والموقدة والأتون. هي مساقط ضوء القمر.
■ هل ثمة فلسفة ما تُدافع عنها أو تدعو إليها؟ وما صلة ذلك بحياتك الشخصية؟
□ أنا إنسان بسيط لا أدّعي فلسفة. أدافع عن الحق. أرى أن العالم أصغر مما ينبغي في هذا الكون اللامحدود، وكل الكائنات صغيرة، وإن كان فعل بعضها كبيراً. لو قيض لنا النظر إليها من علو شاهق سنراها صغيرة، كما نرى النمل وربما أصغر. لماذا كل هذه الأحقاد والعداوات والحروب والأسلحة؟
■ وهل يمكن للإبداع السردي يعيش بعيداً عن السياسة والأيديولوجيا؟
□ الالتزام هو الإيمان بالحق والعدالة والحريّة وجماليات النص الإبداعي. الالتزام ليس السياسة ولا الأيديولوجية. الرواية تكتب عن التجارب السياسية، وهي فنّ لا يمكن أن تكون سياسية. تكتب عن الأيديولوجية وهي ليست أيديولوجية، على الروائي أن يتسلح بالفهم المعرفي لجوهر الأيديولوجية والسياسة. السياسة متبدلة متغيرة، إذا صدف وأن هيمنت وطغت على النص الروائي تضعفه وتفقده هيبته وتقلل من أهميته. يمكن للأدب (الرواية مثلاً) أن يتناول شخصية سياسية أو أيديولوجية، لكن ليس بطريقة سياسية أو أيديولوجيا، لأن تناولها بهذا الشكل يهبط بسوية العمل الروائي، تناول الشخصيات في الرواية لا يكون سياسياً أو حزبياً، بل يكون بتسليط الضوء على تأثيرها ودورها في حركة الحياة، من خلال الجوانب الإنسانية والعلائق الاجتماعية والصيرورة وحركة المجتمع. لا ديمومة في السياسة والأيديولوجيا كما هي في الأدب، الالتزام والأخلاق أهم العناصر الجمالية التي تغني النص الإبداعي وترتقي به.
■ وأين تكمن سلطة المثقف؟ وما هو دوره إزاء قضايا أمته في المرحلة الراهنة؟
□ المثقف النوعي والعضوي، مساحة منيرة من مساحات النسيج الاجتماعي والسياسي والثقافي تكمن سلطته في المشاركة في الحركة التنويرية الدؤوبة، والحركات التجديدية والمساهمة في مسيرة تطور المجتمعات والخلاص من براثن التخلف.
أما دوره إزاء قضايا أمته في المرحلة الراهنة، وفي كل المراحل أن يكون مقداماً طليعياً ديمقراطياً ينهج نهج التوعية والتحليل وتوسيع المدارك والتقييم وتصحيح الأخطاء والعثرات والمعيقات والتركيز على القضايا المحورية والثوابت المتعلقة بالأوطان وأمنها ومواجهة كل أشكال الاغتصاب والعدوان على الأرض والإنسان، بالتزامن مع العمل على بناء الشخصية الخلاقة والمبدعة ومحاربة الجهل والتخلف واللحاق بركب الأمم المتقدمة.
■ برأيك، ماذا يقدم النقد للأدب؟
□ عندما يكون هناك أدب عظيم يكون هناك نقد عظيم يليق به، يكون بمثابة الرافعة والكشّاف بكل ما يحمل من معنى ودلالات. أحسب حساب النقد إذا واكب الإنتاج الأدبي. بصراحة الأولية في تجربتي للنقد الذاتي. هناك إنتاج غزير لا يواكبه النقد. هناك تقصير لافت بحق التجارب الإبداعية والاهتمام ينصب على النجوم والأسماء البراقة. وهذا لا يصب في صالح الأدب والنقد.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية