‘ثلثا الإنسان ماء’
– من اليسير إدراك أننا خلقنا من ماء، من العسير فهم ذلك بالمشاعر
– ما الذي تريد أن تقول ؟: قالت له
– إنني عجينٌ سائلٌ
أمشي هكذا بكل هذا الحذر حتى لا أنسكب فأنا مليء بالماء
كانت هذه الذي سألتهُ، ابنة زوجة أبيهِ ‘ آماندا’ في ليلة الكريسماس، بيت أبيه في الريف وكانوا تحت تأثير الحشيش إلا طفلة أماندا التي اجبروها على النومِ ليخلوا بطقوسهم، أفاقت فجأةً فتبرع خوليو ليحكي لها حكاية لتعود وتنام :
– أحك لي حكاية
– كان في بلد عدد الظلال أقل من عدد الأشخاص
– لماذا ؟
– لأن نصف الناس بلا ظل
– هل كانوا يتبولون في السرير ؟
– نعم
– هل كانوا يعرفون القراءة ؟
نعم، لكن بشكلٍ سيئ
– وماذا حدث ؟
– قررت حكومة هذا البلد تقسيم الظلال الموجودة إلى أنصاف ظلال وأعادت توزيعها على المواطنين ليمتلك كل مواطن نصف ظل.
هذا جزء من حكاية الظلال التي سيكملها خوليو في مرات عدة أثناء طلب ‘اماندا’ منه الحضور للاعتناء بالطفلة حين تكون خارج المنزل ‘اماندا’ كانت بلا زوج، خوليو صار بلا زوجة بعدما طردتهُ زوجتهُ، وهذه الحكاية حكاية الظلال تنفع للأطفال من سن 6 إلى سن الثمانين.
وصلنا للثلث الأخير من الرواية بالتحديد في الصفحة 92، فيلعب ميّاس لعبتهُ بإعادة رواية أحداث الرواية من زاوية أخرى، فيدخل في الفلسفة والمنطق وعلم النفس، وتدور عجلة السرد من جديد وكأنك تقرأ الأحداث لأول مرة.
لن نكشف من الرواية غير سر واحدٍ، سر العلاقة السرية بين زوجة خوليو وجارهم الذي صدمته سيارة ودخل في غيبوبة وهو نفسهُ سرّ من أسرار الحياة الشخصية للروائي خوان خوسيه ميّاس على ما يبدو والذي يتعلق برؤيتهِ لفن الرواية، تقول إحدى الرسائل بينهما :
– لقد كنتِ تشتكين بالأمس من أن علاقتنا تشبه المسلسلات التلفزيونية، أنت محقة لكن المسلسل التلفزيوني هو أهم ما يميز زمننا، هناك كتّاب كثيرون من الذين يُعدون مثقفين يُشيرون لهذا النوع بكل احترام، ويعترفون بحقدهم الذي يصبونه على هؤلاء المؤلفين، إن فترة ما بعد الحداثة تلك الفترة التي كُتبت علينا الحياة فيها، تتميز بالتحديد بعدم تقدير القصص العظيمة، فلا أحد الآن سوى الباحثين يقرأ الروايات التي تاريخياً صنفت روايات مهمة، ستشعرين أنها أعمال عسيرة الهضم إلا إذا اقتربت منها بهدف أثري، إن ما كُتب من اجل الجمهور الساذج، هذا القارئ الطبيعي للنوع القصصي أصبح مرعى للحكماء والحاذقين، إن الشكل الوحيد للقصة الحية هو المسلسل التلفزيوني ذلك أنه يقربنا من النوع المنطوق الذي ننشأ منه (ص 105 و 106)
رواية لاورا وخوليو، لخوان خوسيه ميّاس / روائي وقصاص اسباني، ترجمة أحمد عبد اللطيف وصدرت عن ‘شرق وغرب’ قطاع الثقافة والكتب والمكتبات اخترناها من بين ثلاث روايات فقط مترجمة للعربية لأنها تكشف حيل وتكنيك ميّاس في الكتابة، أما فيما يخص الكتابة الصحفية فإن ميّاس يكتب لصحيفة الباييس والانترفيو، غزير الإنتاج، وأحد أشهر معالم الرواية والقصة الأوربية في هذا العصر ربما لأسلوبه الذي يجمع المعرفة والفنتازيا، أعمالهُ ترجمت إلي أكثر من خمس عشرة لغةً، حصل على كثير من الجوائز المهمة في اسبانيا وخارجها أهمها
– جائزة نادال 1990 عن رواية هكذا كانت الوحدة
– جائزة بلانتا 2007 عن رواية العالم
– الجائزة الوطنية للرواية في اسبانيا 2008 عن نفس الرواية ‘العالم’.
هامش من الفيسبوك : كنت أتحدث مع صديق لي من تونس يتقن اللغة الإسبانية، تحدثنا عن الرواية في أوروبا كثيراً وعن خوان خوسيه ميّاس وكان صديقي مشغولاً، أذكر أنه قبل أن يُنهي حديثنا على الفيسبوك قال لي :
– تذكرت، ميّاس الذي قال مرةً : لولاك أيها الأدب الأمريكي اللاتيني لكنت يتيماً
*كاتب وقاص