الروائي الإماراتي عادل خزام في «الحياة بعين ثالثة»: مساحة الرمز بين التكرار والتناسل السردي

حجم الخط
0

عادل ضرغام

في رواية “الحياة بعين ثالثة” للكاتب الإماراتي عادل خزام هناك انفتاح على تشكيل رؤية موغلة في الفكر والمعرفة، للوصول إلى كنه الأشياء وفلسفتها، ففيها مقاربات أقرب إلى الوعي الفلسفي الذي يعيد مساءلة المعاني المستقرة للكلمات، ويوسّع دائرة اشتغال المفاهيم لتشمل معاني قد تكون متناقضة، فكل شيء يحمل في طيّاته نقيضه، خاصة في الجزئيات التي يتعرّض لها الشاعر والحكيم، وهما بطلا الرواية، لأنهما لا يقدمان وجهة نظر مكبّلة أو مقهورة بالمؤسس، بل يقدمان رؤية حرّة، فالنص يحاول مساءلة كل شيء داخل مساحة الوعي الإنساني، للوصول إلى الجوهري، وهو في منطق الرواية يحتاج استعدادا خاصا، وإلى لغة مركبة للإمساك بحدوده المتفلّتة والمنفتحة على الواقعي والخيالي.
فقارئ الرواية سوف يدرك أن هناك تغييبا للتحديد في كل تجلياته، بداية من أسماء الشخصيات والأماكن والزمان، وليس هناك في السياق ذاته أي تحديد لأعراق أو أجناس، وما يدركه القارئ – أو ما يظن أنه يدركه – يأتي من إشارات خاصة، قد توجه نحو مكان، مثل تمثال الحرية من خلال خواصه وصفاته، أو نهر التايمز. ولكن الرواية تكشف من خلال نوعية الموضوعات التي تقاربها في كل جزء عن نوع من الموقعية، خاصة في ظل انفتاح الرواية على نسق الرحلة والانتقال من مكان إلى مكان، بوصفه منطلقا من منطلقات تحصيل الوعي والمعرفة.
ولكن القارئ من خلال معاينة شخصيتي (الشاعر) و(الحكيم) – بالرغم من تناقضهما في الشكل الظاهري في الأدوات ونقطة الانطلاق، وفي طبيعة المساءلة والمقاربة المستمرة – سوف يدرك أن حديث كل واحد منهما لا ينفصل- في وجه من وجوهه- عن الآخر، فكلاهما يعمل على نفض الزائل، والوصول إلى قيم فلسفية بداية من الأشياء البسيطة إلى الأسئلة الوجودية المشدودة إلى النقصان، ومعضلته الحياتية المحسومة بالمحو والتلاشي والانتهاء.
في الرواية إشكالية لافتة تقابل كل من يقرأ الكتاب، تتمثل في إشكالية التصنيف. فهل يندرج الكتاب داخل حدود الرواية كما أراد المؤلف حين حدّد نوعها على صفحة الغلاف، أم هي كتابة فلسفية، خاصة إذا نظرنا إلى المحتوى، أم هي أقرب إلى المقال، وفي ظل هذا التوزّع النوعي تذوب الحدود الفاصلة، وتتولّد تآزرية بنائية، من خلال التخطيط السردي أو التوجيه السردي في بداية كل جزء، ولكن هذا التوجيه السردي يفضي إلى بنية تكرارية مسيجة بحدود المقال الذي يحاول تجلية فكرة، أو إدخالها إلى منحى معرفي جديد.
التكرار والتناسل السردي
قارئ الرواية يدرك أن لها بنية خاصة أشبه بالدوائر التي تتكوّن بالتدريج، دوائر متعانقة متداخلة، ويشعر أن هذه البنية قائمة على تناسل الحكايات والمواقف من جانب، وعلى سلطة المعرفة التي يقدمها الشاعر والحكيم من خلال إفضاءات ذاتية في مقاربة الأفكار والمشاعر من جانب آخر، وفي ذلك ارتباط ببنية عربية في السرد، تعيدنا إلى سرديات قديمة، مثل ألف ليلة وليلة.
يقابل القارئ للنص الروائي نصوصا محكية يقدمها الحكيم والشاعر، وكأنها أبنية فكرية مؤسسة في كل فصل من الفصول، وقد زادت بشكل تناوبي في كلّ جزئية، قد يسمح بخلخلة وتغييب الشكل الروائي، ليتحوّل – في ظلّ ذلك – إلى أداة لتمرير الفكري، فالرواية أشبه بمتواليات ذهنية مكانية تستدعي – ولو من طرف بعيد – الوقوف أمام الأفكار التي يتناولها الشاعر والحكيم. وبالرغم من وجود هذا الإفضاء أو المونولوج المعرفي لكليهما على مدار صفحات الرواية إلا أن الرواية تلحّ في كل جزء من أجزائها على فكرة الحركة في مقابل الثبات، لأن هذه المونولوجات المعرفية كان يمكن أن تقدم من الثبات في إطار فن آخر.
في هذه الرواية نحن أمام نصّ متداخل، وهناك تعدّد للضمائر وللأصوات، أولها صوت الراوي/ الفرد/الإنسان الموزّع بين صوتي الشاعر والحكيم، وهما صوتان ينقلهما الراوي الأساسي، ولكن صوتيهما – في الغالب الأعم – يستندان إلى ضمير الغائب، ليقارب كل واحد منهما الإطار أو النسق الذي ينتمي إليه. فمن خلال هذا الضمير- الغياب- يؤسس كل صوت رؤية ممتدة مزدانة بالحركة الدائمة والتغيير، لكنها مشدودة إلى جذر معرفي، يسيّج ويكيّف تغيراتها وتحولاتها.
الشاعر والحكيم في نص الرواية لا يمثلان نفسيهما بوصفهما شخصين، لكنهما نموذجان كاشفان عن نمطية وإطار من النمذجة مرتبطة بالنظرة إلى الشاعر على إطلاقها، وإلى عقلية الحكيم بتفردها وشيوعها لدى قطاع من البشر.
ففي هذا الاستخدام زحزحة للفردي الذاتي، وإضفاء نوع من شمولية الحكم المبني على رؤية، وفيه نوع من الاستقواء في فرض مشروعية الفكرة والتسويغ لها. ولكن هذه الخروجات على الغياب- وهو النسق الأساسي في صوتيهما- تمثل خروجات وانعطافات جزئية، سرعان ما تسلم قيادها إليه، من خلال الحكي والإخبار، ففي الجزء السابق، يعود الحكيم إلى استخدامه الغياب في قصّه حكاية عن الشاعر في تأسيسه النمطي في قوله (دخل الشاعر يوما إلى غرفة الذاكرة). يكشف عن ذلك أيضا – وعن مدارات الوحدة بين الشاعر والحكيم والراوي – أن الراوي يستخدم ضمير المتكلم الجمعي في حركته وانتقاله داخل بداية كل فصل. وقد يصبح استخدام هذا الضمير الجمعي إشارة محكمة لانفتاح التأويل على مرايا عديدة للذات للمقاربة، فيبدو الراوي صورة للفرد أو للإنسان في مراحل اكتسابه الوعي والمعرفة، وتوزعه إلى توجهين.
والسرد في النص الروائي يؤسس فاعلية لتكرارية النمط البنائي، فالشخصيات غير المعينة اسما في النص الروائي، حتى الشخصيات المصاحبة والمساندة للشخصيات الروائية الأساسية، تقوم بوظائف ارتكازية في السرد، تتغير أشكالها وملامحها، ولكن الوظيفة تظل ثابتة، خاصة في معاينة تغيّر السياقات الحضارية من سياق إلى سياق مغاير.
ويمكن أن نضرب مثالا على تنوّع الخطابين ومساحات ارتباطهما، ففي الجزء المعنوّن (قميص الحيرة) هناك اشتغال في خطاب الحكيم النثري على إسدال وتشكيل مغايرة في مفهوم السجن بوصف نواته الأولى- بعيدا عن المعنى المعجمي- ترتبط بالقيد والترهين، فنراه يشكله في حدود الثبات والتحديد والتغييب العقلي تحت تأثير التكنولوجيا والاستهلاك. ويأتي النص الشعري في نهاية الجزء تكثيفا لكل الدلالات السابقة من خلال الاشتغال – وكأنه أفق وصول -على فكرة الحرية :(الحرية تبدأ أولا في القلب على شكل نور- ثم تكبر في العقل على شكل كلمة الحب).

مساحة الرمز ومحطات البداية والوصول
وجود الحكيم والشاعر بهذا الشكل التناوبي المهيمن في النص الروائي، وفي تسيدهما منصة السرد، متداخلين ومترابطين، يكشف عن دائرة دلالية مرتبطة بوعي الفرد/ الراوي الموزّع بينهما في مقاربة الوجود. ففي الأول من الرواية تتجلى وتتأسس هذه الرؤية والمقاربة التكوينية للفرد (الشاعر والحكيم يتشابهان في الجوهر ويختلفان في الشكل)، فكل واحد منهما يقارب العالم، ويصل إلى فلسفته ولبّه وحقيقته بطريقته، فالحكيم بإدامة النظر والتفكير، والشاعر بالبصر والتعبير وسرعة النفاذ إلى الجمال.
فالراوي –بالرغم من مساحته الموزّعة بينهما، لأنه رمز لاكتساب المعرفة بطبقاتها العديدة- يظلّ وجوده أكثر أهمية، لأنه مناط القصد والاهتمام، ويتجلى ذلك بشكل لافت في النص الروائي، حيث تقول على لسان الراوي في جزء(خذيني) من الفصل الأول: (مشينا باتجاه المدينة والحيرة تتملكني من كلام هذين المخلوقين العجيبين، فرغم الحكمة الظاهرة في كلامهما، إلا أنني شعرت بأني أنا المقصود). وثمة ظواهر أسلوبية سردية يمكن أن تكون كاشفة عن مساحة كبيرة من التداخل والتماهي بينهم، فمن دلالات التماهي والتداخل بين الحكيم والشاعر من جهة، وبين الحكيم والشاعر والراوي من جهة أخرى، أن كل واحد منهما لديه القدرة في النص الروائي في التعبير عن الآخر كأنه عينه، وعن مراحل التكوّن المعرفي في رصد العالم ومقاربته والارتباط به، ففي الجزء (ثلاثة أبواب) يسأل الراوي الشاعر عن المسعى أو الغاية التي يريد الحكيم الوصول إليها، فيجيب الشاعر وكأنه الحكيم قائلا (ثلاثة دروب تفتّحت أمام الحكيم، وهو يمشي باتجاه الحقيقة).
وإذا كانت الصحراء (مكان لقاء الراوي بالشاعر والحكيم) تمثل بداية التعرّف الأولى على الحياة والوجود، فهي- أيضا – تمثل مساحة تذكّر لانسجام غائب، ومساحة للتصور المثالي، لأنها وثيقة الصلة بالذكرى غير البعيدة عن انسجامها السابق، ومن ثمّ تأتي المدينة- أو الدخول إليها- انفتاحا على المعرفة التجريبية. ففي الجزء الأول هناك حركة وانتقال إلى المدينة، وفي ذلك بعد عن المثالية للدخول إلى الواقع التجريبي، فالمدينة التحام بين الأفكار والمثل وحاجات الواقع ومؤثراته القوية.
في ظلّ المنطلقات السابقة جاءت مقاربة الوجود في النص الروائي مقاربة لها خصوصية لافتة، وجاءت مقاربة المفاهيم التجريدية مقاربة تتوجّه توجها خاصا لتفتيت المؤسس، وعدم الإبقاء عليه من خلال التقويض الكلي، أو من خلال توسيع المفهوم الذي يتمّ اختياره للوقوف عنده. ففي رواية عادل خزام (الحياة بعين ثالثة) نوع من التعالي على البشري المحدود، أو يمكن تسميتها التسامي عن التلاشي والتحلل والنقصان، ومن ثم في الجزء المعنوّن (ارتواء) يعيد مقاربة مفهومي الموت والحياة، في ظلّ رؤية تتسامى على حتمية النهاية، باعتبارهما مرحلة واحدة تتغير فيهما صورة التجلي، وهذا يعطي نوعا من التمدد والاستمرار وأبدية الروح. فهما- على حد تعبير الشاعر نقلا أو وصفا لرؤية الحكيم- ليس نقيضين، كما يظن الجميع، وإنما حالة واحدة مستمرة، تتغيّر وتتناقض في القشرة الخارجية، لكن الجوهر الأصلي لها لا يمسّ.
وحين يتوقف القارئ أمام قوله عن الحب، في جزئية (قصيدة ليوم الحب): (حين يقول الناس: إن الحب أغنية وذكرى، تقولين لهم لا، الحب صافرة مستمرة في فم طائر حرّ، تغريدة تشقق الصمت إلى ألف قطعة، وتبث في نسخة الوجود جرسا ناعما يشبه العرس) يشعر القارئ أن ما يقدمه النص الروائي لتحديد ماهية الحب يمثل خروجا عن المألوف، لأنه ينأى بالحب عن التحديد المؤسس الذاتي المحدد بأنساقه وأشكاله، ويجعله داخلا في إطار جديد، ويخلق له بنية علاقات لغوية جديدة، ترتبط بالرؤية شديدة الخصوصية للوجود.
في رواية “الحياة بعين ثالثة” ثمة محاولة لاكتساب المعرفة التي تسدل نوعا من الصفاء الروحي والتوحد مع العالم كأنه كائن حي، فتتغير المفاهيم المستقرة نتيجة لهذا التوحّد، ويمكن أن يؤدي الشيء دلالة نقيضه، فعمل الرواية قائم على إدراك التشابهات الخفية التي تستدعيها الكلمات والمفاهيم، خاصة تلك التشابهات المتعلقة باستجلاب النقيض وتثويره حضورا لافتا. فالرواية تعيد تأسيس معاني الكلمات من منطلق إدراكي خاص. ففي تحديده للألم نجد أن ما نعرفه من الألم يشكل وجودا هشّا، بينما يؤسس (الحكيم) معاني جديدة للكلمة، فيمكن ان نلمح الألم المترسب الساكن لحظة الفرح أو الفوز. ويأخذ الألم منحى أكثر عمقا حين يرتبط بالوجود وطبيعته، فيشير إلى ألم آخر يرتبط بالمعضلة الحياتية المحسومة بالنهاية والنقصان. فهي حياة محددة سلفا بالانتهاء والتلاشي، وهذا يشكل أعلى درجات الألم، ولن يتمّ الانتصار عليه إلا من خلال إدراك خاص للوجود، إدراك يتلمس الأبعاد العميقة لهذا الوجود.
عادل خزام: “الحياة بعين ثالثة”
خطوط وظلال، عمّان 2021
344 صفحة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية