الروائي اللبناني حسن داوود: المرجع الذي ينهل منه الروائيون العرب هو الروايات الأجنبية!

حجم الخط
0

بشير مفتي

بيروت ـ “القدس العربي”: حسن داوود روائي لبناني متميز له أكثر من تسع روايات تقريبا، بدأ رحلته مع بناية ماتيلد عام 1983 ونشر بعدها روايات كثيرة، وهو يعمل رئيسا للقسم الثقافي بجريدة المستقبل، حيث سجلنا معه هذا الحوار الممتع والصريح.

بداية هل يمكن أن نعرف ما هي المعالم البارزة في مشروعك الروائي، من أين بدأ وإلي أين وصل؟ بدأت الكتابة عام 1982 ونشرت روايتي الأولي بعد عام من ذلك بناية ماتيلد وقد سبقتها نصوص كنت نشرتها في جريدة السفير حيث كنت أعمل، وحيث نصحني أصدقاء قرؤوها بأن أتحول إلي الكتابة غير الصحافية، وكان ذلك بدايتي الروائية لا أعرف في الحقيقة كاتبا باستثناء القلة القليلة من الكتاب العرب الذي أنجز مشروعه الروائي ربما كان في طليعة هؤلاء الكتاب نجيب محفوظ والذي كما نعلم كتب كل ما كان ربما راغبا في كتابته لا يتعلق ذلك فقط في عدد الكتب التي أصدرها وكانت كثيرة كما تعلمون، لكن يتعلق أيضا بتحولاته الكتابية حيث انتقل من الكتابة السردية العادية التقليدية تقريبا إلي حداثة ما، بدأت مع رواية الشحاذ، وميرامار وأعمال لاحقة أخري. الكتاب العرب عادة يقومون بكتابة ما يمكن أن يكون طريقة استدلال لعالم كتابي لم يكتمل، لا اعرف إن كنت أنا شخصيا قد باشرت مشروعا روائيا. أحسب أنني كتبت ما هو يشكل خطا صغيرا في مسار الرواية العربية، وهذا الخط يتميز بكوني كتبت بأسلوبي الخاص الذي تعرفت عليه ليس من دون الاعتماد علي القراء الآخرين الذين هم حددوا وعينوا هذا الأسلوب، وكما هو معروف الكاتب يكون فيما هو يكتب غير مدرك تماما لوجه التميز بينه، وبين سواه من الكتاب إلي أن يأتي النقد والقراء يعينوا له ذلك، مثلا لم أكن أعلم بأنني كاتب تفاصيل حتي نبهني من كتبوا مقالات عن ذلك، وصرت أنا نفسي أعلم أنني أميل للاستغراق جدا في التفاصيل، وكان علي أن أجد نظريات لها كأن أقول مثلا التفاصيل هي التي تحدد الكتل العامة للأشخاص فبدل أن تصف الشخص بما هو أكثر بروزا فيه تصفه بما هو أكثر لفتا للانتباه، يعني لا أقول أن الشخص طويل وعريض وغير ذلك.. أي الصفات الجسمانية؟ نعم أقوم بوصف حركة يده فقط لأنني أعلم أن القارئ يميل بما يشبه الغريزة الي أن يصنع من تفصيل صغير تعطيه إياه صورة كاملة لرجل أو شخص هذا طبعا ما يفعله القراء. لقد كتبت ما يقرب تسعة أو عشرة كتب وما يزال ينتابني دائما نوع من القلق علي أن كل كتاب يجب أن يختلف عن الكتب التي سبقته، وطبعا هذه أيضا من الأمور التي تقض مضاجع الكتاب بسبب أن التغير يصعب أن يكون متواصلا ودائما.. يبدو أن كلمة مشروع أخافتك لنقل تجربتك الروائية بشكل عام؟ نشرت كتبي الأولي وكنت ضامنا أنني سأواصل اكتشاف ما هو موجود أصلا مع الكتب التي سأكتبها لاحقا، كأنني أغرف من عمق نفسي وثقافي كنت أتصور بعد صدور كتبي الأولي أن هذا العمق لا قرار له، وأنني سأواصل إلي الأبد اكتشاف أشياء للكتابة، مع الوقت تري بأنك ربما بلغت القاع، قاعك، وأنت في الكتب التي ستلحق دائم التمرد عليه، وأن هناك قيعانا أخري يجب بلوغها. إلي الآن اشعر أنني أنجزت أعمالا متفرقة يجمعها الأسلوب الذي تكلمت علي جانب من جوانبه وهو التفاصيل لكنني اطمح طبعا أن أنجز ما يعتبره كل كاتب الكتاب أو الرواية الكبري هذه التي أسعي وراءها دائما ولا أجدها قريبة.. فيما يخص هذه النقطة، الرواية الكاملة، هناك من يعتبرها كل الروايات التي كتبها الكاتب، وهناك من يحصرها في رواية واحدة كبيرة بالفعل. ما رأيك؟ يميل الواحد منا إلي الاعتقاد أن كل عمل روائي له هو عمل جزئي، وأنا أري ذلك بالفعل، وربما كان السبب في شعوري هذا هو صغر الروايات التي كتبتها من حيث الحجم، وقلة عددها، ولكن الكاتب بينه وبين نفسه يعرف أن قيمة الرواية ليس لها علاقة بصغر أو كبر الرواية طبعا، لو نأخذ مثلا الروايات الأعظم في القرن السابق كانت قليلة من حيث عدد الصفحات مثل المحاكمة لكافكا، ولكن كما قلت هناك حلم عند الكثير أن يكتب الرواية الجامعة التي يقدم فيها تصوره للعالم مثل رواية روبرت مزيل الكائن عديم الصفات هذه أجدها صعبة علي، أحيانا يذهلني روائيون مثل نورمان مايلر الذي كل رواياته تتجاوز الستمائة صفحة والذي أجده عملا شاقا وهنا لهذا السبب أنا لا أستطيع أن أكتب بيسر العبارة وسهولتها وبقلة تركيزها كما يفعل كتاب كثر، أنا أقرأ هذه الأيام رواية لبول أوستر أجده يتكلم من دون نزعة تجميلية للكلام أو متعمقة للعبارة. أنا كتابتي تميل لمزج الشعر بالرواية حتي أن كثيرين من أصدقائي الكتاب والشعراء في لبنان يقولون لي بأنني متراوح بين الشعر والرواية لا تطيعني يدي في أن أكتب صفحات وصفحات من دون أن يكون في هذه الصفحات قيمة أدبية خاصة فيها هذا النوع من التركيز في الكتابة يصعب علي صاحبه أن يكتب مئات الصفحات لأنك تكتب الرواية وليس الشعر، لأن العبارة تكون مختارة ومنتقاة حادة وينبغي أن تحمل مستويات من التعبير. هناك في الرواية العربية اليوم عدة تيارات ومنجزات متعددة ومختلفة من حيث البناء والشكل والتصور وهناك تقريبا تعايش مشترك بينها من روايات منيف الضخمة تقريبا إلي روايات قصيرة جدا مثل ما تبقي لكم مثلا؟ أنا مثلا قرأت الرواية الأكبر لمنيف في مدن الملح ولم يعجبني ما قرأت آنذاك فكتبت مقالا نقديا، وقد استقبل المرحوم عبد الرحمن منيف هذا النقد برحابة صدر كبيرة وقلت له في المقال أن هذا الكتاب كأنه كلام شفهي أكثر منه كلاما كتابيا، كتاب التيه الذي هو أكبر الأجزاء من الكتب الخمسة، أو الستة لمدن الملح بدا لي كما لو أنه خال من أي أسلوبية، وخيال شخصي، وخال من أي منظور عام أدبي في الموضوع الذي يتكلم عليه. هذا الكتاب كبير طبعا وربما كان من أكبر الكتب العربية من حيث الحجم. يعجبني أكثر مثلا كتاب صغير هو مالك الحزين لإبراهيم أصلان الذي أجده علي صغره حيا ونابضا، أحيانا توقفك جملة واحدة أكثر مما يوقفك كتاب، في اعتقادي أن كبر الحجم أو صغره ليس ذا أهمية ولكن حين قلت عن الرواية الكبري قصدت أن تكون جامعة لما أسميته أنت المشروع الروائي الكامل للكاتب، وربما كان هذا المشروع موجودا بتفاصيل كل عمل من أعمال هذا الشخص لكنه حلم أو وهم أو خيلاء أو سمه أي شيء. ربما لأن المرحوم منيف شأنه شأن الكثير من كتاب مرحلة معينة من تاريخنا العربي قدموا هم القول والقضية علي هم الكتابة في حد ذاتها، علي الاجتهاد اللغوي والشكلي الذي ربما تبحث عنه أنت؟ أنا أري هنا في أن المسألة ليست مسألة اجتهاد لغوي وأن أسلوب الشخص هو كيانه النفسي والداخلي والثقافي. لا أعرف إن كان هذا الأسلوب أو هذا التميز يمكنه أن يحدث عن قصد، أقصد أن الكاتب لا يستطيع أن يبين أسلوبه، وهذا واحدنا يكتشفه من خلال كتابته، تعرف أنك لا تستطيع أن تغير شيئا في أسلوبك، ربما تنوع عليه، ربما تحاول أن تعمقه، أو تغنيه أو.. أو.. لكن تجد نفسك دائما أسيره، كل واحد أسير أسلوبه وأحيانا يبدو هذا مزعجا لحد بعيد لأنك لا تستطيع أن تري العالم برؤي مختلفة كل مرة. أنت تراه كما تراه. هو علي هيئة هي هيئتك، ونسق هو نسقك، يصعب في رأيي أن يقرر مثلا كاتب مثل عبد الرحمن منيف أن يكتب بأسلوبية مختلفة أي ما يستطيع فِعله فَعله في كتبه، وهذا ما نقرأه. بَصَمت الحرب الرواية اللبنانية منذ بدايتها، هل تعتبره فخا أم كان ضرورة أن تمر الكتابة من الحديث عن هذه الحرب؟ وكيف تعاملت أنت معها؟ لا أعلم بالضبط، ولا استطيع تحديد ما فعلته الحرب في الأدب اللبناني ذاك أنني لا أملك أي فكرة عن كيف كان من الممكن أن تكون الأمور لو لم تحدث الحرب. لقد أتت الحرب كأنها موجودة في سياق البلد، وفي تاريخه الحديث، وكأن الدنيا هي هكذا، الحرب ليست، أو لم تكن أمرا استثنائيا بالنسبة لنا نحن اللبنانيين الذين عشناها طبعا، هي شيء من تطور البلد إن شئت القول، أو من تقدمه للأمام، ومن معايشته لمشاكله، لا أعرف ماذا كنا سنفعل أو كيف كنا سنكون لو لم تحدث الحرب أبدا. لكنني أجدها موجودة فيما أكتب، مثلا في روايتي روض الحياة المحزون تدور عن خلاف حصل بين عائلتين في قرية من قري جنوب لبنان مطلع القرن العشرين، لا اعرف سببا آخر غير الحرب نفسها لماذا جعلت هذه الرواية تدور بين عائلتين تتقاتلان حتي الموت ربما لأن بصيرتي الروائية دخلت فيها الحرب حتي أنني بت أري الماضي ماضيا حربيا، ماضيا قتاليا، ماضيا عنيفا.

كثيرون من النقاد والكتاب العرب ألحوا علينا أن نكتب رواية مباشرة تسجيلية عن الحرب حتي أن أحدهم وأذكر اسمه وهو عبد الرحمن مجيد الربيعي كتب مرة عن أحد كتبي لماذا أتجاهل الكتابة عن الحرب، كان طلب الكتابة عن الحرب المباشرة كما تجري أو كما تري في السينما مثلا، كان طلبا ملحا من الكثير من الكتاب العرب علينا نحن اللبنانيين. أنا فيما أري أن الحرب المباشرة تحدث مرة واحدة عند الكاتب أي في كتابه الأول حين يصف انقلاب الزمن كما كتبت في بناية ماتيلد مثلا علي سكان بناية من عشرين شقة مثلا كيف كانوا يعيشون عيشا مسالما ثم دخلت الحرب عليهم وماذا غيرت فيهم. هذا كان كتابي الأول في الكتب اللاحقة تبدو الحرب وكأنها دخلت في النسيج الأعرق أقصد فيما هو غير منقطع عن الحياة العادية اليومية فأصير أنا مثلا أكتب عن حرب ما جرت في مكان آخر، أو أصير أكتب عن مدينة تتفكك من دون أن أقول أن الحرب هي سبب هذا التفكك أقصد أن الحرب لا تعود مرئية من الخارج بل تصير داخلة في النسيج التكويني للكاتب، ليست الحرب بهذا المعني مجالا نعيش نحن في خارجه لكي نتناوله بالكتابة الموضوعية أو عن بعد نحن في الداخل، نحن فيها، نحن جزء منها، نسيجنا مختلط بنسيجها لذلك كانت دائما صعبة الاستجابة لطلب الكتابة المباشرة عنها. ربما هي وظيفة الصحافي أو المؤرخ.. نعم وظيفة الصحافي أو المراقب أو المحلل، لكن الروائي ربما يكون أكثر مباشرة لو تحدث عن حرب وقعت سنة 1860 وهو ما حدث فعلا في حرب أهلية سابقة بلبنان. لقد ترجمت الكثير من الروايات العربية للغات الأجنبية ولكنه لم يحدث معها ما حدث مع روايات أمريكا اللاتينية أو اليابانية التي حصدت جوائز عالمية مهمة ونالت مشروعية قرائية واسعة في كافة أنحاء العالم. حتي بالنسبة لروائي كبير مثل نجيب محفوظ حيث سبق لي منذ سنوات أن حضرت ملتقي عن ترجمة الرواية العربية انعقد باسبانيا وتبين لي من مداخلات المتدخلين حتي روايات نجيب محفوظ لم تلق اهتماما كافيا من القراء الغربيين، ولهذا ليكن أحدنا صريحا لم تبلغ روايتنا ما بلغته الرواية اليابانية كما لم تبلغ ما بلغته روايات امريكا اللاتينية التي تعتبر في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين أهم رواية في العالم، أنا حين أتأمل الرواية العربية مستثنيا نجيب محفوظ أجد أنني أمام تجارب ومحاولات بعضها جميل، بعضها رائع، بعضها متعثر، لكنني لا أجد نفسي أمام تأسيس لتيارات روائية عربية والدليل علي ذلك أن المرجع الذي ينهل منه أو يقبس منه الروائيون العرب هو الروايات الأجنبية وليس العربية، الكاتب منا ليس مرجعه تسلسل الرواية العربية بل مرجعه روايات أجنبية مترجمة أو يقرأها بلغاتها الأصلية. أي أننا لا نزال خارج المجال الروائي الطبيعي، ومع ذلك ينبغي القول ليس دائما التجارب الأدبية الفعلية هي ما يحتفي به في الخارج، أقول مسميا عمارة يعقوبيان مثلا التي سمعت، وأنا في باريس منذ أسبوع فقط أنه في فرنسا فقط بيع منها 150 ألف نسخة، وذلك ما يعد أضعاف.. أضعاف ما بيع من الروايات العربية مترجمة جميعها، علما أنني لا أري هذه الرواية عملا أدبيا يمكن أن يشكل قاعدة في تراث روائي عربي، هي رواية في رأيي عابرة، ووجد فيها آخرون مثلما وجدنا نحن فيها كشفا للمجتمع المصري الذي رأيت طلائعه في أقلام مصرية كثيرة من قبل، ولكنها صدف تحدث، كاتبة أمريكية قالت مرة أن الكِتاب لكي ينجح يجب أن تتوفر فيه ثلاث شروط ثم أضافت قائلة أن أحدا لا يعرف أيَّا من هذه الشروط. هل يشغلك ما يحدث في لبنان حاليا ومن أي زاوية كروائي، مثقف، سياسي؟ أنا اقل الناس اعتناء بالسياسة صراحة ولكي استطيع أن أجاري الثبات السياسي القائم أجدني أحوّل ذلك لمفاهيم أكثر مما إلي سجالات سياسية كما يجري عادة الآن وربما منذ وقت سبق بدأت السياسية تتحول إلي تجميد أو تحنيط للعقل والمخيلة. عندنا نحن اللبنانيين ما يجري منذ سنتين منذ بدأ الجولة الثانية مما يمكن اعتباره باشتداد النفور الأهلي بين اللبنانيين، تشاهد الشخصيات اللبنانية نفسها تقول الكلام نفسه، تكرره، ثم تعيده منقوصا، ثم تزيد عليه قليلا، بتنا في مجال إعلامي وسياسي قاتل للمخيلة ومحنط للإبداع لا شيء يتغير، جلسات في يوم نفيق علي تشاؤم، وفي يوم تال علي تفاؤل، ثم يأتي التشاؤم من بعده ليتلوه التفاؤل، بما يشبه لعبة مكرورة وفجة ولكنها مخيفة في الوقت نفسه، مفتوحة علي احتمالات خطيرة طبعا الحرب اللبنانية في بدايتها كانت مثقفة للبنانيين دلتهم علي انفراط الايديولجيات التي كانت تتبناها الأحزاب، دلتهم علي زيف واقعهم السابق، دلتهم علي تحارب الناس علي السلطة من دون الانتباه للخسائر الجمة التي يُدفعونها للناس ويدفعونها هم أنفسهم. وماذا عن لبنان الثقافي اليوم؟ بالرغم من جفاف المخيلة العامة عندنا في السياسية بأكثر معانيها بؤسا أفاجأ إذ أري هذا العدد من الشعراء الشباب في هذه السنوات الأخيرة أري أن عددهم فاض وتجاربهم أيضا فاضت عن كل الحقب التي مررت فيها أنا منذ بدأت الاهتمام بالأدب منذ الستينات، في السابق قبل الحرب كان لبنان يصدر رواية لبنانية واحدة كل ثلاث سنوات الآن اختلف الوضع فبتنا نشهد صدور روايات عدة كثيرة في سنة واحدة ربما كانت الحرب هي السبب، إذ أنطقت الناس وأرتهم الأهمية الفارقة للحياة نفسها فبدأوا بالتعبير عن أنفسهم في الرواية وفي الشعر أيضا الشعر الذي يكتب حاليا يتميز بالخفة والسرعة وما يشبه السخرية الطالعة من ترك الايديولوجيات والعقائد والإيمانيات وراء الظهر.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية