الروائي محررا من تابوته!
خيري منصورالروائي محررا من تابوته!ما الذي أبقاه النقد للكتابة عن نجيب محفوظ بعد أكثر من نصف قرن تنافست فيه الاطروحات الاكاديمية مع المقالات والكتب التي تتبادل وقع الحوافر؟ وهل غادر النقاد هذه المرة متردم النثر؟ أم أن نجيب محفوظ رغم غزارة ما كتب عن أعماله ينتظر كشفا يحرره من القراءات المتعاقبة والعازفة علي الوتر ذاته؟هذه اسئلة راودتني وأنا أشاهد أبطال محفوظ يتسللون الي الجنازة، ويحملون التابوت علي اكتافهم، عمر الحمزاوي بسؤاله المزمن عن جدوي الوجود، ونهايته شبه الصوفية وشبه الوثنية، وعيسي الدباغ وهو يعتذر للبغي الفاضلة، ويعترف بما اقترف من الجحود والنكران، وأحمد عبدالجواد وأبناؤه وهم يتقاسمون زمنا ذكوريا، ويجسدون تجليات الباترياركية العربية في ذلك القرن الذي استطال وثقب الألفية الثالثة، وسرحان البحيري وهو يرتدي قناع الصياد ليغوي الفريسة، سواء كانت الخادمة زهرة في بانسيون ميرامار، أو مصر ذاتها وثورتها، وسعيد مهران وهو يلوذ بالبغي ايضا من عالم يدعي الفضيلة وهو صانع الرذائل بامتياز.أما السيد الغائب فهو الرحيمي الذي اضاع ابنه صابر في الطريق، ووجد من النقاد من يؤوله تاريخيا ليري فيه جمال الدين الأفغاني، من خلال عدة قرائن تبدأ من لقب سيد المتكرر ومن الشعر الأسود الطويل، والقادم من كابول.هؤلاء ليسوا وحدهم من تسللوا الي التابوت المحفوظي ليشاركوا في جنازته ثم يحولوا دون دفنه فالكاتب كما قال سارتر عن صديقه اللدود ألبير كامو لحظة رحيله ينتزع نفسه من القبر بكل مقدرة كتبها، وشخوصه يتولون بمعاولهم الخاصة اعلان قيامته!عاش محفوظ أكثر مما أحب وتمني لهذا قال عبارته الشهيرة التي لخصت حبه في ثلاث نقاط هي حب الناس وحب الحياة وأخيرا حب الموت، والحب الأخير يذكرنا باسطورة سيبل كما تناولها ت، س، اليوت فهي طلبت الخلود ونسيت أن تطلب الشباب وانتهت أخيرا الي نشدان الموت.لكن نجيب محفوظ بفائق واقعيته وفائق رؤاه غير الغنائية استشعر الموت قبل دنو الأجل، وعبر من خلال أعمال لا تزال مليئة بما يستحق التأويل الفلسفي عن هذا الشرط البشري الذي لا فكاك منه!واذا كان كازنتزاكي قد خلق زوربا وفشل في قتله، فان محفوظ الذي خلق تلك السلالة من شخوص اشكاليين فشل هو الآخر في قتلهم.فسرحان البحيري الذي مات مرتين وعمر الحمزاوي الذي مات ميتة وحشية تحت سماء باردة، وسعيد مهران الذي قتل في مغارة، هؤلاء لم يموتوا علي الاطلاق، لهذا مكثوا لا في الحبر والورق فقط بل في الذاكرة القومية لثقافة لم تكن الرواية ذات يوم ديوانها، لكنها من خلال محفوظ علي وجه التحديد ومن خلال آخرين اجترحوا آفاقا مغايرة اصبحت ديوان العرب الثاني بامتياز الي الحد الذي اصبح فيه الشعراء العرب يهاجرون من وادي عبقر الي قيعان المدن ويكتبون روايات يغار منها الشعر!ما ان يعلن نبأ رحيل كاتب أو شاعر أو مفكر عربي حتي تقرع طبول كانت للتو صامتة، ويصبح الموت مناسبة تتجاوز في طقوسها الولادة وهذا بحدّ ذاته أمر لا بأس به، بل يعين الأحياء علي احتمال موتهم المتخيل وأحيانا المنتظر اذا كانوا في حالة احتضار علي تخوم الموت!لكن ما لا نفهمه علي الاطلاق هو هذا التمجيد لنجيب والتنكيل بالنجباء فوزراء الاعلام والناطقون الرسميون باسم الجنرالات، والندابات المحترفات جميعهم يتحولون في لحظة واحدة الي عشاق للأدب والفن، وعن الذين كانوا للتو يعاقبون المبدع علي ابداعه ويلوحون بالتجويع والتطويع لمن لم يتأقلم مع تقاليد الاسطبل المعولم !قالها ستفن سبندر عشية رحيل السياب وهو رحيل فاضح لثقافة تقضم ابناءها وأحيانا تأكلهم كما تفعل القطط!قال: أتمني أن أعيش انكليزيا وأموت عربيا لأن العرب شغوفون بالموتي، ويضيقون بالأحياء!هذا بالرغم من أن حياة وموت نجيب محفوظ يشكلان ثنائية غير كلاسيكية في سيرة أدبنا وثقافتنا خلال القرن الماضي، فهو ساطع الحضور حيا وميتا، وظفر بتقدير لم يظفر به سواه علي المستويات ذاتها سواء كانت محلية أو قومية أو عالمية.لهذا فاختصار نجيب في جائزة نوبل يحرمه من عدة جوائز قد تكون أهم منها، وفي مقدمة هذه الجوائز أنه كتب روايات استحقت نوبل بعد عقدين علي الأقل من كتابتها، ولم يكن عام 1988 باي مقياس هو العام الحاسم في المسار الروائي لمحفوظ الا بالنسبة لهؤلاء الذين لا يعرفون أن ما لديهم قمحا أم زؤانا الا من خلال غربال غريب، ومن غير البلاد التي نبت فيها القمح ورضعت سنابله من رحيق الأرض!ان اكثر المثقفين العرب يتصورون انهم قرأوا نجيب محفوظ وفرعوا منه وهم في الجامعة أو في طور العذراء اذا صح لنا ان نستعير تعبيرا كهذا من عالم الاحياء ورحلة دودة القز التي يليق بها اسم آخر غير الدودة لأنها تقترن بالحرير لا باللعاب السام!وهذا التصور ينطوي علي خطأين الأول هو الاركان الي وعي البدايات والثاني هو التعامل مع النصوص الابداعية باعتبارها مساحات موضوعية محددة، وغير قابلة للتأويل، فالنص ذو وجود متعدد ولو لم يكن “برادلي” قد قال هذه العبارة لقالها شخوص روايات تهجع امكانات التأويل والقراءات المتعددة في باطن نفوسهم.واعترف حتي لو كان هذا الاعتراف علي حساب أنانية خاصة، بأن قراءتي الأخيرة لمحفوظ التي أنجزتها قبل عامين من رحيله أوضحت لي أن هناك نجيبا آخر غير الذي توهمت قراءته في الجامعة، وفي بواكير القراءات الانتشائية الأولي.وجدت مثلا ان اسكندرية محفوظ تحتاج الي وقفة طويلة، فهي المنفي السياسي مقابل الملكوت القاهري، ويتضح هذا علي نحو مباشر في ميرامار والسمان والخريف علي الأقل.وقد يصعب علي في قراءة جديدة لميرامار مثلا ان اكتب عن الرواية من خارج البانسيون فانا النزيل الثامن فيه، وقد أكون التاسع اذا أضفنا ماريانا صاحبة البنسيون الي عدد النزلاء.اسكندرية محفوظ كوزموبوليتية، وتقدم ميرامار تجليا روائيا لهذه الرؤيا، لهذا أجاب نجيب محفوظ صديقا سأله ذات يوم عن سبب عزوفه عن السفر خارج مصر بقوله انه يذهب الي الاسكندرية، واستنتج الصديق بأن اسكندرية تعني لنجيب العالم كله وقد اختزل في كبسولة علي الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط!وهناك سؤالان قلما يجهر النقد بهما حول نجيب محفوظ الاول يتعلق بموقفه من الصراع العربي ـ الصهيوني. والثاني يتعلق بموقفه الميتافيزيقي، فهو يحلق عاليا وعلي ارتفاعات شاهقة عندما يتعلق الأمر بهذين السؤالين، وحقيقة الأمر ان الاجابة علي السؤالين ممكنة اذا تم استقراء محفوظ تأويليا ولم يكن هذا الاستقراء مرتهنا لأدني تعريفات الواقعية، فواقعية نجيب محفوظ ليست ساكنة او عديمة الاجنحة، انها أحيانا واقعية الممكن، والأشبه بما علق به ناقد روسي علي واقعية تشيكوف.فالقصة التي كتبت علي انها ضرب من الخيال وقعت تفاصيلها بعد نصف قرن في موسكو وكأن الكاتب كتب عما سيقع وليس عما وقع بالفعل.هل نضيف الي الالتباسات العديدة حول قراءة محفوظ للسينما ايضا؟ بحيث يستعيض المثقفون بالأفلام عن الروايات؟ان الأمر هنا لا يخلو من مفارقة، فاذا كان انطوني كوين هو الأشهر من زوربا عند كازانتزاكي فان يحيي شاهين أشهر من السيد أحمد عبدالجواد، وشادية أشهر من زهرة وناديا لطفي أشهر من ريري ويوسف شعبان أشهر من سرحان البحيري ورشدي اباظة أشهر من صابر الرحيمي، فالسينما تحاول تقديم تعويضات عن الخيال المفقود لكنها في النهاية تنتقي واحدا من آلاف الممكنات.أخيرا فان نجيب محفوظ عاش قرابة القرن لكن حياته التي قطعها بجسده أقصر باضعاف من تلك التي سيقطعها بقلمه، فالتابوت حين ينام فيه أمثاله يولدون ولا أبالغ للمرة الثانية اذا قلت بأنني رأيت شخوصه وأبطاله يتسللون الي الجنازة وضاعف من هذا الاحساس مشاركة ممثلين جسدوا معظم أبطاله في السينما!!0