الرواية ابنة جنسها الادبي وليس جنسية كاتبها

حجم الخط
0

الرواية ابنة جنسها الادبي وليس جنسية كاتبها

خليل الرزالرواية ابنة جنسها الادبي وليس جنسية كاتبهاسأحاول قدر الإمكان، أن تتقاطع شهادتي عن مساهمتي الروائية مع موضوع المهرجان خصوصية الرواية العربية . أقول سأحاول، لأن لمفهوم الخصوصية عندي مفهوماً قلقاً وملتبساً، ومن ثم قابلاً، وبسهولة، لأن يشي بنقيضه. سيأتي ذلك في سياق عرض أفكار أتبناها حتي الآن وأتجنب عادة تقديمها بصورة قناعة دينية راسخة لأنها، أولاً، لم تسقط عليّ قطعة جاهزة واحدة، ولأنني ثانياً، لن استميت في الدفاع عنها، فأنا أرتاب فيها هنا وهناك وسوف أتخلي عنها عندما أكتشف أنها لم تعد مفيدة لي أو أخضعها مرة أخري وأخري لتعديلات لن يكون لها نهاية.أبدأ بالقارئ نظراً لغيابه اللافت أو لوجوده الصعب والنادر في مجتمعاتنا العربية. هل أذكّر بالأرقام والمقارنات؟ لا بأس من بعضها. في تسعينيات القرن الثامن عشر كان عدد سكان إنكلترا ستة ملايين نسمة، وكانت مبيعات الكتاب الواحد تتراوح بين عشرة آلاف ومئة وخمسة آلاف. ووزارة الثقافة تطبع الآن ألف نسخة من كل عنوان، يذهب منها ما يقرب من ستمئة وخمسين نسخة إلي مؤسسات الدولة، وحوالي مئة وخمسين نسخة هدايا لأفراد بما فيها حصة المؤلف، وهكذا يبقي لكل القراء السوريين في كوّات المراكز الثقافية وللقراء العرب عبر معارض الكتب في العواصم العربية مئتا نسخة. هل أذكّر بعدد سكان الدول العربية؟ نحفظه عن ظهر قلب، ولكن هذا الرقم العزيز الهائل من البشر يقابله رقم لا يصدّق عن متوسط ما يقرؤه الفرد العربي: ست دقائق في العام حسب اليونسكو في تقريرها الصادر منذ سنوات. هذا الواقع، المرير إذا شئتم، يريحني شخصياً علي الأقل من الخلاف حول جماهيرية الأدب ونخبويته، إذ يحوّله بلا هوادة إلي خلاف بلا موضوع، ولكن من ناحية أخري يضعني أمام سؤال حيوي ومحرج: لمن اكتب إذاً ولماذا؟ بخاصة إذا كنت، حين أكتب، لا اكتفي، لا بقصص حبي الفاشلة، ولا بالمسلسلات التلفزيونية أو بالانطباعات الحارة من بعض الروايات ولا بالمعتقدات التي أؤمن بها أحياناً ولا حتي بانتسابي إلي اتحاد الكتاب بعد نشري روايتين. لا أود هنا أن أُخسّر الكتابة كل مسوغاتها لأنني، أنا نفسي، لن أحبط نفسي، ولكنني بالمقابل لن أصوّر الكتابة في مجتمع لا يستهلكها علي أنها عمل بطوليّ. لقد تعلمت أن أتقبل كساد بضاعتي تلقائياً كما أتقبل ذباب الصيف ولكن استمراري بإنتاجها ليس عملاً استشهادياً بالتأكيد. دائماً كانت البطولة تبدو لي نوعاً من البطالة، ولا أعرف حقيقة كيف يمكن ربط البطولة بالعمل، فالأبطال بالعادة لا يعملون إما لأنهم أموات أو لأنهم مشغولون بتبجيلهم. ثم ان الأدب عمل محدد لا يمكن اعتباره من الأعمال غير المحددة التي يقدم عليها عادة الجنود المجهولون علي سبيل المثال. لتكن الكتابة إذاً في بلداننا عبثاً أو موقفاً من العالم، فأن لا يشعر بك محيطك لا يعني أن لا تكون شاهداً عليه. من ناحيتي لا أري غضاضة في شنشلة الأدب بالغايات السامية بل والمتعالية، ولكني أفضل أن تكون الكتابة مجرد عمل، عمل متقن رغم كل شيء. وبما أن الكتابة لا تتم إلا بالقاريء فقد وجدت نفسي، منذ مدة طويلة نسبياً، أتخيل قرائي في مكان لم أستطع تحديده حتي الآن. وما دام الخيار متروكاً لي فإن قرائي هؤلاء هم مجتهدون وعلي قدر كبير من الاهتمام بالفن الروائي، فقد قرؤوا دوستويفسكي وغورنتشاروف وبيلي وفلوبير وبروست وساروت وكونراد ووولف ومانسفيلد وأونامونو وفيتزجيرالد وكورتازار وساراماغو وسواهم، ولذلك احرص علي أن أبدو لقرائي بما تنضح به رواياتي، أنني مثلهم قد قرأت، معهم أو قبلهم بقليل، هؤلاء المعلمين، وحاولت وأحاول بقدر ما تسني ويتسني لي من المثابرة أن أفيد منهم عامداً متعمداً.حين أقول الرواية الآن لا أعني الرواية السورية بل الرواية بكل اللغات التي كتبت بها منذ نشوئها، أقول الآن لأن الظرف مختلف بالنسبة للروائي علي الأقل عما كان عليه قبل خمسين عاماً بحكم قرارات فوقية لمؤسسات شجعت علي الترجمة ولاتساع الهامش الذي ما زال ضيقاً للقارئين باللغات الأجنبية من الكتاب. وهكذا سيصعب عليّ في مثل هذا الظرف أن أتحدّر روائياً من شكيب الجابري لمجرد أنني سوري، فالريادات الروائية، كما أظن، لم يعد لها الآن غير قيمتها الأحفورية إذا لم تكن قد أخذت بالاعتبار منجزات الرواية التي تحققت قبلها لدي الأمم الأخري بمختلف لغاتها. ويبدو لي أن الأوان قد آن أخيراً للمقارنة الظالمة بين غابة الحق و زينب و قدر يلهو وبين الأخوة كارامازوف و مدام بوفاري و قلب الظلام و البحث عن الزمن المفقود و عودة إلي الإعدام ما دامت كل هذه الروايات في متناول يدي، وما دامت قد كتبت في فترات متقاربة. وهذه المقارنة ضرورية لكي لا تعني الريادة لي البدء من الصفر. أما إذا أصررت رغم ذلك علي اعتبار روايتي مخلصة في تحدّرها من الروايات المعروفة في الرواية السورية أو العربية فإنما أفصح بشجاعة عن موقف أيديولوجي قد يعنيني كمواطن ولكنه لن يعنيني كروائي بالتأكيد. لم يكن غوغول أول الناثرين الروس ولكنه اعتبر رائدهم لأن أعماله كانت الثمرة الأنضج للتأسيس عليها. وإن المتتبع لحركة الرواية في صورتها الشاملة ليجد تياراتها وشخوصها تعبر الحدود السياسية الصارمة من بلد إلي بلد، ومن امة إلي أمة، فليس من باب المصادفة أن تتصادي وتتشابك الحركات الأدبية والفنية في هذه الأمم والبلدان وفي ما بينها. لم يكن غويا فرنسياً ولا عاش في باريس لكنه كان الأجدر، قبل دولاكروا بقليل، بتمثيل الأفكار الثورية في فن التصوير من معاصره دافيد الملتصق بنار الثورة الفرنسية، والذي لم ينتمِ إلي عصره إلا بسكب صوت العقل ونداء الواجب وحب الوطن علي سطوحه الزجاجية وبين كتل أبطاله- المرمر المشتقّين من التماثيل الرومانية. وقد أكمل غوته في فاوست مثلث الإنسان الحديث الذي بدأ بـ هملت و دون كيخوت ، والذي سيؤسس عليه الكتاب الروس علي طول القرن التاسع عشر بطلهم الفائض في أعمال تورغينيف ودوستويفسكي وغونتشاروف وفيلهم بوشكين الذي وجد قناة أخري إلي البطل نفسه في شخصية وأعمال اللورد الرومانسي المتمرد بايرون، فيتردد صداه في يفغيني أونيغين و دوبروفسكي ، ثم ما يلبث هذا البطل أن يظهر في القرن العشرين، بتسميات مختلفة أحياناً، لدي شعوب أخري، بعد معالجته الروسية العميقة، فتلمحه عند كافكا وكامو وميشيما في اعترافات قناع علي وجه الخصوص.وبذلك تقوم الرواية علي أيديهم بواحد من انتحالاتها المبكرة لتقانات الفنون الأخري وبحركتها المميزة بين اللغات المختلفة. وما كانت هذه الحركة الطليقة ممكنة لولا الظرف الجديد الذي لم ينشأ بحكم قرارات فوقية كما حدث عندنا في الخمسين سنة الأخيرة لنجد أنفسنا نحن الكتاب بلا قراء ملموسين، بل بحكم تغيير بني المجتمع الأوروبي عموماً منذ الثورة الصناعية، والأنوار، والثورة الفرنسية، فالقطارات البخارية أثبتت أنها الأشد سرعة وتأثيراً حتي من الحملات العسكرية، ليس فقط في تبادل سلع الصناعة بل وسلع الفكر والفنون. لقد تسني لبلزاك ثم زولا أن ينشرا أعمالهما في باريس وبيتربورغ في العام نفسه، ولغوته أن تترجم له فرتر مثلاً أربع مرات إلي الروسية خلال عشرين عاماً بين 1780 ـ 1800. وإذا كانت الرواية اليابانية قد عالجت منذ مطلع القرن العشرين وبحدة ومعاناة موضوع الشخصية التقليدية اليابانية في علاقتها مع الغرب الذي حضر بقوة مع تصنيع بلادهم منذ عصر الميجي فإن الروائيين اليابانيين فعلوا كما فعل صناعيّوهم معتبرين أن الخبرة الصناعية لا وطن لها ولا تتجزأ، والرواية شجرة واحدة والهوية فيها لا يمكن أن تتعدي مادتها الخام، حتي ميشيما الذي كان شديد المعاناة من انخراط يابانه في نمط حياة تجاوزت تقليديته العزيزة علي قلبه، وجد نفسه مخلصاً للرواية باعتبارها حرفة، ومن ثم وريثاً لكل تقاناتها التي راكمتها عبر تاريخها الإنساني. حتي في مسرحيات النو ذات الخصوصية اليابانية حاول ميشيما أن يصالح في البداية بينها وبين أشكال المسرح العالمي، ثم ما لبث ان كتب مسرحيات خالصة الانتماء إلي الأساليب غير الوطنية، وقد لاقت استحساناً كبيراً لدي اليابانيين وسواهم رغم أحلام المؤلف الوطنية التقليدية، وربما كانت هذه الازدواجية المتأزمة أحد أسباب انتحاره، فهو بالنهاية شارك في تهجين وطنه الغالي، فجاء انتحاره علي طريقة فرسان الساموراي انتصاراً معنوياً متأخراً لليابان المفقود واعتذاراً له. إنني لا أدعو طبعاً الكتاب العرب غير الحريصين علي الانتماء لرياداتهم المحلية الأحفورية أن ينتحروا لأن خصوصية بلدانهم ما زالت آمنة علي كل حال من الصناعة والعلوم ومن ثم لن يضمنوا، حتي ولو انتحروا بسيوف عربية أصيلة، قراءً بمعدلات لا يندي لها الجبين في إحصائيات اليونسكو المقبلة.أردت فقط أن أقول إن تقسيم الرواية بحدود اثنية صارمة عملية تبدو لي مستحيلة، فالرواية في اعتقادي لا تنتمي إلي شعوب وأفخاذ بل إلي سلالة جنسها الأدبي فقط، السلالة غير العرقية التي شاركت بها وطورتها أقلام كثيرة من لغات عديدة سوف تنتسب إليها أقلام من لغات أخري بأفضل إمكاناتها السردية. أما إذا حلا لأحد أن يفرض هذه الحدود فله أن يفعل ذلك ولي أن أفهم أنه يفعله لأهداف غير أدبية. وهكذا حين أسمي الرواية بالفرنسية أو بالإنكليزية أو بالروسية،لا أفعل ذلك لتمييز أدوات بل لتمييز واقع عن واقع، مادة خام عن مادة خام. وربما نجد الآن في ضوء ما قيل الإجابة عن السؤال: لماذا لم تشكل الرواية العربية ظاهرة علي غرار الروايتين اللاتينية ـ الأمريكية واليابانية مع أنها بدأت كرونولوجيا معهما تقريباً؟ هل لأن العرب مستهدفون من قوي الشر في العالم؟ أم أن ظرف صراعنا مع إسرائيل فرض علي كتابنا الهمّ الايديولوجي فترة طويلة من الزمن، فاشتغلوا عليه تحت وطأة تضخم الحاجة للشعور بهويتنا؟؟ أم أننا أنفقنا عشرات السنين من الكتابة بعقلية ابن الريف في نزوله الأول إلي المدينة حين يُعمي عينيه بكرامته التي يمكن أن يهدرها له أي تاجر في السوق؟؟ من ناحيتي أحاول أن لا انشغل بما يسمونه صراع الحضارات، والغرب بالنسبة لي ليس الآخر النقيض، فالتبادل المعرفي، حتي علي خلفية الحروب، لم ينقطع منذ انتقلت أزهار اللوتس وطيور النيل إلي خزف كريت، ومنذ علّم الفينيقيون أبجديتهم للإغريق. وبما أن تاريخنا لا يبدأ في القرن السابع الميلادي فنحن بصورة ما رومانيون وبيزنطيون وأندلسيون وعباسيون. إن ثلاثة آلاف سنة كافية بالنسبة لي لأن اقتنع بأننا أطراف في حوار مثمر طويل، ولا أفهم كيف أفخر بمسرح بصري والمسجد الأموي وجوليا دومنا والأفلاطونية الجديدة ثم اعتبر الغرب الآخر المضاد. أشعر بأنني معني بكل ما كتب، وبكل ما حدث علي الأرض من تواريخ وصناعة وزراعة وروايات ومسرحيات وقصور ومعابد وقصائد ولوحات وفلسفات، فالرواية فن يتسع لكل ذلك. فقط لو أفيد من كل هذه الوفرة! ما زلت أفكر، ما زلت أعمل.كاتب من سوريةشهادة قدمها الروائي السوري خليل الرز في مهرجان العجيلي الثاني للرواية في الرقة.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية