تشكّل مسيرة الرواية الإنكليزية نموذجا معبرا عن رحلة الرواية في الغرب الأوروبي؛ وكي تكون الرؤية واضحة لتطور الرواية العالمية بشكل عام، فمن المهم للقارئ العربي أن يقف على تطور الرواية الإنكليزية، بوصفها معبرة عن تطور الرواية الغربية عامة، وكيف تأثرت بها الرواية العربية خاصة، وهذا يأتي ضمن مباحث الأدب المقارن، ونظرياته حول التأثير والتأثر، التي لا بد من أن تكون حاضرة في الوعي العربي الثقافي المعاصر.
لقد بدأت الرواية الإنكليزية بالرواية النثرية، بعد ظهور المسرح النثري، وانتشار الطباعة، واتساع الفئات المقبلة على القراءة، بازدياد نسبة المتعلمين، خصوصا في أوساط النساء، مع تقدم الحياة المدنية، وتوافر سبل الراحة، فصار لهن وقت فراغ، ناتج عن تخفيف الأعباء المنزلية عنهن، فأصبح الكتّاب الروائيون منتجين لسلعة رائجة، وهي الرواية، التي يترقبها جمهور واسع، تواكب ذلك مع بزوغ النزعتين الفردانية والعلمانية، اللتين أنتجتا مع تشجيع البحث العلمي والمبادرة الفردية.
توازى ذلك مع الإحساس بالصعود القومي للهوية الإنكليزية، فكما ورد في كتاب «الأمة والرواية: الرواية الإنكليزية من بداياتها حتى الوقت الحاضر، لباترِك بارندر؛ فإن الرواية الإنكليزية تعرّف ـ كما هو شائع عنها- بأنها الرواية التي تكتب باللغة الإنكليزية، بقلم مؤلف إنكليزي، من حيث القومية أو الأصل أو السكن، مقابل مؤلف أمريكي أو أيرلندي، أو أسكتلندي أو ويلزي، أو ما عدا ذلك من الهويات القومية الناطقة بالإنكليزية. وقد ظلت صفة الإنكليزية حتى منتصف القرن العشرين تستعمل عادة في الدلالة على كل ما يكتب قصصا باللغة الإنكليزية. أما الآن فإن التراث القومي المختلف، والعائد إلى كل قومية على حدة، يُنظَر إليه على أنه منفصل عما سواه. فهم مثلا ينظرون إلى الأدب الأمريكي المكتوب بالإنكليزية على أنه واسطة للتعبير عن الأسطورة القومية الأمريكية، ولا علاقة له بالرواية الإنكليزية.
فالرواية الإنكليزية في مفهومها – الحديث والمعاصر- تختص بالرواية التي يكتبها أبناء إنكلترا فقط، ولا بد من أن يكون المؤلف إنكليزيا في انتمائه وتكوينه وأصله. وقد تعددت مراحل الرواية الإنكليزية، فالحقبة الأولى منها ممتدة زمنيا، وأنتجت لونا سرديا، يطلق عليه رواية الفرسان والبيوريتانيون والمتشردون، خلال الحقبة 1485 إلى 1700، فظهر ما يسمى «روايات الأجيال»، التي تتناول تاريخ العائلات من الجد إلى الأحفاد.
وعاصرتها «رواية التودد»، التي تجمع بين عائلتين، من خلال علاقات قرابة أو مصاهرة، وتتناول ما ينتاب هذه العلاقة من تغيرات ومؤثرات، وكانت هذه الروايات تستغرق مجلدين إلى ثلاثة مجلدات، خاصة أن أشجار العائلات الإنكليزية ممتدة جذورها، وفيها الكثير من الحكايات والغرائب، بما يجعلها مثقلة بالدلالات الثقافية والاجتماعية، فبعض أبناء العائلات الكبيرة كانت لهم أدوار خطيرة في الحرب الأهلية، وبعض العائلات فيها لقطاء، وقد استطاعت هذه الروايات أن تربط الهوية العائلية بالهوية القومية الإنكليزية، وتنتهي هذه الروايات نهايات سعيدة، بالتئام العائلة، وعودة الحب والتراحم إلى أبنائها، بعد فترات من الصراعات والغربة، ولكن اللافت في هذه المرحلة، أنها سعت إلى تثبيت الهوية القومية الإنكليزية، واستمر هذا التيار مع روايات كروزو المشاكس، التي ألّفها دانيل ديفو، وهو كاتب صحافي، وكتب كتبا عديدة في أدب الرحلات والتاريخ والتعليم، وتشكل كتاباته النثرية شيئا أقرب إلى الموسوعة التي تضم كل شيء، ولا تلتزم بالسردية الروائية أحيانا، وإليه يرجع الفضل في تخيل شخصية روبنسون كروزو، التي مثّلت الشخصية الإنكليزية النموذجية، ويعد أبا للرواية الإنكليزية الحديثة، وعمل على إظهار تناقضات الهوية البريطانية، وشدد على أهمية ترسيخ الهوية الإنكليزية فقط، وتتالت أشكال الرواية الإنكليزية، فظهرت رواية الآلام التي تتناول صورا من المآسي الاجتماعية لفقراء المجتمع الإنكليزي، وأوجه المعاناة الشديدة التي لقيتها الفئات السفلية الاجتماعية، ثم ظهرت روايات اللص الكريم، التي تعتمد على لص ظريف، يسرق ليعطي الفقراء والمعوزين والمومسات وغيرهم، معلنا معارضته لفكرة الكرم الذي يبديه بعض الأغنياء للفقراء، ويراه نوعا من النفاق الاجتماعي، وبدأت منذ عصر الروائي فيلدينغ إلى العقد الأخير من القرن الثامن عشر، وأبرز روادها هوبز وماندفيل. ثم ظهرت روايات التوريّة الرومانسية، التي تتناول القرية الإنكليزية التقليدية، بكل ما فيها من جمال وبساطة، ضد الهجوم الرأسمالي عليها، وطرد سكانها، وكان أبرز كتابها والتر سكوت، ودزيلي وغيرهما.
تلتها مرحلة روايات البنات التوريّات وسياسة الزواج، وأبرز مؤلفيها جين أوستن، وشارلوت برونتي، وإليزابيث كاسل، وقد عززت هذه الروايات المشاعر الوطنية الإنكليزية، والنظام الأبوي، والمثل الرعوية، والمسؤولية الأخلاقية للفرد، وسعت بعضها إلى ترسيخ النظام الاجتماعي الإنكليزي، ضد دعاوى الثورة الفرنسية، ونادوا بالحفاظ على الملكية ضد فوضى الجمهورية، التي اجتاحت فرنسا. وجاءت روايات تشارلز ديكنز، التي تضع الرذائل العامة ضد الفضائل الخاصة، وتمتدح رجال الأعمال الناجحين، وتشيد بالشخصيات الطموحة المثابرة، وغالبية شخصياته تنتمي إلى مدينة لندن، ويبدو أن هذا التيار يواكب صعود المجتمع المدني البريطاني، والادعاء بأن قاطنيه يتفوقون على أبناء الريف الإنكليزي، ضد ما ادعاه بعض الكتاب مثل الشاعر وردزورث بأن أبناء المدن مجهولي النسب، معزولون كالحيوانات البرية. وهناك روايات سوق الأباطيل والعميل السري، وظهرت في عصر الملك إدوارد والعصر الفيكتوري، وهي أقرب إلى روايات التسلية، وتتحدث عن العميل السري ذلك المقامر الذي يطوف أوروبا ويصف مغامراته فيها. وفي نهاية القرن التاسع عشر، ظهرت روايات تتحدث عن مصير إنكلترا، إذا اجتاحتها القوى المعادية في أوروبا، مثل ألمانيا الصاعدة، أو تعرضت لغزو خارجي من سكان أحد الكواكب، أو إذا انتشرت فيها الشيوعية، وتأممت الحكومة المركزية، وكلها تهدف إلى الحفاظ على الوضع القائم، وتميّز الأمة الإنكليزية، ضد دعاوى القوميات الأوروبية المتعددة، التي تنازع الامبراطورية البريطانية العظمى، وأيضا ضد كل الدعوات السياسية الهدامة، التي قد تفسد الحياة الراقية في المجتمع الإنكليزي، وكان أبرز مبدعيها فورستر وجورج أورويل. ثم ظهرت روايات واقعية واجتماعية وسريالية في القرن العشرين، مواكبة لتيارات أدبية وفلسفات اجتاحت أوروبا بعد الحرب العالمية الأولى، إلى جانب الروايات الفلسفية الوجودية والواقعية والعبثية إلى يومنا.
ويكون السؤال عن إشكالية علاقة الرواية العربية بالرواية الغربية خاصة، وبالمركزية الثقافية الغربية عامة؛ وفي السؤال عدة إشكالات، ضمن دائرة التأثير والتأثر، والاستلاب والعطاء. فقد تأثرت الرواية العربية منذ نشأتها بالرواية الغربية، على مستوى الشكل الفني، وطرائق السرد، حيث كانت الرواية الغربية في حالة من الاستواء والنضج، إلى جانب الشهرة والانتشار، التي جعلت أسماء الروائيين الغربيين متداولة في الأوساط الثقافية والشعبية على السواء في العالم العربي، نتيجة حركة الترجمة، واطلاع الكثيرين على الروايات الغربية في نصوصها الأصلية باللغات الأوروبية، ولكن الرواية العربية هضمت التجربة السردية الغربية، واختصرت مراحل تطورها في قرونها الأربعة، إلى قرن واحد أو أقل.
وقد تراوحت الرواية العربية في مسيرتها بين التأثر بالمركزية الروائية الغربية، والتعبير عن السيرورة الاجتماعية العربية، المتمثلة في التبدلات الاجتماعية التي أصابت المجتمع العربي، ما أدى إلى ظاهرة التداخل والاختلاط في مراحل تطورها، عكس الرواية الغربية، فإن مراحل تطورها واضحة متميزة.
كاتب مصري