الرواية الفرنسية تكتب الشاهدة الأخيرة للمهدي بن بركة

حجم الخط
0

مع صدور عمل باتريك موديانو:أحمد المديني 1ـ يعتبر صدور رواية جديدة للكاتب الفرنسي لباتريك موديانو دائما حدثا أدبيا، خاصة بعد أن تكرس إسمه لدى فوزه، المرة الأولى بجائزة الأكاديمية الفرنسية عن روايته:’Les boulevards de ceinture (1972) ثم بجائزة الغونكور، عن’Rue des boutiques obscures'(1978). (ونحن لا نرى معنى لتعريب عناوين روايات، إما غير مترجمة، أو بفجاجة وركاكة). جاء هذا التتويج، طبعا، بعد مسيرة كتابة دشنت رسميا سنة 1967 برواية غدت كلاسيكية، هي ‘La place de lEtoile ‘(1967)، ومنذئذ وهي متواصلة بدأب الروائي المحترف، الذي انتبه النقاد والقراء بالتوالي أن كتابة الرواية لديه مشروع وجودي، متواز مع رؤية مجتمعية، في قلب مدنية اليوم، وحيث الكائن يبحث عن فرديته وموقع قدم، عن ارتكاز، وعنده هو بالذات، جعل الكتابة وسيلة للبحث عن هوية ضائعة، ولاستردادها ما أمكن، وهي كذلك بالنسبة إليه، خلافا لمن يولدون بواقع مرتب، وانتماءات عائلية ووجودية محسومة. صارت الرواية لديه شكلا لرسم وتدوين دفتر جديد للحالة المدنية، لا عجب أن يحمل هذا البحث ذاته عنوان روايته الموسومة : ‘Livret de famille’ (1979)، ويهبط إلى جذور بحثه حيث توجد، وأين في غير الطفولة، تنفيذا لوصية جده فرويد، كما تظهر في:’Vestiaire de lenfance’ (1989). وكروائي فرنسي متشبع بتقاليد هذا الفن العريقة، في سلسلة أنساب أعلامها مشتهرون بين بلزاك وفلوبير وبروست وألان روب غرييه مع مشيل بوتور، تصنع العالم في إطار مادي فيما هي تشخص الحيوات الفردية وتستبطن الذوات، كذلك موديانو يصنع لها خريطة، بالأحرى يستعيرها، ولنفسه ضمنها، هي باريس يجوبها طولا وعرضا، ومعها وبواسطتها يعيد تأسيس الذات واكتشاف مجهولها ومجهول كائنات اتصلت بها حسيا وفي الغالب كظلال متباعدة وأشباح هاربة. من نافل القول، ان هذا الروائي الحفّار والصموت، العييّ تقريبا لأنه أبعد الكتاب الفرنسيين عن الثرثرة وضجيج الإعلام، سيسلك الخط الذي أصبح معلوما للرواية الفرنسية منذ العقد السبعيني الماضي، خط السيرة الذاتية وتنويعاتها، ولكن ليقدم فيه نموذجه الخصوصي، المطبوع بموضوعية تبعيدية، وحيادية صارمة، تنفر من كل نزعة استعرائية، ومع التمسك بالمنظور الواقعي للرواية، وجعل الشيء يشخصها والإنسان في مركزها، وليس كلمات التباريح والبوح الغنائي لعواطف منثالة، شأن ما انساق إليه نساء ورجال من جيله، وأصابوا بالعدوى خارج محيط الأدب الفرنسي.2ـ اليوم، فإن ظهور موديانو، في الموسم الأدبي الجديد بفرنسا، زيادة على ما اختص به، أخذ طابعا ونكهة مختلفتين، ولعل ‘دار غاليمار’ وهي تصدر روايته الأخيرة: ‘Lherbe des nuits’ تعمدت شيئا وهي تعلن الصدور بتاريخ الرابع من أكتوبر الجاري، خلافا لأغلب الكتب التي تدفع بها دور النشر الفرنسية إلى السوق في شهر سبتمبر، مدشنة بذا الدخول الأدبي لكل عام. هذا ‘الشيء’ هو ما حاول موديانو التنقيب عنه، ونبش أثره، والحفر في العارض والمُُغيّب، وإعادة بنائه، باسترجاعه من عمق نسيان، أو تناس مقصودين، أو لأمر ما، وحيث يمكن للذاكرة أن تلعب دورها بوعي، ـ (الذاكرة خزّانُه وخزانته دائما، تستعاد وُتبنى في آن، ومنها تتناسل الأحداث، ترى العين وتمشي القدمان، عند كاتب هو وذاكرته وكلماته تمشي في الطرقات، كما كان بروست يمشي في الزمن، محققا بذا مبدأ الحركة)ـ وللأدب أن يقول كلمته بواسطة السرد، حقيقيا ومتخيلا، فيحارب النسيان بفعل التذكر، ويجعلنا نعيش الماضي بقوته وحيويته، ومأساويته كذلك، كأنه حاضرنا، بل هو الزمن الحقيقي الذي ما انفك أبرز روائي فرنسي اليوم يستعيده ويشتغل به، وهو المبدأ الثاني في منظومة الرواية.3ـ في روايته الجديدة يعمد موديانو بكيفية ملتوية إلى نفض غبار النسيان عن قضية تخص تاريخنا المعاصر، نحن العرب، نحن المغاربة، وأبناء الحركة الديموقراطية في العالم الثالث كافة، التي ناضل واستشهد من أجلها كثير بوجه خاص، وعَلَمُها الشهيد الذي اغتالته الأيادي القذرة، المهدي بن بركة (إثر اختطافه في باريس 29 تشرين الأول/اكتوبر من سنة 1965 على يد عصابة مغربية فرنسية، وتدبير مباشر من الجنرال أوفقير، واتهم فيها نظام الملك الحسن الثاني في شخص أوفقير والدليمي، والمخابرات الإسرائيلية والأمريكية، من غير أن تظهر الحقيقة جلية إلى اليوم، ولا مصير الجثمان)، وتقام ذكراه كل عام في اليوم ذاته مساء أمام مقهى ليب بشارع سان جرمان بباريس، تحضرها عائلة الشهيد، وورثة ذلك النضال البعيد، فرنسيين وأجانب. وإذن، فهذا العمل يصدر في مطلع شهر الاختطاف، مستبقا الذكرى الأليمة، ولأن كاتبه، بطريقته الفنية، وخصائص أسلوبه، يطرحه على مستوى الواقع المحتمل، باستباقه، أي أنه لا يعرض لجريمة اختطاف بن بركة وتصفيته الجسدية، وقد نفذت، ولن تقرأ عنده أي نبرة مأساوية من هذه الناحية، وإنما يقاربها من عين الإعداد والتآمر، كأنه أحد أفرادها المورطين فيها، وكذلك بوصفها بؤرة ـ بين بؤر أخرىـ في دائرة البحث القصوى والأوسع التي ينهجها (البطل) الذي سعيُه زيارة ماضيه باستعادة زمن من خلال الأوبة إلى مكان، هنا حيث يمكن للرواية أن تصنع عالمها الخصوصي، وتبني حدثها هي، وتحرك الشخصيات الفاعلة، وكأن الشيء الذي نعرف أنه حدث بالتحقق، وهو موثّق تاريخيا في الأرشيف الأمني الفرنسي، إنما سيحدث الآن، ويصدر ‘تقريره’ الروائي (4 أكتوبر) قبيل أن تنفذ جريمته (29 منه) ثم وفي العمل نفسه يختلط الفعلان، والزمنان، الماضي والحاضر، في صيغة تحيل إلى القِدم، التقادم، كأنه البُطلان، حين يقول أحد المحققين مع البطل السارد، وهو المؤلف عينه، في خواتم الرواية: ‘هذا ملف[ يعني جريمة اغتيال الشهيد] يعود إلى قرابة نصف قرن’ وأنه قد ُطوي نهائيا ‘(154) فإنه يبقى، مع ذلك، ‘قنبلة موقوتة'(144).4 ـ لننبه أن هذه الرواية، وبعيدا عن أي شطط في التأويل، ليست مختصة باغتيال المهدي بن بركة، لأن مؤلفها لا يكتب عن موضوع ولا عن حدث بعينه، بالمعنى التقليدي للمصطلحين، في أي من رواياته، إذ علاوة عن أن الحذر والريبة ديدنُه، يتحرك في المناطق الملتبسة، ويمشي في مسارات ضبابية قصدا، لا نور ولا عتمة، بينهما، وهو يسعى ليتحقق من هوية ما، هويته في قلبها، وعبر الأماكن، مخترقة بأزمنة تعيّنها، فموديانو روائي مكان بامتياز، مشاّء، ومسّاح، ويمكن لمجموع رواياته أن تعوض خريطة باريس، خرائطها (قديما وحديثا) حتى إن من لا يعرف هذه المدينة في أدق تفاصيلها، بمعرفة المشّائين المحترفين، والموسوسين بالزمن عبر الأمكنة، وهي إحدى معضلات تلقيه، لن ينال من كتابته حظا يُذكر، ـ (بما يؤكد ضمنا عنده أن الرواية فن الحاضرة بالدرجة الأولى)ـ وكذلك كان بلزاك، وسلين، ونجيب محفوظ، وهو ما يجدر بكل روائي. وفي هذا العمل يقدم موديانو برهانا إضافيا على أن المكان، يُصنع داخله الفضاء، هو عماد الرواية، حسب أطروحته، وفيه تولد الحكاية، ويتنقل المحكي، و’تترعرع’ الجريمة، هما جريمتان في هذه الرواية، بخريطة وحبكة واحدة.5ـ لنسأل الآن: وإذن، أين يقع بن بركة في خريطة كهذه؟ يقع في قلبها ، لأنه اختطف(ليغتال لاحقا)، أولا، في موقع ضمنها أصبح معلوما للجميع ويحمل شاهدة ملصقة على جدار، (لصق مقهى ليب المذكور) شاهدة لجثمان لا أثر له، والجريمة نفذها فرنسيون سيتم تصفيتهم بدورهم تباعا في المغرب، مثلما سيقتل مخططهم المباشر أوفقير، الذي تزعم انقلابا ضد الحسن الثاني سنة1972، ولا يكاد يبقى شاهد حي، ولا دليل ظاهر على الجريمة، حتى إنها قابلة لأن تصبح افتراضية، رغم أنها ما تزال مرفوعة قضائيا من قبل عائلة الشهيد. هنا تتدخل الرواية، لتجعل من هذا الوجود الذاهب نحو الانمحاء، والذكرى، إلى التلاشي التدريجي، وجودا شبه حقيقي في حدود كتابة التخييل التي تنبني على مبدأ المحتمل، ممكن الوقوع (Le vraisemblable) الذي يسوِّغ للروائي ما يشاء في اختلاق سرد، حكاية، تتماشى ورؤيته، فكيف إذا كان مؤلفها، في أغلب ما ينسج، يعمد إلى اصطناع حبكة بوليسية، من غير أن يصنف نتاجه ضمن الرواية البوليسية، بتفرعاتها المعلومة، وهي لعبة احترافية مخادعة غرضها التشويق وجذب القارئ في المتاهة الباريسية التي يأخذها إليها موديانو، بين الشوارع، والأزقة والزوايا والأنفاق وخلف الشبابيك والمصابيح شبه الكابية. جريمة اختطاف بن بركة بدت لديه تمثل حبكة بوليسية، مادة وخطة مناورات، فقام بعملية التحويل، معتمدا طريقته في البناء، واستثمار المكان، وهكذا يعود المّشاء، كدأبه، ليكتشف ماضيه، (الستينات) فيجد نفسه يذهب إلىحي مونبارناس، (في كل رواية يحضر حي مركزي عند موديانو) وفي زقاق بالإسم نفسه، قبالة فندق حقيقي (Unic h’tel)، كان قد عرفه في ماضيه الستيني، وهنا يستعيد بالتذكر وإعادة البناء زمن تعرّفه على طالب مغربي، ومن خلاله على جماعة فرنسيين، موصوفين بالغلظة والطبع الشرير، يقيمون ويتعاشرون في هذا الفندق، ونعلم تدريجيا أنهم يجتمعون حول شأن غامض، ومغرض، يوحي بالخطر. هؤلاء هم النواة المعلنة المكلفة باختطاف الشهيد وتصفيته. القاسم المشترك في قسم كبير من’Lherbe des nuits’هو حضور الطالب المغربي المسمّى في الكتاب غالي أغاموري، يدرس الأدب في جامعة سانسيي، رغم أنه في الثلاثين، ويقيم موزعا بين هذا الفندق (وكر إعداد الجريمة) وغرفة بدار المغرب بالمدينة الجامعية، وهو مورط في علاقة مشبوهة(لا يفصح عنها لصاحبه إلا متأخرا، وكأنها أزمة ضمير) مع مصالح الأمن المغربي باعتباره يعمل بالسفارة المغربية، وهو مكلف مع آخرين بمراقبة النشاط السياسي لطلبة المغاربة المعارضين(95) وهذا واقع حقيقي معلوم بزمانه عرفه طلبتنا جيدا، وعانوا منه الأمرّين.6ـ تمثل شخصية داني، خليلة أغاموري ـ وهو المقابل الفعلي لشخص حقيقي (التهامي الأزموري)، طالب مغربي كان برفقة الشهيد بن بركة في مقهى ليب قبيل الاختطاف، وبرئت ساحته في محاكمة يونيو 1967 بباريس، ـ وفي الوقت ترتبط داني، (الطرف الثاني في الرواية وحبكتها البوليسيية)، بجان، السارد، وصديق خليلها، ومن مسار ارتباطهما تواصل الرواية مشاهدها وحلقاتها بين نمو ونكوص، ذهاب وإياب بين الماضي والحاضر، وفي القلب جريمتان غامضتان، ارتُكبتا وقيد الإعداد، ثم أخيرا التحقيق حولهما: الأولى، مقتل بن بركة على يد الجماعة المقيمة في فندق مونبرناس، بأسماء أصحابها المحرّفة عن القتلة المعروفين في القضية، أَخصُّهم جورج بوسشيس الذي أُجْهِز على الشهيد في بيته بالضاحية، وهي الجماعة التي يقول عنها الكاتب ‘إنها تستخدم غالي لكي توقع في شركها مغربيا كثيرا ما يحل بباريس[بن بركة]'(117). وما نقرأ هو خلفيات سيناريو الجريمة قبيل تنفيذها، وجملة إيحاءات، ولا تصريح البتة، كما هي طريقة الروائي، حتى التراوح بين النفي والإثبات. والجريمة الثانية، هي التي تحيط بالشخصية الغامضة لداني، ذات الأسماء المتعددة، الهاربة من عدالة أو شبهة ما، تحمل أوراقا مزورة، وعلى صلة بأشخاص غامضين، وتكذب وتراوغ طول الوقت، بينما تتنقل برفقة جان بثقة وتذهب به ومعه إلى أماكن غامضة قطنت بها ولم تعد وتعود إليها، وأخيرا إلى عنوان يبدو أنها نفذت فيه جريمة قتل خارج إرادتها، ما يضطرها للتخفي والتنكر بهوية مزيفة يوفرها لها خليلها وعصابة الفندق، وأخيرا الاختفاء نهائيا من نظر صاحبها موديانو، هذا المورط بين جريمتين، من غير أن يكون مسؤولا عن أيهما، ولذلك لن يلاحق قضائيا رغم تحقيق الشرطة معه، لأن ورطته بالأحرى وجودية، فجان هو الكاتب نفسه: جان باتريك موديانو، هو بدوره عاش أزمة الهوية هاته، وكتب عنها في أعمال سابقة (Un pedigree )خاصة (2005)، وفي هذه الرواية، ومثيلاتها، يواصل الحفر في الذاكرة وزيارة ماضيه عبر باريس بدراية ودقة مدهشتين، وبأداة التخييل المُنسِّبة والمُبعِّدة والحبلى التأويل. بالطبع، تحيل هذه النزعة على نهج النوع الفرعي للسيرة الذاتية، التخييل الذاتي، إنما بدون رتوش أو حذلقة شأن كثير كاتبات وكتاب فرنسيين، لأن صاحبنا هذا صانع بالدرجة الأولى، ومسّاح، كما في شخصية كافكا بروايته ‘القصر’ مع فارق أساس وهو أن جان قاسَ باريس شِبرا شبرا، ولا ينتظر إذنا من أحد لأخذ حق هويته، وإعادة استحقاق غيره في وجود اغتصب منه، ومن هؤلاء الشهيد المهدي بن بركة، وإن بدا موديانو في طريقة تعاطيه مع هذا القضية مصطنِعا، باحثا عن تبئير روائي عبر مأساة هذه الشخصية، وبالبرود المعروف عنه، ولحياده شبه التام، الذي يلزمه بأكبر قدر من التقشف والبياض في الكلام، في الكتابة، وكأن ما يكتبه ويصفه ويحيل إليه لا يعنيه، أو هو وقَفَ عليه عرَضا واتفاقا.7 ـ فما هي، إذن هذه الرواية إن لم يكن مخصوصة ببن بركة، وهو بؤرتها في آن؟ عنوانها المقتبس من قصيدة للشاعر الروسي ماندلشتام، يقول موديانو، هي ‘هذه الذكريات التي تنبت مثل العشب والتي نقصُّها إلى ما لا نهاية’. يزكِّي هذا التأويل ُمسوّغ ‘المفكرة’ السوداء التي يسجل فيها السارد بعض ما تقع عليه عينه، ويحتاج إليه للتذكر، للحفر، وبواسطتها عاد يبني قطعة من الستينات في ‘البوزل’ الروائي، ومنها يأخذ وينقح ويحذف ويزيد، أي يتخيل. هي الورطة التي تجعل منه نبتة من هذا العشب، طرفا في قضية، كما يتصورها، خاضعا للتحقيق مباشرة لعلاقته مع طرفين (الطالب الجاسوس المغربي) وداني (الفرنسية المتعددة، المتهمة في جريمة قتل) والطرف الثالث، الرقم الأصعب (ساكنة فندق مونبرناس الذين نفذوا قتل الشهيد) ثم وهو يتسلم أخيرا ومن محقق شرطة نفسه، كان يستنطقه، بعد زمن، أوراقا سرية من ملف تلك الستينات، ويشرع في تكليمها هي وما خطَّ في المفكرة السوداء، أوراق الرواية التي بين أيدينا، ولا يجد بدا من القول: ‘مذ بدأت كتابة هذه الصفحات (177 من القطع المتوسط) وأنا أقول بأن هناك، بالذات، وسيلة لمكافحة النسيان. أن أذهب إلى بعض مناطق باريس، التي لم أزرها منذ ثلاثين أو أربعين سنة، وأن أقضي فيها ما بعد الزوال، كراصد. ربما ينبثق اللواتي واللائي تساءلت عن مصيرهم من زاوية زقاق، أو من عمارة…’ (138).8ـ هل نحتاج إلى القول، ورغم التسخير البوليسي لقضية بحجم ملف بن بركة، ـ وهي فعلا ذات بُعد وخطط بوليسية، حتى وهي جريمة دولة، نفذها شرطة ومجرمون مسخرون، ـ ورغم ‘اللا مبالاة’ المصطنعة، وبعدّة الفنية التشريحية لروائي محترف، عالي الطراز، ورغم تعدد ‘وجهات النظر’ وخلط الأوراق، وتداخل الواقعي بالإيحائي، الجهير بالضمني، وكذلك علما بأن موديانو معنيٌّ أساسا بمشروع تركيب زمن مستقل بالأمكنة وفي مطلق الأزمنة، لكي يحيا وينتصر على النسيان، ويبقى قابضا على حياة لا تكف تهرب من بين أصابع اليد الخمسة، بأقل كلفة من الكلمات؛ نقول إن هذا الروائي الفرنسي، كبير زمانه، ليقدم شهادة جديدة، ولمّاحة، ذكية، مُدينة وإنسانية، عن أخطر جريمة سياسية في ستينات فرنسا السياسية، وستينات المغرب المدلهمة، وزيارته لها روائيا، وإيلاؤه لها الجهد التوثيقي والتخييلي، لهو اعتبارٌ يشرف هذا الكاتب، والرواية الفرنسية، ويذكرنا بقيمة الأدب في موقع الشهادة، فكيف إذا جاءت على محمل فن رفيع. في الوقت الذي تفتقر فيه الرواية الغربية، والفرنسية خاصة، إلى مادة حيوية نابضة بالمجتمعي والوجودي معا، ونرى أغلب المحكيات والتخييلات سجينة الأنوية الضيقة، واستنساخ سير ذاتية بطرق ملتوية، بعد أن انهارت قيم الستينات وأحلام الستينيين، وتهافتت الشعارات الطبقية، ولا تجد الكاتبات تحديدا غير عُقدهن وهلوساتهن الجنسية المفتوحة، سبيلا للتنفيس، والتعويض عن كتابة خائبة، للاستهلاك السريع؛ في ظل هذا التراجع يمثل نص موديانو استعادة وعي فني ورؤيوي بقيمة الرواية وضرورة الأدب، كالتزام إنساني عظيم لا يعدم القضايا التي يمكن أن يدافع عنها . ومن نحو آخر، هو في قلب هذه الضرورة، يبقى دم المهدي بن بركة وكل الشهداء يستصرخنا، نحن الأدباء المغاربة والعرب جميعا، كي نلبي النداء.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية