الرواية المصرية بعد محفوظ تحفل بتنوع وتعدد أصوات لكن الواقع الثقافي المصري مقتول!سنطوي صفحة نجيب ونمضي

حجم الخط
0

الرواية المصرية بعد محفوظ تحفل بتنوع وتعدد أصوات لكن الواقع الثقافي المصري مقتول!سنطوي صفحة نجيب ونمضي

مصائر الرواية المصرية وافاقها بعد نجيب محفوظ غ4فالرواية المصرية بعد محفوظ تحفل بتنوع وتعدد أصوات لكن الواقع الثقافي المصري مقتول!سنطوي صفحة نجيب ونمضيالقاهرة ـ القدس العربي ـ من محمود قرني: وهو بصدد الحديث عن الخصائص النوعية للرواية، يقول الناقد ابراهيم فتحي في مقدمة كتابه نجيب محفوظ بين القصة القصيرة والرواية الملحمية : ان الأنواع الأدبية المكتملة وحدها ذات الحدود الخارجية النوعية كاملة التشكيل هي وحدها التي دخلت الأدب باعتباره كلا عضويا منظما علي نحو تراتبي، فالرواية لم تكتسب قط سمات نهائية تحددها كالأنواع الأخري مهما بذلت من محاولات لادماج كل أشكالها الفرعية الممكنة في تعريف تلفيقي واحد، لقد ظلت الرواية المصرية والرواية عند محفوظ نوعا أدبيا في طور التكوين لم تنغلق في نسق من الخصائص المميزة، بل ظلت شديدة المرونة والتفتح تدمج داخلها أنواعا فرعية أخري من شعر وحكاية ودراما بعد أن تهضمها وتعيد تشكيلها .الي هنا نتوقف أمام ما قاله الناقد ابراهيم فتحي الذي ينتهي الي هذه المقاربة التي تقطع بالنسبية المفاهيمية للرواية، حتي ونحن أمام اسطورة روائية لها طغيانها الساحر والأخاذ اسمها نجيب محفوظ.فالسؤال الذي تلوكه شفاه كثيرين من مثقفي وكتاب العالم الناطق بالعربية جهرا وعلي استحياء يخلص الي طريقة مسدودة بل مخيفة ومرعبة لأنه يقطع بأن نهاية الرحلة المحفوظية تعني نهاية الرواية، فعلي ما يحمله السؤال خلفه من ميراث ديني وسياسي ثقيل، الا أنه في الوقت نفسه يشير الي الأهمية القصوي التي رسختها الرواية المحفوظية، وذلك عبر تقاليد ظلت تتنامي في عديد من الاتجاهات طيلة ما يقرب من سبعين عاما ظل الرجل يقدم فيها تطوحات روائية شديدة التنوع لدرجة تستعصي علي الحصر.لكن ذلك لم يمنعنا من اخراج السؤال الي مساحة لائقة من العلنية، وان كنا لا نقطع أمامه بشيء، الا أن قبولنا ببقائه قيد السريرة سيعني أننا نوافق علي مصادرة المستقبل لصالح نجيب محفوظ، وهو تصور ـ بلا شك ـ كارثي وخطير يستتبع بالضرورة أن نتوجه لأنفسنا ولروائيينا من الخلف بالتوجه الي اعمال أكثر نفعا من كتابة الرواية.الي هذا الحد من الهزل يمكننا أن نتأمل خطورة السؤال، لذلك قررنا طرحه علي عدد غير قليل من روائيينا ونقادنا من أجيال مختلفة، ورغم التفاوت الواسع الوارد في مذاهب من تحدثوا الينا، الا أن ثمة اصرارا بقي ما بقيت الحياة علي أن تجاهل فعل الزمن يعني أننا أمام خطل كبير، فالزمن المحفوظي ذهب بغير رجعة، وأعقبته أزمنة أكدت لنا أن الصانع تحول بالمنجنيق الي قاذفة وأنه ـ الصانع ذاته ـ لم يترك مبضعه للعراء لكنه سهر علي رعايته فتحول الي شفرة ذكية تقرأ زمنها وهي مغمضة العينين، لذلك سعي من تحدثوا في هذا الاستطلاع الي كشف الفعل الزمني الذي فرض ـ بقوة الواقع ـ رواية مختلفة ومتجاوزة ومهمة. وهنا نص السؤال الذي وجهته القدس العربي للمتحدثين اليها: تشكلت الملامح الروائية للرواية العربية بعد محفوظ بما لا يدع مجالا للمنازعة في أهميتها الجمالية ومع ذلك يوجد بعض النقاد الذين يروجون لمقولة (موت الرواية بعد محفوظ).كيف تري الاضافات النوعية التي طرحتها رواية ما بعد محفوظ؟ وهل تشكل تلك الاضافات مرتكزا لانجاز رواية مختلفة؟ وما رأيك فيما يذهب اليه بعض النقاد بموت الرواية بعد محفوظ .كان هذا هو نص السؤال..وهنا ما قاله المتحدثون:سنطوي صفحة نجيب ونمضيعبدالحكيم حيدرقاص وروائيالسؤال نفسه سؤال مواريث وليس سؤالا في الكتابة، لأن الكتابة فرح عام، أنا لا أحب كتابة المواريث لأنها كتابة أبناء المسؤولين، ولكن يجب علي الأبناء أن يكونوا نجباء علي طريقتهم، أن يشقوا أرضهم بمحاريثهم، وأن يسنوا سهامهم بكد شقائهم، وألا يضربوا سهامهم فوق سهام أحد، الكتابة لا تعرف العبيد، ولكنها ابنة أحرار، والفضاء فيها متسع، ولا تنس أن نجيب محفوظ لم ينتقل طوال خمس وسبعين سنة، هي عمره الإبداعي من خارج اطار أربعة كيلو مترات مربعة من مساحة القاهرة الفاطمية باستثناء خطوات صغيرة علي استحياء في ميرامار و ثرثرة فوق النيل ثم عاد سريعا الي سردابه الأثير، سؤال غريب: الكتابة بعد نجيب محفوظ؟، ما مصير مصر بعد السد العالي مثلا؟، وما كان مصير مصر قبل السد العالي، الكتابة ضد السدود، الكتابة فضاء مفتوح، وأرواح مفتوحة علي هواء العالم وأرضه، ويغني فيها ولها، حتي التاريخ ليس ملكا لم يعبره في الكتب، كيف ننسي ذلك الذئب القاهري بامتياز وجمال أكثر من جمال القاهريين مائة مرة، غالب هلسا، ابن قري الأردن الذي حرث القاهرة وعري طبقاتها، رغم أنه كان ضيفا جميلا وخلاقا عليها، وكان يحرث في القاهرة، كتابة وفعلا سياسيا وجماليا، وهو بين ظهر ووجود نجيب محفوظ نفسه، كيف ننسي أن غالب هلسا صنع في وجود محفوظ مجدا غاليا في الكتابة ولم يلتفت اليه أحد إلا بعد مماته؟ من يقول ويسأل عن الكتابة بعد نجيب محفوظ هو بمثابة طامع في ميراث الأرامل، الكتابة لا تنتظر أحدا حتي يموت، الكتابة ورود تطلع في كل مكان وزمن ولا تأخذ تأشيرتها لا بوجود أحد ولا برحيل أحد، أنا لا أحب ميراث الأرامل في الكتابة، من يكتب كأنه يشق بطن حوت لأول مرة ينزل فيها البحر، ولأول مرة يري فيها الحوت، ولأول مرة يخاطر فيها بنفسه.الكاتب لا ينتظر موت أحد، الكاتب يفرح بموته هو، الكاتب شاهد علي نفسه، هو العالم، وهو الحقيقة ان امتلك ناصيتها أو حاول، لا أحب ميراث العبيد، قد تكون أمي مارغريت دوراس، وقد تكون خالتي فرجينيا وولف، لا أحب التماحك في الأكفان، نجيب كان مع نجيب، وهو الوحيد الذي كان يجيد الضحك مع نفسه علي من يحاولون أن يتبركوا بمقامه أو يحملوا الخشبة. نجيب كان درويشا جميلا، ونقش حروفه علي فضة الأواني في القاهرة القديمة، يحاول الأرامل الآن امتلاك أواني الفضة فجأة يجدون الأواني ممسوحة من الكتابة، لأن نجيبا لم ينقش عليها الكتابة بإزميل، نجيب كان درويشا موهوبا، نجيب كان ينقش بالماء علي الفضة، فيصير لون الماء ذهبيا في الأخيلة. الأرامل الصغار ليس عندهم ذلك العطر المخلوط بالماء، الذي يحول النقش المائي علي الفضة الي حروف مذهبة تأخذ بالروح، محفوظ درويش رقص بعصاته الساحرة في أربعة كيلو مترات من القاهرة الفاطمية، رقصها بصدق لأنه كان يريد ان يرقص، لا أن يكتب، نجيب راقص بالكتابة، ولاعب بالكتابة، ومحترف بالكتابة، وهاو بالكتابة، وأصيل بالكتابة، وليس من رقص كمن يحاول أن يقلد الرقص، وليس من أحب كمن يحاول أن يتمثل الحب، وليس كل من ولد بشيراز يمكن أن يكون شيرازياً . نجيب راقص، ومن يقرأ الحرافيش يحس كم تمني ذلك القاهري العجوز أن يكون راقصا ولكن نجيب رقص بالكلمات بوقا في أربعة كيلو مترات، فهال من تحت التراب ما كان تحته من عطر، وفضة وذهب ودموع وحروف، أحب حتي الجدي الصغير ان خطف عود حشيش من طبق عيش، أحب الجدي أن يخطف عود الحشيش من الزرع، علي الكاتب ألا ينظر الي نجيب محفوظ عليه أن يطويه ويمشي، القاهرة بعد نجيب محفوظ لم تعد القاهرة كما كانت علي يديه، نجيب كان يؤسطر لمكان ويغلقه لحساب روحه لأنه أحبه وذاب فيه، نحن مجرد أولاد نمشي في المكان لا نسمع امرأة تكية، في الليل تغني، ولا نشم العطر، نحن نمشي ونشرب عصير القصب، نجيب شرب خمرة المكان معتقة، نحن نتأمل الزجاجات وهي فارغة مع الزبال، أو عندما يجمعها الزبال من الصناديق ويغسلها في باب الشعرية، نجيب عشق، ونحن نحاول ان نتفقد عرق عشاق ماتوا بعدما دهنوا الحوائط، أو بعدما هدموا البيوت ولكنهم أناس من الهند أو الصين، علي الكاتب ألا يلم زبالة غيره، وألا يلم دموع غيره، وعلي الكاتب أن ينظر الي ما تحت قدميه ويبكي، علي شجرة تنادي عليه.لا أحب مواريث الأرامل في الكتابة، وخاصة ان ازدانت بأوسمة كالجوائز، نوبل، إلخ، الكتابة حلم جميل وشارد لواحد حيران يبحث عن بقايا معني، ونجيب رمي معانيه في كتبه.نجيب رقص، وعلينا أن نرقص ما يحلو لنا، نرقص في مدننا الصغيرة الكئيبة كما فعل يحيي الطاهر عبدالله، وكما رقص عبدالحكيم قاسم وكما يتوجع بصوفية ممزق شارد محمد حافظ رجب. علي الكاتب أن يبحث عن ظله هو، لا ظل أبيه، ولا ظل أمه، ولا ظل نبي، علي الكاتب أن يسجد سجدته هو ويملي علي نفسه، وعلي هواه ما يريد، فماذا يريد الكاتب من الدنيا علما بأن الكتابة ما هي إلا وطنه وخندقه.في الكتابة وطن نعرف أكاذيبه قد يكون في حجم المقهي وقد يكون في حجم تذكرة السفر وقد يكون في حجم السفارة التي نتردد عليها كي يترجموا لنا كتابا، أو يمنحونا تذكرة سفر، لكن المهم أن نكون من الصادقين في عرض نوايانا، ولا نلعب علي حبلين، حبل الليل وحبل النهار.يجب أن نلعب علي حبل واحد حتي نموت.كان نجيب لا يلعب إلا علي حبل واحد ولا يلعب إلا في المكان الذي يحبه، اختاره مبكرا وبصدق ودون ضغط، نحن تضغط علينا كل الجهات وفي الصباح ننفتح بالوهم، ونحكم العدسات علي عيوننا كي نداري ما سرقناه، كي نداري المذلة، نجيب ربّي نفسه، لم يربه الحزب، ولم تربه المؤسسة ولم يربه الوهم، ولم تربه الكتب، قلب نجيب ربّي نجيب، ولم يحمله سفارة ولا ترجمة ولا وزرة ولا يسار ولا يمين، رب نفسه وسط الجميع وضحك علي الجميع بذكاء قلب نادر، لأنه كان مخلصا لما سوف يقوله وعلينا أن نكون مخلصين، ولكن الاخلاص ـ للأسف ـ لا يباع ولا يشتري، حتي ولو حاولت أرملة حسنة النية، فما بالك بالكتابة؟!.العقوق الجميل لأبناء الجبلاوينائل الطوخيقاص وروائي بعد نجيب محفوظ لم يثر الضجيج في الرواية المصرية إلا جيلان، الستينيات والتسعينيات، وعلي قدر ما حافظ الأول علي علاقة هشة مع محفوظ ومع كتابته علي قدر ما حاول الثاني قطع العلاقات بقوة، في النهاية، لم يبق مما يحمله الستينيون أو التسعينيون من اعجاب للرجل إلا وكان نابعا من النوستالجيا، الحنين لليبرالي الأخير الذي لم تلوثه الثورة، والنظر الي كتابته المبكرة كأنها نوع من كتابة انقرضت، وعدم التعاطف التام مع كتابته المتأخرة في نفس الوقت. برغم هذا لا يمكننا إلا أن نلمح في روايات الستينيات جذورا محفوظية واضحة، ولا يتعلق الأمر بتقسيم ساذج للروايات الي تاريخية وسياسية واجتماعية وانما يتعلق الأمر بحيل كتابية بدأ استخدامها ثم طورها من جاؤوا بعده، فقبله لم نشهد لتيار الوعي وجودا في أدبنا العربي، والآن يستخدمه الكثيرون ويصبح حيلة شائعة في الكتابة، وفي مجموعاته القصصية بدأ طريق العبث والذي استطاع صنع الله إبراهيم فيما بعد تطويره ليصبح سخرية ومحاكاة ساخرة لخطاب السلطة غير المعقول. بدأ محفوظ الرواية الفلسفية حيث أبطاله يبحثون عن المطلق مثل الله والحقيقة، لينمو هذا البحث في طريق الايمان المطلق بالأيديولوجيا عند فريق من الستينيين، وعند فريق آخر تفتت هذا البحث الي لحظات متناهية الصغر مثلما في كتابة إبراهيم أصلان حيث يحاول الرجل جهده ألا يسقط كوب الشاي منه في رواية وردية ليل مثلا وتدور حوارات فلسفية عبثية تماما بين أبطاله، أو يتطور حتي الي نفس البحث عن قيم أخري مشابهة مثل العدالة والحرية في مواجهة قيم قمعية مباشرة تقدمها السلطة كما في الزيني بركات أو في مواجهة شبكة أخطبوطية تدمر روح الانسان مثلما في حكايات المؤسسة لجمال الغيطاني.بمفهوم ما بدأ نجيب جنس الرواية وطوره ايضا. قبله لم يكن ثمة وجود للرواية بمعناها الفعلي، وكأنه لم يكتف بهذا بل استطاع التمرد علي نفسه عدة مرات، من الرواية التاريخية الي الاجتماعية الي الفلسفية، في كل هذا كان يتجه أكثر نحو داخل الانسان انتهاء بالأحلام داخل الداخل، ويقوم بمسيرة أخري. تبدأ الثلاثية بنفس رائق ليصف كل سكنة وكل لمحة في حياة أبطاله لتنتهي راكضة لاهثة، لتلاحق تطورات وانهيارات العائلة المصرية، ما بين الطريقين كان نجيب يصل بالرواية الي ذروته الخاصة، ولا يتقدم فيها، يضع دمه فقط علي أولها، ليترك الطريق لأبنائه وأحفاده فيواصلون. مثلا، لم يول اهتماما بالتفاصيل كعنصر بصري مثلما يفعل الكتاب الشباب الآن للتقريب بين عالم الرواية وعالم السينما، وانما اهتم بالتفاصيل من ناحية اخري، من ناحية أن أي أدب واقعي يجب أن يصف كل شيء. كل شيء ينبغي أن يكون مبررا، ولا مجال هنا للسهو، وفي مراحل تطوره اللاحقة سيبدأ نجيب في اهمال التفاصيل، سنجد زمن الباقي من الزمن ساعة أو حديث الصباح والمساء يسير لاهثا كما هو الزمن في ملفات الأرشيف بحيث يبدو أنه لا يخلق حياداً وانما سيراً ذاتية للبشر فحسب، هنا سيبدو أن الطريق الذي اختاره كان علي عكس طريق أبنائه تماما.ستتطور الرواية بعد نجيب، وهذه حقيقة من حقائق الزمن للأسف، لن يقف الزمن علي نجيب ولن تنتهي الرواية بموته مثلما حيت بحياته ولكن مع تحفظ بسيط لن تكون هي الرواية النجيبية بحال، ستختفي التشابهات بينها وبين روايات نجيب محفوظ الي حد أن يكون معذورا من يتصور أن جنس الرواية قد يختفي، من يتصور مثلا ان الرواية التي يكتبها مصطفي ذكري أو مي التلمساني قريبة بشكل من الأشكال الي زقاق المدق؟ هنا علي الأب الأكبر أن يسلم بعقوق أبنائه الجميل، وألا يحرمهم من اسمه في نفس الوقت، من اسم الرواية التي يكتبون في اطارها، تطورات كثيرة مرت بها الرواية المصرية والعربية، تطورات أدت بها الي أن تنكر أفرعها أصلها كما يتنكر أصلها من تفرعاتها المختلفة، قد يكون واجبا أخلاقيا أن نقول بأن الرواية العربية لن تموت بموت نجيب، واجبا في مقابل من تحركهم العقلية الأبوية في أقصي تجلياتها قسوة ليقولوا بأن الأب لم ينجب، وأنه بموته سينتهي عالمه عليه، فحتي الجبلاوي في رواية محفوظ أولاد حارتنا ، والتي فتحت الباب بعد ذلك للرواية الرمزية ولاستيحاء التراث المقدس مع نظرة علمانية كأساس للكتابة حتي الجبلاوي مات لتبدأ الرواية بموته وبحياة عرفت بدايته الحقيقية.الرواية ما بعد نجيب محفوظثراء وتنوع غير محصوريند، محمد السيد إسماعيلشاعر وناقد من البداهة أننا لا نعني الرواية ما بعد وفاة نجيب محفوظ، لكننا نعني الرواية التي حاولت الخروج علي تقاليد الكتابة عند نجيب محفوظ أو حاولت الاختلاف والمغايرة عما تم تسييده من أشكال، لكن الأمر سوف يظل مشكلا وذلك لأن نجيب محفوظ كان دائم التجريب ولم يتوقف عند مرحلة إبداعية واحدة بدءا من الرواية التاريخية مرورا بالرواية الاجتماعية وما يسمي برواية الأجيال والرواية النفسية ورواية الواقعية الجديدة ثم العودة الي تجريب بعض الأشكال التراثية. عالم شديد التركيب والثراء، لهذا فأنا أقترح أن يكون الحديث متجها الي معرفة طبيعة الكتابة عند الأجيال اللاحقة بصورة اجمالية بغض النظر عن بعض التقاطعات التي قد تحدث ـ هذا طبيعي ـ مع بعض أشكال الكتابة عند نجيب محفوظ.وفي هذا السياق يمكن القول ان ما اصطلح علي تسميته بجيل الستينيات هو أول تجمع إبداعي مغاير لشكل الكتابة السائدة في هذه المحلة ـ وهو أمر متوقع ليس فقط بسبب للدافع الابداعي الي المغايرة بل بسبب اختلاف التكوينات الفكرية، فنجيب محفوظ هو ـ أولا وآخرا ـ ابن ليبرالية الثلاثينيات والأربعينيات وظلت أزمته مع المرحلة الناصرية والساداتية راجعة في الأساس الي عجز هذه الأنظمة عن تحقيق الليبرالية والتي لم يرها محفوظ مناهضة للبعد الاجتماعي الذي نادت به الاشتراكية أو غيرها، بينما كان كتاب الستينيات أبناء المرحلة الناصرية بتوجهاتها الاشتراكية والقومية وكانت أزمتهم ـ في المرحلة الناصرية ـ راجعة الي زيف الشعار ومناقضته للتعينات الواقعية أو العجز عن الوفاء بالطموحات الكبيرة التي أطلقتها الثورة، ثم أصبح هذا التناقض جذريا مع توجهات مرحلة السبعينيات لهذا لم يكن غريبا أن يهاجر بعضهم ويتوقف البعض عن الكتابة، وبدا جيل الستينيات كما لو كان راغبا في التمرد علي كل ما هو سائد علي مستوي المقولات السياسية الفوقية أو الاشكال الابداعية المستقرة.أما الاختلاف الثاني فيتصل بالعلاقة مع الرواية الغربية، ولا يمكن الجدال حول اتصال محفوظ القوي بأحدث أشكال الكتابة الروائية الغربية، لكنه كان شديد الحذر في تبني مقولاتها ففي الوقت الذي كان يكتب فيه الرواية الواقعية كان علي معرفة جيدة بتنظيرات فرجينيا وولف وغرين وبوتور، اما جيل الستينيات فقد كان اكثر جرأة في تبني بعض هذه التنظيرات ومحاولة تجريبها في الرواية المصرية.كان نجيب محفوظ يؤسس لتقاليد الفن الروائي وهذا لم يكن غريبا ـ كما صرح في بعض اللقاءات ـ ان يتعامل معها بمنطق الصحة والخطأ كما لو كانت قواعد نحوية في حين كان التراث الروائي السابق لجيل الستينيات حافزا لهم لمحاولات التجريب والمغايرة.والحق أنني لا أريد أن أقسم جيل الستينيات الي تيارات أدبية كما فعل بعض النقاد وذلك لأن الأدب العربي عموما لم يعرف المذهبية الخالصة، ولأن حداثته كانت بتعبيرات د. محمد فتوح أحمد ـ من منظور اصطفائي ـ تقوم علي الاختيار والاصطفاء دون الالتزام المذهبي الكامل، بهذا المنطق سوف نجد تأثيرات العديد من المذاهب والكتاب التي يمكن ملاحظتها عند كتابنا، وأنا لا أري في ذلك ما يقلل من قيمة الابداع المصري أو يهدد خصوصيته، لأن ذلك قانون عام يحكم الآداب كلها، فلا يوجد أدب يستطيع النمو والتفاعل دون تبادل التأثير مع الآداب الأخري.إذا كان الايقاع هو القضية الأساس التي دارت حولها أغلب المعارك النقدية حول الشعر فان اللغة ـ في تصوري ـ هي القضية الأهم التي ظلت مطروحة عند الحديث عن الرواية العربية عموما، وكان حل محفوظ حلا توفيقيا، ولا يعني هذا إخفاق هذا الحل بطبيعة الحال، فقد رأي محفوظ امكانية استخدام أدني مستويات الفصحي الي اللهجة العامية، لكن موقف كتاب الستينيات كان جذريا في هذه القضية حيث لم يروا فارقا قيميا أو جماليا بين الفصحي والعامية وتم توظيفهما علي مستوي السرد والحوار، بل وكتابة روايات كاملة باللهجة العامية، وأنا أعرف ان هذه الثنائية مضللة في حقيقة الأمر، لأن مستويات اللغة وطبيعتها تتجاوز هذه الثنائية المبدئية، وفي هذا السياق أعتقد ان بعض كتاب الستينيات قد استخدموا لغة صادمة حقا تقترب مما يمكن تسميته بجماليات القبح، ولعلنا لا نزال نتذكر ما أثارته رواية اللجنة لصنع الله إبراهيم من مناقشات تتصل بلغتها الفجة بمقاييس ما هو سائد، لغة تتعمد الركاكة والبدائية، لغة متقشفة لا تعني بأدبيتها بل تلفظها علي الدوام حتي تظل عارية مكشوفة بقسوة أمام القارئ، وكانت مبررات هذا التوجه تتلخص في هذا السؤال الاستنكاري كيف تتأنق اللغة في واقع قبيح؟ .وفي مقابل هذا نجد شكلا آخر يتجه الي التراث مستعيرا أحداثه وشخصياته ولغته كما نري في كتابات جمال الغيطاني وهو أمر يختلف عن عودة محفوظ الي التراث في بعض رواياته في أمر أساسي وهي استعارة الغيطاني للغة ذاتها رغبة في تأصيل فن روائي عربي له خصائصه الفارقة.لو استعرنا مصطلح البريختية من المسرح لأمكن القول اننا ـ مع جيل الستينيات ـ أمام ما يمكن تسميته بالبريختية الروائية، وأعني بذلك ضرب إيهام توحد القاريء مع النص كما لو كان أحداثا حقيقية، وذلك من خلال الإشارة الصريحة الي روائية النص والإشارة الي توقعات القاريء وآراء النقاد والسخرية منها، هناك كشف لآليات ممارسة اللعبة الأدبية وأطرافها بغرض إثارة الوعي وتحريضه بدلاً عن الإثارة العاطفية.ان ما أقوله الآن يلحظ جانبا من جوانب المشهد فلا شك أن هناك جوانب أخري ربما تكون مناقضة لما سبق ومن ذلك محاولات توظيف الأسطورة أو التفكير بها وأسطرة الشخصيات والأحداث وهو أمر يختلف عن توظيف الرمز الذي غالبا ما كان تاريخيا عند نجيب محفوظ.اجتهد النقاد كثيرا في محاولة الربط بين نجيب محفوظ وبعض أبطاله خاصة كمال عبدالجواد وليس غريبا أن نجد بعض وجوه التشابه بينهما، لكننا مع الرواية ما بعد المحفوظية نجد ـ في الكثير من الأعمال ـ تطابقا بين الكاتب والشخصية الرئيسية في الرواية واستخدام ضمير المتكلم وكأننا أمام تاريخ شخصي للكاتب وأغلب روايات صنع الله إبراهيم تكاد تكون تصويرا لتجربته ما بعد السجن بل ربما كانت تجربته هذه أحد دوافعه الي الكتابة الروائية وهي ظاهرة تشمل العديد من كتاب الستينيات.الاضافات والتنويعات التي تزامنت مع كتابات محفوظ كثيرة وليس من الطبيعي التقليل من فاعليتها وتأثيرها وقيمتها، وما قدمته ليس إلا ملاحظات سريعة تشير الي حالات المغايرة والاختلاف لكنها في حاجة ـ فعلية ـ لتفصيلات أكثر توضيحا كما نحتاج النقلة الأخري في رواية التسعينيات ووقفة ثانية، وكل ذلك يعود الي الثراء الذي حدث في الرواية المصرية والذي يرجع ـ في أهم جوانبه ـ الي ابداعات نجيب محفوظ.الرواية لم تمت، الواقعالثقافي هو الميت الحقيقيد. حامد أبو أحمدناقد كثر الكلام عن انتهاء أو موت الرواية بعد نجيب محفوظ، ولا أدري كيف يثار هذا الكلام الآن ولدينا قامات روائية راسخة من أمثال صنع الله إبراهيم، وخيري شلبي، وبهاء طاهر، وإدوار الخراط، والأجيال من بعدهم مثل إبراهيم عبدالمجيد، وسلوي بكر، ويوسف أبو رية، وإدريس علي، وخيري عبد الجواد وغيرهم، أجيال مختلفة، وكتاب أحرزوا نجاحات مشهودة، وما زال الطريق ممتدا أمامهم. من المفارقات العجيبة انه في هذا الوقت الذي تعاني فيه الثقافة من أشد المضايقات فإن عدد كتاب الرواية والقصة يزداد يوما بعد يوم في حالة من التجويد تدل علي أن هناك استيعابا واعيا لأعمال الأجيال السابقة من الرواد الي جيل نجيب محفوظ والجيل الذي أتي بعده، وهو الجيل المعاصر ليوسف ادريس، والذي مثل الحلقة المفقودة في القصة القصيرة كما درس ذلك بحق المرحوم الدكتور سيد حامد النساج، ولعل الأوضاع المتردية عندنا في مجال الثقافة هي المسؤولة عن الإحساس السائد بأن الرواية قد ماتت بعد موت نجيب محفوظ، والناس تنسي دائما أن نجيب محفوظ ينسب لمرحلة سابقة تسيدت خلالها الثقافة، وكان الكتاب والأدباء يمثلون بحق النجوم الحقيقيين في المجتمع. الآن تراجعت الثقافة ولم يعد للمثقفين وجود في أجهزة الاعلام الأرضية والفضائية لأن هذه الأجهزة مشغولة بالعبث والتفاهة، ولو أن نجيب محفوظ تأخر ظهوره لعاني هو الآخر من التجاهل والنسيان مثلما نتجاهل جميعا الآن الأربعة الذين ذكرتهم في بداية هذا الكلام.ان صنع الله إبراهيم ليس روائيا كبيرا فقط، ولكنه أيضا إنسان صاحب رؤية وصاحب موقف، ولو أن الموقف الذي اتخذه منذ سنوات، برفض جائزة الرواية التي قدمتها له وزارة الثقافة، وقع في مكان آخر من العالم لكان لهذا الأديب شأن آخر، لكن الشيء الطبيعي جدا في بلادنا هو أن يسدل الستار علي صنع الله إبراهيم، لأنه ارتكب ذنبا لا يمكن اغتفاره وهو رفض عطية الحاكم، إذن فلتنحسر عنه الأضواء ليظل دائما طي النسيان، لكنهم بالطبع مهما فعلوا لن يستطيعوا أن يمحوا من الذاكرة صورة كاتب كانت أعماله مرتبطة دائما بالقضايا الكبري الساخنة التي عاشتها مجتمعاتنا. لقد كتب صنع الله روايته الأولي تلك الرائحة في وقت كان الانسان المصري يعاني فيه أشد المعاناة، من التعذيب والسجون والمعتقلات والقهر الجسدي والنفسي، ولهذا انعكست كل هذه الانحرافات الطاحنة في أحداث هذه الرواية. جاءت بعد ذلك اللجنة ثم بيروت ، بيروت التي عبرت عن مآسي الحرب الأهلية في لبنان، وصنوف القهر والاستبداد والتخلف في كل أنحاء العالم العربي، وتولت الأعمال حتي وصلنا الي شرف وهي تجربة حية لما يجري في السجون والمعتقلات، ثم أمريكا نلي التي تكشف عن بعض ما يجري في المجتمع الأمريكي في سياق حالة من التأمل حول أوضاع الهيمنة الأمريكية علي مصائر العالم ومقدراته. كل هذه الأعمال المهمة لكاتب واحد ونقول ان الرواية ماتت بعد نجيب محفوظ!وننتقل الي خيري شلبي، وهو في رأيي واحد من أعظم الحكائين في القرن العشرين، وأنا حقيقة أندهش عندما أقرأ أعماله وأجد كل هذه التلقائية والسلاسة في الحكي، وكأننا أمام راوية شعبي عنده جراب واسع مملوء بالحكايات التي لا تنفد، ومما يميز خيري شلبي أنه بحسه الشعبي المرهف، ومعرفته الحميمة بصنوف شتي من البشر استطاع أن يضع يده علي كل السلبيات التي يعاني منها مجتمعنا، وهو يملك القدرة علي التنبؤ، وإلا فقل لي كيف يكتب في نهاية السبعينيات رواية الشطار وكنا آنذاك في بداية عصر الانفتاح، ومثلما تنبأ نجيب محفوظ في قصته المشهورة الحب فوق هضبة الهرم بمآسي الانفتاح وآثاره المدمرة علي المجتمع، تنبأ خيري شلبي في الشطار بما هو أكثر من ذلك وقد استطاع ان يلتقط بحصافة وألمعية كل المسالب التي عرضها علينا من خلال شخصيات الرواية: البتعة، وكحكوح، والكلب الذي يسرد لنا الأحداث وهي تقنية غريبة تجعل الرواية واحدة من روايات الواقعية السحرية.أما رواية وكالة عطية فهي رواية لا مثيل لها في أحداثها وشخصياتها وكلهم من أدني درجات السلم الاجتماعي، وكل عمل من أعمال خيري شلبي يأتي مختلفا عن الأعمال الأخري، وهذه خصوصية مهمة تجعل هذا الكاتب واحدا من أهم الكتاب في أدبنا المعاصر. فكيف نقول إذن إن الرواية ماتت بعد موت نجيب محفوظ؟!ونأتي إلي بهاء طاهر لنجد أن أعماله القصصية والروائية قد حفرت بعمق في أدبنا المعاصر، فمن يمكنه أن ينسي الخطوبة و بالأمس حلمت بك و أنا الملك جئت و شرق النخيل و قالت ضحي و خالتي صفية والدير و الحب في المنفي وغيرها، أعمال مهمة ومؤثرة وما زال بهاء طاهر يواصل الإبداع، وهو ايضا من الكتاب اصحاب المواقف.أما إدوار الخراط فأعماله الكثيرة تدل عليه، ولو لم يكن لهذا الكاتب إلا روايته المشهورة رامة والتنين لكفي بها رواية تضعه في مصاف كبار الكتاب العالميين، لكن أعماله كثيرة وفي غاية الأهمية: حيطان عالية و الزمن الآخر و أضلاع الصحراء و صخور السماء و طريق النسر وغيرها وغيرها.لكل هذا لا ينبغي أن نقول ان الرواية قد ماتت بعد نجيب محفوظ لأن الشعوب التي ليس فيها إلا كاتب واحد عبقري شعوب لا تستحق الحياة، وعلي النقد أن يمارس دوره المألوف في تقريب أعمال هؤلاء الكتاب الكبار الي القراء، ولكن ماذا نفعل إذا كانت الساحة شبه خالية من القراء؟ وهذه هي أزمتنا المتواصلة التي ليس لها حلول، ولهذا نلجأ دائما إلي الأساليب المريحة فنريح ونستريح وكفي الله الناس شر الجهد والتعب!.لا، للأقوال المرسلةفهي ضد التنوعمحمد إبراهيم طهقاص وروائي تختلف رواية نجيب محفوظ، الشكل والخصائص الأسلوبية والبنائية المميزة، والعالم الروائي، ووجهة نظر الروائي إليه، عن رواية ما بعد نجيب محفوظ لكنه يجب الاعتراف بداية بأن المشترك بين روايات نجيب محفوظ، في مراحله المختلفة ـ ورواية ما بعد محفوظ ـ أكبر بكثير من المختلف عليه، لأن الجميع يكتبون تحت سقف نوع أدبي واحد له أصوله وقوانينه، ولأن هذه الفترة من عمر الرواية المصرية وإن حملت مبررات الاختلاف إلا أنها لم تشهد ـ بعد ـ المبرر الكافي لأن يصل الاختلاف في الكتابة الروائية الي حد القطيعة مع رواية نجيب محفوظ.ولا يمكن ارجاع أي تطور في شكل أو مضمون الكتابة الروائية بعد نجيب محفوظ الي براعة الكتاب الروائيين، وإهمال المتغيرات الخارجية، مثل دخول أنواع جديدة من الوسائط في منافسة مع الرواية، كالسينما والدراما التليفزيونية والفيديو كليب وتقارير الاخبار والتحولات السياسية من الاحتلال الانكليزي ونزعات التحرر والاستقلال الوطني الي انحسار المد القومي وسقوط الشيوعية ثم ظهور العولمة والقطبية الواحدة في التسعينيات كما انه لا يمكن اهمال التقلبات التي اصابت الطبقات الاجتماعية بالخلل وغيرت مفاهيمها الاخلاقية والقيمية، كما أن الكلام عن رواية ما بعد نجيب محفوظ يظل مشوبا بالنقص لأننا إزاء جيلين أو أكثر، فريق اكتملت تجربته ووضع الكثير من أعضائه أقلامهم أو أوشكوا ،اصبحت من ثم تجاربهم مقروءة بشكل جيد، وجيل لم تكتمل مشاريعه الإبداعية بعد وإن اتضحت بعض ملامحه وسماته.يجد المتابع للمشهد الروائي المصري أن جيل الستينيات ـ علي سبيل المثال ـ قد جاب بالرواية مناطق جديدة بعد نجيب محفوظ فتوغلت في التراث والتاريخ الاسلامي والمملوكي عند جمال الغيطاني، وارتبطت بالحكي الشعبي عند خيري شلبي والتحولات السياسية والاجتماعية والاهتمام بالطبقات الدنيا عند يوسف القعيد وعبدالحكيم قاسم، والتورط في الهم السياسي والقومي عند بهاء طاهر وصنع الله إبراهيم، والسعي خلف المكان وجعله بطلا عند محمد جبريل وإبراهيم عبدالمجيد، وإن كان إجمال الكلام عن جيل الستينيات بهذا الشكل فيه خلل واضح، كما لا يخطيء المتابع لرواية الستينيات خروجها من عباءة نجيب محفوظ ـ تبتعد الملامح عنه وتقترب من كاتب إلي آخر ـ إلا انه لا ينكر أحد دور هذا الجيل البارز في تطوير الرواية العربية.أما جيل الشباب فان العامل الزمني الذي يفصل بينهم وبين نجيب محفوظ سيترك أثره، كون معظمهم لم يلتقِ بالرجل ولم تربطهم به علاقة صداقة، غير القراءة طبعا، ومن ثم سيكون منطقيا ان تتلاشي ملامح التشابه، وقد كان نجيب محفوظ أحد الروافد الأساسية التي كونت ذاكرتهم الروائية لكنه لم يكن الأوحد فقد كان هناك يوسف ادريس والطيب صالح وماركيز وتشيكوف وكتاب جيل الستينيات المصري. ولذلك فان اسهامات جيل الشباب تشكل نقلة نوعية اخري أبعد من التي أضافها جيل الستينيات ذلك أنهم يبدون أكثر إخلاصا ودأبا في كتابة الرواية من آبائهم، فليس لديهم أحلام سياسية، وقد انهارت القطبية وجاءت العولمة بقيمها الجديدة وصار احتفالهم بالأشياء الصغيرة والانسانية يتصدر كل ما هو أيديولوجي وتركوا الأمور معلقة إما لأنهم لا يملكون الكلمة الأخيرة أو لأنهم لا يفرضون رأيهم علي قاريء لم يعد يقبل بوصاية عليه، كما أنهم يركضون خلف تقنيات مستحدثة في الكتابة ويقدمون البيئات الصحراوية بمجتمعاتها النائية والمعزولة والمهمشة، كما أن رواياتهم تقتحم التابوهات وتقدم المسكوت عنه بشكل يوشك أن يجعل الاختلاف عن رواية نجيب محفوظ شرطا لهذه الرواية. رواية الستينيات خرجت من معطف نجيب محفوظ وبرغم ما أضافته للرواية، فإن رواية التسعينيات أقل إخلاصا للجيلين السابقين، وبخاصة جيل نجيب محفوظ، بحيث صار الاختلاف كبيرا والبون شاسعا، فلم يعد يقبل أحد في هذا الجيل أن يكتب بأسلوب ولا برؤية نجيب محفوظ.وقد حاول كل أديب ـ وإن لم تكتمل تجربة الكثيرين منهم بشكل حقيقي جعل الحكم عليهم صحيحا ـ ان يبحث عن موطيء قدم ومنطقة تميزه، فأحمد أبو خنيجر يكتب عن البيئة الصحراوية والجنوبية، وأبو جليل يكتب عن العشوائيات ونجوي شعبان عن المحصول الثقافي والتاريخي وميرال الطحاوي عن الجزء الأثير من الحكايات الرقيقة عن البداوة والتصحر والمدنية وأمنية زيدان عن مدن الحرب والتهجير وعلاء الأسواني عن الحراك الاجتماعي. لا توجد رواية بعد نجيب محفوظ لم أقرأ مقولة بهذا المعني، لكنني لا أستبعد ورودها من أناس تربت ذائقتهم علي نوع أدبي معين، وإذا وجدت فهي ـ بلا شك ـ قول مرسل، يفتقر الي الموضوعية ويتعارض مع قوانين التطور، والحياة والتاريخ، فضلا عن انها تنطلق من رؤية ضيقة تفض التنوع والاختلاف والتجاور في ذات الوقت كعلامة للثراء وتعادي التطور الطبيعي للنوع الأدبي.محفوظ مات قبل موته المعلنرفقي بدويقاص وروائي أعتقد أن الرواية تطورت بشدة بعد نجيب محفوظ، فقد توقفت روايته عند فترة، تجلت فيها رؤيته السياسية والاجتماعية، حتي فترة السبعينيات، وكذلك الخمسينيات والستينيات، فهو ينتمي الي رؤية الوفد، لكن الرواية بعده تطورت من حيث تقنيات التشكيل الفني وتحولت الي نماذج روائية جديدة علي مستوي الوطن العربي، فلدينا الطيب صالح وابراهيم الكوني، وابراهيم الفقيه، عبدالرحمن منيف، وفي مصر توجد أسماء مهمة مثل بهاء طاهر، وفتحي غانم الذي ظلم كثيرا، وهناك كتابات متجاوزة لدي جيل السبعينيات وما بعده والتشكيل الروائي استمر ولم ينقطع، ولا أعرف لماذا نقع في تمجيد وتأليه الروائي الواحد الشاعر الواحد والزعيم الواحد الخ.ونجيب محفوظ لم ينته بموته بل توقفت تجربته قبل موته بأكثر من عشر سنوات وهذا لا يقلل من شأنه ككاتب كبير، ولو رجعنا للوراء منذ ان كان يجلس في مقهي ريش كان مستمعا جيدا للكتاب الشبان في ذلك الوقت، ويستمع لتجاربهم في الحياة والكتابة والسجون، وكان لا يوجه الأجيال، بل كان يستمع بشكل جاد مستفيدا بهذه التجارب التي لم يمارسها بالفعل لأنه كان يفتقد الرؤية السياسية، ولم يتخاصم مع أي نظام، وفي تصوري أن القامات الروائية لم تنقطع بعد محفوظ، وهناك روائيون كتبوا رواية واحدة وتعتبر صاحبة انجاز مثل سعد مكاوي بروايته السائرون نياما .0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية