الرواية الواقعية وتشكيل الزمن والمكان في «النسيم والهجير»

علي عبد الظاهر
حجم الخط
0

أثبتت الرواية الواقعية أنها الاتجاه الجمالي الأكثر ديمومة وانفتاحا على التجدد والتطور، طوال ما يزيد على ثلاثة قرون من تاريخها الحافل. قابلية هذه الرواية للتطور من داخل فضائها السردي والحكائي بنية وتقنيات ومنظورا سرديا، هو الذي منحها هذه القدرة على الاستمرارية والتجدد، فقد ظلت تواصل حضورها في المشهد الروائي العالمي، نظرا لغنى الواقع وتعدد أشكال تمثله سرديا وجماليا، في إطار هذه العلاقة التي يتبادل فيها الواقعي والمتخيل إثراء هذه التجربة وأشكال مقاربتها..هذه الشخصيات الورقية استطاعت أن تترك أثرها العميق في وجدان المتلقي، الذي وجد فيها شيئا من ذاته، أو ذوات من هم حوله، إضافة إلى متعة السرد وقدرته على تحقيق فتنته. تحيل الرواية الواقعية على الواقع، فمخيلة الروائي ولغته وقدرته على تنويع وتطوير أساليب السرد وأشكاله هي التي تجعل الكتابة رواية، بوصفها أشكالا مختلفة من الوعي الاجتماعي والثقافي، إذ تعيد تمثيل الواقع جماليا، وفقا لرؤية الكاتب وطبيعة وعيه وغنى تجربته. أما عن الرواية التي بين أيدينا للروائي مصطفى عطية فإننا نصنفها رواية واقعية كتبت بما يشبه السيرة الذاتية لبطلة القصة. العنوان عتبة النص، وفاتحته نحو الدلالات والتخييل، فهو آخر ما يكتبه الكاتب وأول ما يتلقفه المتلقي وكأنه همزة وصل بين القارئ والمبدع، وإذا كان العنوان هو المبتدأ فالعمل الأدبي هو الخبر ولا بد للعنوان من دلالة تشير إلى موضوع العمل المكتوب، وهو هنا دال يبحث عن مدلول.

إن التوقعات التي يتنبؤ بها القارئ بمجرد النظر إلى العنوان، وقبل البدء بالقراءة، تصير أحكاما بعد عملية القراءة، فإما أن تصدق توقعاته، وتَثْبت تلك التي خطرت في ذهنه منذ البداية، وإما أن تحلّ محلها أحكام جديدة. فمن خلال العنوان تبدو الثنائية الضدية «النسيم والهجير». والقصد واضح وهو كناية إلى المكان، فالنسيم هو مصر والهجير هو الكويت، وكأنه بهذا العنوان، قصد أن يشعرنا بتناقضات الحياة، وأنها لا تسير على وتيرة واحدة، نسيم فهجير فنسيم فهجير سذاجة ثم نضج. ونحن عند قراءة أي عمل أدبي فإننا نجيب عن أسئلة ثلاثة: ماذا يقول العمل الأدبي؟ وما الأدوات التي استخدمها الكاتب في التعبير عما يقوله ذلك العمل؟ ثم السؤال الأخير هل وفق الكاتب في استخدام أدواته الفنية للتعبير عما يريد قوله؟
أما ماذا قال العمل الأدبي فإنه يبوح بالكثير من خلال قالب أدبي هو الرواية، التي تسير تحت مظلة معنى يكللها ألا وهو النضج.. ذلك النضج الذي تولد من خلال الغربة التي صقلت الشخصية وعمقت الأفكار ومعاناتها، كانت دروسا تنحو إلى معالجة معتقدات قديمة ورؤى غير ناضجة وغشاوات على العين تكشفت من خلال الخبرة. تلك الدروس قد صدرت عن مواقف وشخصيات نحتت بمطرقة الحياة وإزميلها، أغلبهم معلمون، فالعمل الادبي الذي أمامنا يقول إن المعلم هو صانع الشخصية، وهو البطل في حياتنا، حتى إن كان ذلك قد تم لا إراديا.
أما أدوات الكاتب في إبراز تلك الفكرة، فقد جاءت من خلال ذلك القالب الأدبي الذي يشبه السيرة الذاتية، وحديث البطلة عن نفسها، وقد أرهقها الكاتب بالحديث طيلة الرواية بصيغة الضمير أنا، حتى نظام السرد المتناوب عبر الثنائيتين الضديتين الحاضر والماضي، نقلنا بين صورتين متباينتين وإن جمعهما خيط واحد.

الحدث بسيط استطاع الكاتب أن يتخذه نواة لصنع عمل إبداعي في قالب روائي، ويمكن اختصاره في فقرة واحدة يدور حول شابة لم يحالفها الحظ في اختيار من تريده بمواصفاتها الخاصة واحتكمت إلى المنطق والمقاييس التقليدية لشريك الحياة، وارتبطت بزواج صالونات، رغم تفتحها وشخصيتها المرحة الاجتماعية، وكان الشريك على النقيض له شخصية مختلفة تماما يميل الى الهدوء والروتينية، نطاق علاقاته الاجتماعية ضيق يقتصر على الأقارب وزملاء العمل، وأسرة مستقرة توفيت أمها فتزوج أبوها بفتاة صغيرة، وتبدل حاله بشكل مثير للغرابة، أما هي فقد اضطرت تحت وطأة مرض زوجها الخطير إلى السفر لتدبير مصاريف علاجه وتحقيق مستقبل أفضل لولديها، وفي الغربة استطاع الكاتب أن يرسم بريشته لوحات واقعية عايشتها أنا بنفسي لحال المصريين في الغربة، خاصة ممن يمتهنون التدريس جعلنا نعيش في قلب الحدث.. وحدثنا الكاتب عن بعض الأمراض الاجتماعية مثل استغلال المرأة، التي لا رجل لها في الغربة، ونظرات الرجال المريضة إلى المرأة.
كل هذا تم في إيقاع هادئ بسيط يناسب حياة الكاتبة، بلا صخب أو مفاجآت مزلزلة تقلب سياق الأحداث، اللهم إلا قرارها في النهاية العودة الى بلادها ومعها أجندة مستقبلية جديدة كونتها من خلال نضجها وخبراتها، لتعيد تكوين صورة جديدة للمستقبل ذلك النضج، الذي تكوّن من خلال فعل الأمل، من خلال سهام في حلمها بالأطفال، ومن خلال فعل الندم من خلال روان التي فشلت في الاحتفاظ بزوجها وحبيب عمرها بسبب سيطرة النزعة المادية عليها، وفعل التفاؤل من خلال عواطف التي ترى أن الخير مقبل حتما، وفعل التمرد على الجفاء من خلال خالدة مديرتها في المدرسة، وفعل الرضا من خلال زوجها وقناعته.

الفكرة في مجملها بسيطة ورغم البساطة فإنها تحمل نظرات عميقة لا تتضح إلا من خلال النظرة المتأنية للرواية، أما عن الشخصيات فلا يمكن لروائي الانفصال التام عن نصه فقد عايش الأحداث والشخصيات وأجاد توظيفها لخدمة عمله الفني.
نجح الكاتب في رسم شخصياته بصورة تنبئ عن خبرته بالحياة في الخليج، وبمعايشته للناس وأحوالهم، ولم نجد أي تنافر في نسيج كل شخصية، أو مضاد للمنطق بمهارة روائي محترف، فيجعل للشخصية جوانب إنسانية عدة، فيغمس القارئ في أجواء البيئة التعليمية بالخليج، فقد اعتمد الكاتب عليها كثيرا في تشكيل الأحداث باعتبار أن الشخصيات مكون رئيسي لا يقوم الحدث إلا به.
البطلة وقد أنضجتها التجارب، وقد نضجت مقاييسها في الاختيار والقياس، فعلى سبيل المثال كان مقياس شريك الحياة هو ذلك الشاب الفتك الإسكندراني الذي أعجبت به وقت الدراسة في الجامعة، فتغير في النهاية إلى الهدوء والاستقرار، كما حدث في آخر ورقة في الرواية. وإذا كانت غالبية الروايات تتناول شخصية البطل والبطلة، إلا أننا لا نكاد نرى أثرا للبطل، فزوجها متوار خلف ضيق علاقاته المحدودة وندرة حديثه والظلام الذي أحاطه بسبب مرض عينيه وكف بصره. فحنان هي صاحبة البطولة المطلقة، وهذا غريب نوعا ما، من ناحية أن الكاتب رجل فهذا لا يحدث إلا إذا كان صاحب العمل الأدبي امرأة تمردا على سطوة الرجل، وجعله هو صاحب البطولة، فجاء كاتبنا منصفا ليجعل المرأة على غير المعتاد هي البطلة بطلة بلا بطل.
ذلك الذي لم يرد ذكره، إلا بعد منتصف الرواية وتأخر ظهوره جعل مخيلة المتلقي تسير في اتجاهين لا ثالث لهما وهو موت الزوج أو انفصال البطلة عنه بالطلاق، لكننا فوجئنا بأنه الغائب الحاضر وفي حقيقته حضور هامشي، واقتصر دوره على أنه كان أحد أصحاب الدروس التي ألقيت على البطلة وهو درس الرضا.

أجاد الكاتب رسم الصورة في سياقها الجغرافي فالمصرية مصرية بملامحها الريفية البسيطة الطيبة، والشامية شامية ببساطتها وجمال ما صنعته أيديها من طعام، والكويتية كويتية بعزة نفسها وتمردها على الظلم، والسائق الذي لا نعرف له موطنا محددا الذي يرمي شباكه ثم يسحبها مع أول بوادر ترهيب، وكأن الكاتب قصد به تعميم الصفة على جميع الرجال.. قصد الطبع بصرف النظر عن الجنسية. أجاد الكاتب وصف الزمان والمكان، حيث يشكل الزمان بؤرة القص وطاقته إذ الزمان هو محرك الحدث بغية إحداث تقنية في السرد، فضلاً عن ذلك فهو عامل رئيس في تصميم الشخصيات وبناء هيكلها وتشكيل أحداثه. فالزمن الماضي هو الفاعل في شخصية الكاتبة وهي صغيرة، والزمن الحاضر هو الفاعل في شخصيتها الجديدة النامية التي أنضجتها التجارب والأحداث، وفي سيره قدما نحو المستقبل باتجاه تصاعدي، إنما يبني ويهدم أفكارا وشخصيات ورؤى.
أما المكان فهو، يعطي للأحداث سمتها الواقعي القريب من الأفهام، ويترك ظلاله على الشخصيات، فالشخصية تتأقلم مع المكان، فتؤثر فيه ويؤثر فيها، إذ استطاع الروائي توظيف هذه الأماكن بما لها من رموز في اختصار الشرح المعبر عن ثقافة الشخصيات، فهناك الجامعة، حيث الانطلاق وبداية تكوين الشخصية العلمية والإحساس بالتفرد والجمال، وهناك المدرسة التي كانت مسرحا لإبداعاتها، وهناك بيت الأسرة حيث التئام الشمل وجو الألفة الجميل مع الأهل، وهناك المدرسة الكويتية حيث جمعت في إطارها شخوصا من مختلف الجنسيات العربية، تركت بصماتها المعبرة على البطلة، وهناك سكن المعلمات حيت تبادل خبرات الحياة.
أما حبكة الرواية فقد بدأت بالحدث الآني ثم العودة من خلال طريقة الفلاش باك بطريقة تشبه السرد المتناوب، ثم الحدث الصاعد في سيمترية جميلة، وحين وصلنا إلى تأزم الأحداث كسر الكاتب أفق التوقع بأن جعل البطل على قيد الحياة، وقد أخفاه عنا بطريقة جعلتنا نعتقد أنه قد فارق البطلة بطريقة أو بأخرى، وفي ذروة الحدث الصاعد نجد الكاتب قد أخذ متلقيه في مسارات متعددة، فوجد القارئ نفسه قد وصل إلى نهاية القصة دون تمهيد.. حين قررت البطلة العودة النهائية إلى بلادها.

ناقد أدبي مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية