ربما لا ينتبه الروائي في بداية كتابته إلى علاقة الرواية بالفنون الأخرى، فهو لا يرى أمامه إلا الحكي المتتالي لما يروي. وقد لا يعرف أيضا أن الحكي كتراث شفاهي يمكن أن يتأثر بما يحكيه الراوي. قديما كان هناك عازف للربابة يمر بالأحياء الشعبية، فيدعوه بعض الجالسين في المقهى من الرجال ـ لم يكن النساء يجلسن في المقاهي في الأحياء الشعبية كما هو الحال في الأحياء المتوسطة أو الراقية ـ فيجلس عازف الربابة على مقعد أمامهم أو يظل واقفا، ويروي حكايته عن أبي زيد الهلالي والرحلة الهلالية من الجزيرة العربية إلى مصر ثم إلى تونس.
خلال ذلك ينتبه من يسمعون إلى تغير إيقاع صوته حسب مكان الحدث، خلاء في صحراء أو زحام، أو مع الحدث نفسه، حب ومودة أم صراع وتحد وحرب. ويُعَبِّرون عن إعجابهم بالدهشة أو الصوت. لماذا كان الراوي يفعل ذلك؟ بفهم بسيط، لينقل لك صورة لما يحكيه مع معنى ما يحكيه. إذن كان الراوي التقليدي يقدم عملا فنيا وهو يقدم الحكاية. الأمر نفسه يشعر به من يذهب إلى الموالد، حيث ينتشر هؤلاء الرواة، أو المسرح حين يقدم نماذج من الغناء الشعبي. إذن بالعودة إلى الحكي في شكله البدائي، تجد تماهيا بين الحكي وفن آخر هو فن التصوير أو الصورة.
لقد عشنا نسمع دائما أن السينما تمت تسميتها بالفن السابع، باعتبارها سابع الفنون التي ظهرت، فمن قبلها الفنون الستة التي هي العمارة والموسيقى والرسم والنحت والشعر والرقص. وأحيانا يكون للتعريف معنى آخر، وهو أن السينما احتوت كل الفنون السابقة.
السينما فن الصورة، لكن قبل السينما التي هي فن الصورة ألم تكن العمارة فن الصورة أيضا؟ ألم يكن الشعر هو فن الصورة في كل ما مرّ به من تغير، من شعر تقليدي إلى شعر حر إلى قصيدة النثر؟ دون الصورة الفنية يصبح نثرا عاديا مباشرا أقرب إلى المقال، أيْ يبتعد عن الروح ليدخل منطقة الوعي والعقل. أما النحت فغايته هي تقديم صورة ناطقة بالروح وكيف يمكن أن تتحرك أمامك، حتى التماثيل المصرية القديمة التي تبدو خطوطها مستوية فتكوينها يوحي بالبقاء والخلود. الموسيقى بيوت في الهواء لا تراها لكنها تحملك إلى كل البيوت المتخيلة، سواء رأيتها من قبل أو قرأت عنها، وفي الأغلب يكون عنوان المقطوعة الموسيقية، أو الباليه أو الأوبرا، مدخلا مع ما تسمعه، إلى كل الصور التي يأتي بها الخيال.
تستطيع أن تمشي مع كل الفنون، فالصورة أمامك أو مُتخيلة هي الغاية. إذن هل يمكن أن تكون الرواية هي فن الصورة بالمعني الذي أشرت إليه؟ يمكن جدا، بل هي كذلك فعلا، وهذا يعود بنا لتذكر ما قلته عن الفن الشفاهي والحكايات الشعبية، وكيف يلوّن فيها الراوي الإيقاع لينقل إليك صورة ما يحكي.
تستطيع أن تمشي مع كل الفنون، فالصورة أمامك أو مُتخيلة هي الغاية. إذن هل يمكن أن تكون الرواية هي فن الصورة بالمعني الذي أشرت إليه؟ يمكن جدا، بل هي كذلك فعلا، وهذا يعود بنا لتذكر ما قلته عن الفن الشفاهي والحكايات الشعبية، وكيف يلوّن فيها الراوي الإيقاع لينقل إليك صورة ما يحكي. طيب هل يمكن أن يحدث هذا حين يتحول الحكي إلى كتاب مطبوع؟ هذه هي المهمة الأساسية التي كما قلت في البداية، قد لا يدركها الكاتب في بداية حياته. حين تنظر إلى الكم الهائل من الروايات الآن، وإذا أسعفك الوقت وقرأت مئة منها، ستجدها حكيا بلا تنوع في الإيقاع، ومن ثم حتى لا ترقى إلى الفن الشفاهي. طبيعي جدا أن لا ينتبه الكاتب إلى علاقة الرواية بالفنون الأخرى في بدايته، لكن الموهبة ستدفعه إلى دراسة تاريخ الأدب، والموهبة ستدفعه ليعرف شيئا عن الفنون الأخرى، وكيف تتسرب إلى الحكي الروائي. لقد مررتُ بهذه التجربة، فحين أحسست برغبة في الكتابة تكاد تحملني إلى الفضاء، وأنا في الخامسة عشرة من عمري، رحت أكتب قصصا كل يوم، ورواية كل شهر، كنت سعيدا جدا بما أكتب، حتى حضرت محاضرة في قصر ثقافة الحرية في الإسكندرية، وهو ما يسمى «مركز الإبداع» الآن، تحدَّث فيها المرحوم محمد مندور عن تاريخ الأدب والمذاهب الأدبية، من الكلاسيكية إلى الواقعية الاشتراكية مرورا بالرومانتيكية والطبيعية وهكذا، فتوقفت عن كتابة القصص والروايات لثلاث سنوات تقريبا حتى كتبت قصة قصيرة فازت بالجائزة الأولى على مستوى الجمهورية. قصة تنوعت فيها اللغة بين الحلم والواقع، وأخذت طريقي. اكتشفت أن الأمر ليس ذلك فقط، لكن الفنون الأخرى مهمة جدا للكاتب، فأخذت طريقي إلى المعارض الفنية. لم يساعدني أحد على الفهم في الإسكندرية، لكنني تركت نفسي للمشاعر ولكتب أقرأها عن الفن التشكيلي.
في القاهرة بعد عام 1975 تغير الحال. كان الفنان محمود بقشيش رحمه الله يصحبني إلى المعارض في أتلييه القاهرة وغيره، ويشرح لي مادة اللوحة المستخدمة، والعلاقة بين الألوان، وحديث طويل تمسكت منه بسؤال، كيف استطاع الفنان في لوحة صغيرة مهما كبر حجمها، أن يجمع كل هذه المشاعر. صرت مدمنا على حضور المعارض الفنية، وحين اتيحت لي فرصة السفر إلى أوروبا، كان أجمل مشوار هو لمعرض فنون تشكيلية. الأورسيه أو اللوفر أو مركز بومبيدو في باريس أو البارادو في إسبانيا، أو غيرها من البلاد. لا أنسى يوما كنت في شيكاغو، وكان هناك معرض زائر للوحات ديغا، فذهبت ولم أجد تذكرة، وقفت في ضيق شديد فأشارت لي امرأة أن أتقدم منها. تقدمت وسألتني هل تريد تذكرة . قلت نعم. قالت إن معها تذكرة إذ كانت تتنتظر صديقها لكنه لم يأتِ. حاولت أن أعطيها أكثر من سعرها فرفضت وهي مندهشة مني، وكان دخولي المعرض كأنه حلم تحقق. أما في متحف البرادو في مدريد، فلا أنسى أول مرة كيف حين وصلت إلى القسم الذي تعرض فيه لوحات غويا، جلست على الأرض أمام لوحة فريق الإعدام.
الجمهور ينظرون لي ويبتسمون حتى كاد المعرض أن يغلق أبوابه. عدت من هناك لأكتب قصيدة نثرية في رواية «طيور العنبر» التي كنت أكتبها ذلك الوقت فأحد شخصياتها شاعر، تردد في القصيدة اسم غويا وديلاكروا، ولوحتي فريق الإعدام لغويا والحرية تقود الشعب لديلاكروا. كتبت مقالا عن كيف ذكرتني لوحة فريق الإعدام بفيلم «المدرعة بوتومكين» للمخرج الروسي سيرجي ايزنشتاين، وبمشهد نزول الثوار هاربين من جنود القيصر في ميناء أوديسا، والكاميرا تُركِّز على أقدامهم، فتبدو السلالم لا تنتهي من فرط إحساسهم بالموت الذي يطاردهم وابتعاد لحظة النجاة. لوحة غويا فيها أفواه بنادق الجنود الفرنسيين قريبة جدا من صدور الثوار الإسبان الذين سيتم إعدامهم. طبعا للمادة التي استخدمها جويا أثر، لكن ألم تكن هناك مادة أخرى تجعل أفواه البنادق بعيدة، أو على الأقل على مسافة طبيعية. ما هذا القرب غير شعور بالموت، رغم أنهم غير مرعوبين منه، بل يرحبون به فاتحين صدورهم. السينما تسللت هنا في الحديث، والسينما بدورها تساهم في تغير لغة وأسلوب كاتب الحكاية.
تجربتي في ذلك كبيرة فهي تلازمني في أكثر ما أكتب، ولن أتحدث عن نفسي في هذا فهو أمر مُتداول بين النقاد، لكن المهم هنا كيف تؤثر الصورة في بناء الجملة أو العبارة في الروي. إذا تركنا كل ذلك إلى الموسيقى فكما قلت تحمل الموسيقى الكاتب إلى بيوت كثيرة في الفضاء، من شجن إلى حركة إلى صراع، ومن ثم سينعكس على الكتابة. الرواية حكي حقا، لكن الحكاء القديم كان يعرف، أنه مع الحكيْ يجسد صورا، أما الروائي الحديث الذى يحكي في كتاب، فأمامه كنز من الفنون الأخرى يجعله ليس حكاءً ساذجا. إذا أراد.
روائي مصري