عبد المجيد خلفالرواية: عالمٌ يعجّ بالأحداث والتّناقضات والثورات، تلك الأحداث ما هو واقعيٌّ، ومنها ما هو متخيّلٌ، وهي قصّة مجموعة متكاملة من الوقائع التي ينقلها لنا الروائيّ من صورتها الخياليّة والتاريخيّة أو الحياتيّة إلى صورة نموذجيّة، تحاول قدر الإمكان محاكاة الواقع، والتماهي معه.
هنا في هذا الكتاب يقدّم لنا الناقد هيثم حسين، والذي هو نفسه روائيّ له أكثر من رواية ‘آرام’، ‘رهائن الخطيئة’، مجموعة من الأسئلة حول الرواية، تدور هذه الأسئلة عن الكيفيّة التي يجب أن تُكتب بها الرواية، وعمّا يجب أن تكون عليه، مثل: هل يجب أن تكون أحداث الرواية مقنعة مبرّرة؟ هل عليها أن تطابق الواقع، وترصد كلّ ما فيه من أحداث وتحوّلات، حتى تغدو أشبه بكتاب تأريخيّ، ويصبح الروائيّ مؤرّخاً؟ هل الالتزام بالحبكة الروائية شيء ضروريّ؟ أم أنّ على الروائيّ الابتعاد عنها، رفضها، والانقلاب عليها، مثلما فعل ميلان كونديرا؟ كيف يكون الزمن في الرواية؟ وإلى أيّ مدىً يلعب هذا الزمن دوره فيها؟ لماذا تتداخل البدايات والنهايات، فيعود الروائيّ بالقارئ إلى أزمنة شتّى فيأخذه مرّة إلى البداية حيث تبدأ من منطقها الطبيعيّ وتتصاعد شيئاً فشيئاً حتى تصل الذّروة /العقدة/ ثمّ تنحدر إلى الحلّ، أو تبدأ من النهاية، أو ربّما تبدأ من الوسط؟- لماذا التلغيم والتلغيز؟’الرواية كونها حمّالة الهموم، ذات مقدرة استيعابية هائلة، عندما تستثمر بوعي، تفلح في جندلة معظم الأساليب ومختلف العلوم، لتقدمها روائيّاً، لتشكل فيما بعد رأس مال يعاد إليه، عندما يداهم نوعٌ من الإفلاس والتميّع’.(ص5). اللغم: هو الاستخبار عن الشيء لا يستفتيه. وعلى قول بعضهم إنّ الكتب كالقنابل.
والّلغز: هو الكلام الملبَّس. وتكون بعض الروايات ألغازاً، تشتمل على معان تستبطنها، وتؤوّل، أو تنفتح على التأويل، غنيّة بما تنطوي عليه، وقد يكون في التلغيز نوع من البراعة والذكاء والدهاء واللؤم فتنال من القارئ، وتجبره على إعادة القراءة والتمعّن في المقروء… فهناك صلة وثيقة بين الّلغم والّلغز إذ أنّ الروائيّ يقصد أن يلغّز الرواية لكي يجعل منها مثل القنبلة موقوتة تفعل فعلها فيه، وتترك آثاراً لا تحمى في المتلقي/ القارئ. – ماذا يعني أن تكون روائياً:’ أن تكون كاتباً روائيّاً، هذا يعني أن تظلّ طول مدة كتابتك روايتك التي تشتغل عليها، محروماً من النوم العميق المُرضيّ، وحرمانك لا يكون لعلة جسديّة، ولا لاضطراب نفسيّ، بل ينجم عن تتبعك لشخصيّاتك، ومعايشة تلكم الشخصيّات لك في حياتك، تنام معها، تسهر معك، تقلقك وتقلقها، تزعجك وتزعجها، تعاركها فكراً فتعاركك حقاً… أن تسعى لتكون كاتباً روائيّاً، هذا يعني إنارة البقعة التي يعتَّم عليها، لا لتلطيفها أو تقديمها بغير حلّتها وواقعها، وهو يفترض بدوره بحثا جدّيّاً عن الحقيقة، دون أن تخدع بالزيف الذي يغلّفها، وذلك لتستطيع الإقامة في عمق مجتمعك، الذي تدّعي لسانيّة حاله، المجتمع الذي من أوجاعه تكون الكتابة الحقّ الصادقة’. وهذا يدفع بك (وكونك روائيّاً) إلى مواصلة الليل بالنهار، والتعب دون كلل على العمل الروائي الذي بين يديك، لتخرج به من عالم الظلمة التي تكتنفه إلى الحياة، ليبصر النور وقد اكتسى حلّة جميلة موشاة ورائعة. واستطاعت التعبير عمّا يجول في خاطرك وفكرك، من أفكار ورغبات كانت تتماوج في ثنايا روحك، وتلحّ عليك، وبإصرار، وتدفعك نحو الكتابة لتغير بها (بهذه الكتابة والرواية) وجه الحياة، أو على الأقل أن تحاول، لأنّك إن لم تحقق بها ما تتأمّله وتصبو إليه فيكفيك كما قيل ‘شرف المحاولة، ويبقى لك ذلك الجهد والتعب’.- موت الرواية: وهنا يبحث الكاتب عن الأسباب التي دفعت بعض الكتّاب إلى الإعلان عن موت الرواية من أمثال (كونديرا) ليعني لنا بأن الرواية التي كان وما زال بعض الكتّاب يعتبرونها ميتة، قد ماتت في ذلك الخندق الذي كانت له ملامح واضحة تسير فيه، وخطّة مقيّدة ينبغي على الروائيّ اتّباعها حتى يستطيع إنجاز عمله الروائيّ. فالرواية بهذا المعنى التقليديّ والقديم ماتت لتفسح المجال أمام ثورة الرواية الجديدة، شقّت طريقها وبقوة، لتستفيد من تجربة الماضي، وتصفي ألقها من جديد على الحياة، فالرواية كما يقول الكاتب ‘غدت الجنس الغالب، والفنّ الطموح الذي بمقدوره أن يعبّر عن تعقيدات الحياة وعن تبدّلاتها المريعة، فاعلاً ومنفعلاً ومتفاعلاً معها’؟ ( ص17). فالرواية تضمن لنفسها الديمومة والاستمرار عبر الزمن، ولم يأتِ النداء بتبنّيها سيّدة على عرش الأدب من فراغ، بل جاء نتيجة قدرتها الاستيعابية الهائلة ‘. (ص19). ويرى الكاتب أن الروائيّ قادر على الإيغال في التفاصيل، وتذكير القارئ بذكريات وأحداث كثيرة مضت، دون أن يؤثّر ذلك على عمله، ليغدو العمل الروائيّ أشبه بفيلم سينمائيّ، ويقوم بدور الممثّلين والمشاهد والصور والموسيقا التصويريّة حتى. ‘فالإيغال يُعتمد أحياناً لتعطي الأجواء حقّها الكامل من المناقشة والتقديم، كما يُعتمد أحياناً أخرى للدلالة على ثراء العالَم الروائيّ، ومحاكاته للواقعيّ بكلّ تفاصيله’ (ص23). ويجد الكاتب في الحوار جزءاً أساسياً ورئيساً في البنيان الروائيّ ودعماً له، حيث يملك الحوار القدرة الهائلة على التعبير عن الأحداث والشخصيات بكلّ مزاياها، صفاتها النفسية والاجتماعية، وتدلّ به الشخصية عن نفسها، فهو قبل كل شيء لغتها نفسها، أي (لغة الشخصيّة نفسها). نوّع الكتّاب الروائيون في طريقة إنطاق شخصيّاتهم، فمنهم من تركها تتحدّث وفق مكوّناتها النفسيّة والاجتماعيّة، ومنهم من جعلها تتّصف بمنطق أكبر من مستواها الفكريّ، ومنهم من تكلّم بدلاً عنها. والزمن الروائيّ ضروريّ جداً، وخاصّ، ففي الرواية ‘يكون هناك متّسع يكفي لاتّخاذه خلفيّة أو حتّى بطلاً.. عندما يجتهد الكاتب للإمساك بخيوط اللعبة، والتحكّم بخطوط تطوّر وتصاعد السياقات’ (ص31). وقد لا يكون هناك التزام ‘بالقيود الزمنيّة في الرواية، وقانون الزمن في الرواية كثيراً ما يخترق من قبل روائيّين كثر، يقوّضون بنيان الزمن المألوف والمعروف، ليبنوا ويبدعوا أزمانهم التي يكيّفونها بحسب فكرتهم، ثم تراهم يطوّعون فكرتهم، يلائمونها مع أحداث جرت في زمان ومكان ما'( ص32). والحبكة الروائيّة: وهي فنّ ترتيب الحوادث ترتيباً منطقيّاً حسب الحتميّة والضرورة، إلا أن بعض الكتّاب لا يتقيّدون بها، ويحاولون الانتفاضة والثورة عليها، والخروج عن الحبكات المألوفة، وفق ما اعتاده الروائيّون من قبل، حتى رغب بعض الروائيين عنها، وحاول الإفلات والتنصّل من قيودها، ما تزال تلعب دوراً كبيراً في الرواية، ويتقيّد بها كثير من الكتّاب ويفضّلونها، لأنّها تساعد على ترتيب تلك الحوادث، لتغدو أكثر منطقيّة وواقعيّة، وتعبّر عن أفكار الروائيّ، وما يسعى إليه بشكل معقول ودقيق. تتبدّى هناك الرغبة في التجريب في الرواية فالروائيّ ‘ليس إلا واحداً من اثنين، إما مجرّب مجدّد، أو مقلّد’. ومن وجهة نظر الكاتب فإن الرواية والدراما لا تغني إحداهما عن الأخرى، بل لهما علاقة وثيقة ومتبادلة وقويّة.
يقدّم لنا الكاتب في مؤلَّفه النوعيّ دراسات عن مجموعة من الروايات الملغمة الملغزة والتي سعى كتّابها إلى إظهار الواقع، وترتيبه بشكل ملغم ملغز، رغبة منهم في تغيير الواقع نحو الأفضل، أو استنتاجاً لحالات واقعيّة حدثت معهم في حياتهم.’الرواية بين التلغيم والتلغيز’، لهيثم حسين، دار نون، سورية، 2010.