في كتابه «زمن القص: شعر الدنيا الحديثة» يبدأ جابر عصفور من نتيجة مفادها أن الرواية تدين بوجودها للمدينة. فهي ظاهرة حضارية انبثقت أولا من البلاط وحاجة السلطان أو الخليفة لإنسان ناضج ومثقف، يعتني بكل ما له علاقة بالإرشاد والتربية والتفكير. وثانيا من حاجة الشعب لخيال يخدر آلامه، ويشحذ ما تبقى له من إرادة وقدرة على الحياة. وهذا يعني بالضرورة أن الرواية فن له جذور وجدانية في الشكل الرسمي والشعبي من تراثنا. ولذلك فإن رواية «زينب» التي صدرت عام 1913 لم تأت من فراغ، وهي ليست نتيجة أوتوماتيكية لتأثير الغرب، وإنما عبّرت عن أزمة الطبقة الوسطى ودورها المزدوج في التثقيف والترفيه.
بتعبير آخر جاءت لتعبر عن حقائق لم تكن موجودة أو تأخر الوعي بالالتفات إليها. وهو ما تبلور لاحقا، في ما يسميه جابر عصفور بـ»رؤية الستينيات». وأبرز سمات هذه الرؤية التكافؤ والتراسل مع المستجدات وأساليب التعبير، والتمرد على ذاكرة الأب وربما قتلها ودفنها تحت الأنقاض.
ولم تكن لدى جابر عصفور أي حيرة بمقدار ما تدين به الرواية العربية للموروث. ويضرب مثالا بمقامات «عيسى بن هشام» للمويلحي، و»ليالي سطيح» لحافظ إبراهيم. فالعملان لا يفتحان قلبهما للمؤثرات الوافدة، ويميلان بشكل واضح للماضي بصيغته وتراكيبه. ولاسيما للبنية الفضائحية والناقدة التي بنى عليها الجاحظ أطروحته في «البخلاء». وقد تلازمت ملحمة البحث عن هوية الأبطال وهوية الأمة، مع رحلة البحث عن هوية النوع الأدبي. ووقف تنوع الأسئلة وراء تنوع الإجابات واختلافها من مرحلة لأخرى، ومن كاتب لآخر. وهذا يفسر «النسبية المعرفية». فالرواية فعل من أفعال الاكتشاف والشك أو الاشتباه، فالمسلمات تخلت في أدبنا الحديث، بوجه عام، عن موقعها وحلت محلها سلسلة من الاتهامات التي تصل لدرجة تجريم الذات و»وعي الضد» و»العقل الذي يفضل السؤال وليس الجواب». فوعي الهوية هو وعي بالآخر دائما. والبحث عن الشبيه يفرض البحث عن المختلف. ويختتم جابر عصفور هذه الأطروحة بباقة من الذكريات عن أصدقاء الشباب مثل إدوار الخراط ويحيى حقي وسليمان فياض وخيري شلبي. ويرسم لهم بورتريهات لا تخلو من المودة الصادقة التي تصفح عن الذنوب وتنتبه للمآثر. فقد رأى في كل شخصية من تلك الشخصيات حسنات نحسد الأدب العربي عليها. وحتى إذا اختلفوا بالاتجاه وأدوات التعبير، فهم في رأيه متفقون على فلسفة واحدة، وهي التعبير عن المطلق بأساليب غير مطلقة، أو ملاحظة اللامتناهي بالتفكير المتناهي، ولذلك استحقوا عن جدارة أن يرتفعوا على الخلافات المذهبية التي لا يخلو منها إنسان أو مدرسة. فالانطباعي يحيى حقي والأيديولوجي إدوار الخراط والوطني العروبي سليمان فياض، وإله المهمشين وحارسهم خيري شلبي اجتمعوا في حلقة واحدة يمكن أن نسميها «الحساسية الجديدة». وهي حساسية ذات رؤية وبصيرة نافذة استطاعت أن تتخطى حدود الفن لتندمج بالحياة العامة والذات، لتعبر أفضل تعبير عن معاناة كل إنسان وكل مرحلة.
وكما ورد في سياق رثاء الطيب صالح: في هذه التجارب كان الشخصي يقود إلى الموضوعي باستعمال تقنيات فتحت الأبواب المغلقة للأجيال اللاحقة، ومالت لشكل له رؤية جذرية تجمع بين الظاهر والباطن، والمكبوت في اللاوعي والمعلن في الشعور، والموازي لقيود الثقافات الوافدة المتعالية، التي تدفعنا إلى إعادة إنتاج القمع على أنفسنا.
لقد كان الكاتب العربي في البداية يكتب متأثرا بذاكرته القديمة (أو تراثه) حتى أن الشدياق وعلي مبارك وبعدهما المويلحي وحافظ إبراهيم رزحوا تحت تأثير مقامات الحريري.
ومن الواضح أن جابرعصفور راهن في كل أطروحته على ثلاث نقاط.
في الأولى يواصل من حيث انتهى أستاذه عبد المحسن طه بدر، مؤلف أهم مصنفين في تاريخ نقد الرواية العربية، وهما «تطور الرواية العربية الحديثة في مصر» (1963)، و»الرواية والأرض»(1971). فقد أعطى قصب السبق لـ»زينب» التي كتبها محمد حسين هيكل في باريس بين 1911-1912 قبل أن ينشرها في مصر عام 1913. لكن هذا لا يمنع أنه توجد محاولات رائدة سابقة وصلت لذروتها في نموذجين هما: مجموعة أعمال معربة لنعمان عبده القساطلي، وأهمها «مرشد وفتنة» التي ظهرت عام 1880. ومع أنها مفككة أسلوبيا وفي أدنى درجات النضج والتبلور، لكنها من ناحية الموضوع حملت أعباء الواقع المحلي. ثم مجموعة روايات «تاريخ الإسلام» لجرجي زيدان. فقد سبقت «زينب» بخمسة وعشرين عاما تقريبا، وكانت ذات حبكة متينة وشخصيات واضحة، مع انضباط في العواطف والوجدانيات.
في النقطة الثانية محاولة مستميتة للتأصيل. وهنا يجب الاعتراف بأن الذاكرة العربية غنية بالسرد والخيال والفانتازيا. لقد كان الكاتب العربي في البداية يكتب متأثرا بذاكرته القديمة (أو تراثه) حتى أن الشدياق وعلي مبارك وبعدهما المويلحي وحافظ إبراهيم رزحوا تحت تأثير مقامات الحريري. وتحول هذا الرضوخ لسلطة الأب في منتصف القرن العشرين إلى شكل من أشكال التعبير عن الذات الوطنية. ولاحقا إلى أدب مستقل يراعي الحفاظ على تقاليد النوع مع تجديد شبابه. وانتهى ذلك إلى شكل من أشكال الشراكة بين قطاعات نائمة من الذاكرة وقطاعات وافدة أو مقبلة، ولكن من العدل أن نضيف إن ما حصل يحتمل العكس أيضا، فتوطين البلاغة العربية في محاولات فجة انتهى مع ترسيخ النماذج الرائدة كما في «زينب» هيكل و»دعاء الكروان» لطه حسين أو «سارة» عباس محمود العقاد.
لقد قطعت هذه الأعمال مع الماضي، وتنكرت له تماما في البنية والأدوات، ولم يجد التراث صدرا حنونا إلا بعد نكسة 1967 وظهور جيل الخيبة أو الجيل الضائع برموزه المشهورة أمثال، الطاهر بن جلون والغيطاني وجمعة اللامي.. فقد كانوا حريصين على توظيف أدب التصوف والاهتمام بالرؤية من الباطن باتجاه الظاهر. وهم بدون أي شك بعيدون عن شطحات خيال ألف ليلة وأقرب لشطحات النفس المعذبة، بسبب الاغتراب عن مطلق الإنسانية، واستحالة التماهي معها، واستلهام الخبرات بواسطة المشقة والمعرفة، أو ما يسمى العقل التجريبي والذهني، حتى أن تجارب نجيب محفوظ التي تحاكي ألف ليلة، ظاهريا، هي في الحقيقة وفي جوهرها تنويعات على تكنيك الأصوات، ووفق قواعد النوفيلا الغربية.
في النقطة الثالثة والأخيرة معارضة لفكرة إدوارد سعيد عن دور التوسع والحرب في نشوء أصل الرواية. فجابر عصفور يرى أن التمدن هو الحافز الأساسي في الروايات. وبودي أن أضيف لما سبق النوستالجيا. فالحنين لحياة الصحراء والخيام واتصال الإنسانية مع اللامتناهي والمطلق والمتشابه، ساعد القساطلي على ابتكار حبكة محلية. وتحول ذلك على يد جرجي زيدان إلى حنين لجنون الماضي. ومثله فعل هيكل في «زينب». فقد كانت شخصياته تحن للأجزاء المفقودة من الحياة.
وأعتقد أن الرواية أساسا هي محاولة للتغلب على هذا الشعور الجديد بالاغتراب والعزلة، أو انفصال الأفراد عن أمكنتهم. ومن هذه النقطة تفرعت رواية المرأة. ولا أعلم لماذا تحامل جابر عصفورعلى رجاء الصانع وفرانسواز ساغان. لقد رجم الكاتبتين بأحجاره. وقال عن الصانع: إنها بلا نماذج بشرية عميقة، وشخصياتها من كرتون ومسطحة وليس لها مكان في ذاكرتنا. وأردف عن ساغان: إنها من فئة تعاني من المرض، ومن اختلال القيم والمعايير، وتستغل الرواج لتغطي على القيمة. ولا ضرورة للتذكير أن الكاتبتين من شجرة واحدة، وهي أيضا شجرة غادة السمان وليلى بعلبكي وكوليت خوري، أو من اصطلحنا على تسميتهم بذوات الأظافر الطويلة. وجدير بالذكر أن هذه النماذج لها ضرورة فنية وموضوعية. فساغان كانت سباقة بتوسيع أدوات النوفيلا. بينما اكتشفت الصانع في «بنات الرياض» مشكلة القلب الزجاجي الهش القابل للعطب بطريقة هاربر لي في «قتل طائر ساخر». وباعتقادي إن الكاتبتين لعبتا دورا مهما في تحرير النص من لغته، بحيث اقتربت البنية من حدود الرؤية وهذا شرط مهم من شروط إلغاء المسافة بين الأسلوب ومعناه.
٭ منشورات الدار المصرية اللبنانية. 2019.
٭ كاتب سوري