القاهرة ـ «القدس العربي»: أقيم مؤخراً في غاليري (أوبنتو) في القاهرة، وتحت مُسمى (عين المقتنى) عرض مجموعة من لوحات الفنان الأرمني أشود زوريان (1905 ــ 1970). وللفنان مسيرة فنية طويلة وتأثير كبير في حركة الفن المصري وفنانيه من تلامذته، الذين أصبحوا من الرواد لاحقاً. تم عرض مجموعة من اللوحات، التي أهداها الفنان إلى طبيبه الخاص كيفورك مظلوميان، والمملوكة حالياً إلى عائلة الأخير، كما جاء في التنويه في المعرض.
التقنية الأوروبية
نظراً للدراسة الأكاديمية التي انتهجها زوريان، كمدرسة الفنون في فيينا، وأكاديمية الفنون الجميلة في روما، فقد أتقن الفنان الأساليب الأوروبية في فن التصوير، وهي سمة غالبة لفناني ذلك الزمان، سواء بالذهاب إلى أوروبا بالفعل أو التعلم من هذا الفن، أو من خلال فنان ينقل تجربته من خلال التدريس، وقد قام زوريان نفسه بمهمة التدريس هذه. لكن المُلاحظ على أعماله أنه طبق هذه الأساليب من خلال تصوير لقطات مصرية، دون المباشرة في رسوم المستشرقين مثلاً. فمع انتقال الفنان إلى مصر ـ الإسكندرية أولاً ثم القاهرة ـ ومعايشة المجتمع الجديد عليه، تطورت الرؤية، ولم يعد الأمر مقتصراً على نقل نماذج أوروبية، وإن لم تصل إلى حد الأحياء والأماكن الشعبية. اهتم الفنان بنقل لقطات من الطبيعة بأسلوب تعبيري يغلب عليه الحِس الرومانسي، مُجسّداً روحاً صاخبة من خلال الألوان والتكوينات، حتى لو اقتصر الأمر على نقل منظر طبيعي، وهنا نشير إلى تعدد البيئات التي تنقل بينها الفنان ـ رسماً ـ كالنيل، بحر الإسكندرية، الحدائق، وصولاً إلى بلاد النوبة، ونلحظ مدى الاختلاف بينه وبين العديد من الفنانين الذين قاموا بتصوير البيئة النوبية، من حيث الألوان والتكوينات ووجهة النظر الفنية.

المكان
في اللوحات هناك اهتمام كبير بالمكان، ليصبح هو بطل اللوحة، وهنا لا يبدو المكان كما في الطبيعة، لكن من خلال رؤية الفنان الذي يتحوّر المكان من خلالها، فاللوحة ليست نقلاً حرفياً للمكان وتكويناته، فدائماً ما تكون البنايات على درجة من الميل والتداخل مع البنايات الأخرى، وكذلك يصبح المكان وانعكاسه من خلال الماء وكأنهما كيان واحد، من خلال ضربات فرشاة سريعة ومتعرّجة، وفي ألوان ثقيلة خشنة المَلمَس، وهو ما يوضح ـ بشكل تعليمي ـ كيفية تكوين اللوحة، والعمل من خلال الظلال، التي توحي أكثر بالتجسيد، ونقل حالة اللوحة.
الشخصيات
لا يختلف تجسيد الشخصيات عنه بالنسبة إلى الأماكن، فالفنان لا ينقل الشخصيات، لكنه يُظهر أكثر حالتها وما يستشعره تجاهها، من خلال ضربات لونية توحي بالشخصيات وحالتها، دون تفاصيلها المعهودة، كملامح الوجه وتفاصيل الجسد، هنا تبدو العلاقة أكثر ما بين الشخصية والمكان، أو علاقتها والشخصيات الأخرى، في لقطة واسعة توضح طبيعة هذه العلاقات وأصحابها. أما في اللقطات العامة، التي تقتصر على شخصية واحدة، فالجسد وصاحبته على سبيل المثال عبارة عن ضربات فرشاة توحي بحالة الشخصية، كما يراها الفنان، ذلك سواء في تجسيده للجسد العاري أو فتاة في الطريق، أو المرأة الافريقية وزيّها المتميز، فاللوحة تتجاوز فكرة العري لتقترب أكثر من روح صاحبته.
وفي المجمل يبدو الحِس الرومانتيكي المُسيطر على جميع أعمال أشود زوريان، ورغم الصخب الظاهر في أغلب اللوحات، إلا أن هناك لمحة مأساوية لا تُنكر، ربما لطبيعة حياته وما مرّ به وعائلته من صِعاب.

المسيرة الفنية
ولد زوريان في مدينة جيرسون التركية، على ساحل البحر الأسود. ذهب إلى فيينا عام 1922 مُلتحقاً بمدرسة الفنون، وقضى فيها ثلاث سنوات، ثم ألحقها بفترة مماثلة في أكاديمية الفنون الجميلة في روما. استقر زوريان في الإسكندرية منذ عام 1929، وأقام معرضه الفردي الأول بها عام 1939. ونتيجة الحرب العالمية انتقل إلى القاهرة في 1941، وأقام معرضه الثاني في 1942. وجاء معرضه الفردي الأخير عام 1969 في المركز الثقافي الفرنسي. كما شارك في الصالون الشتوي في باريس 1952، وفاز بجائزة صالون القاهرة عام 1955، ومثّل مصر في مسابقة جوجنهايم الدولية في نيويورك عام 1959. عمل طوال حياته بالتدريس، ومن أشهر تلميذاته .. مارجو فيلون، إنجي أفلاطون، ليلى عزت، ميرفت رفعت، والملكة فريدة.