عناية جابر
نبتعد في الكتابة، وفي الحياة طبعاً، عمّا يسمى ‘الروح’. في الحقيقة هي كلمة تظهر كثيراً، ولكن ليس ضمن سياق واضح تماماً، لا في الكتابة ولا في الحياة.
الروح، كما لوهي شيء مفقود في زمننا الراهن، أو على الأقل لايتواءم مع الحضارة، أو كشيء مضاد للعيش العصري وتعبيراته الجديدة، وكشيء على علاقة بالبطء، وبالتخلف، ويرتبط بإستدعاء المقدس الغامض، وكحب وثني للرموز عند الكثير من الناس.
الفايسبوك وسواه من وسائط التواصل الحديثة، كذلك إيقاع الحياة العصري الجديد بما هو ركض لاهث خلف الإستهلاك ولا يلتفت، يُظهرون غياب هذه الكلمة وروحها ومعناها، وهي إن حضرت تثير الضحك عند الجيل الشاب، كما لو من الصعب الإعتراف بها، وكما لو هي مصكوكة للعجائز فحسب. إذ لايمكن فهمها على ما هي في الحقيقة، إلإ إذا افترضنا بأن ثمة ما نتكتم عنه في مجرى حياتنا، ويحتاج منا الى ان نطلق عليه اسماً. نتكتّم عن حاجات ارواحنا ولا نعثر لها على إسم. ‘الروح’، كيف يمكن وصفها إذن، كيف يمكن للمرء أن يرأف، يعشق، يدفأ، بينما التجاهل والتعتيم على مسائل الروح يقفان أمامه كأفق أو كنصف دائرة. سوى ان نهاية نصف الدائرة مرتبطة في الحقيقة بوتر، ومستويات هذا الوتر تخترق وسط القلب. اليد هي روح احياناً، كما النظرة روح وخفقة القلب، والعاطفة روح، وكل شيء جميل فيه الكثير من الروح وأغلب ما يفعلهُ الإنسان لكن بحميمية.
تغيب كلمة الروح مع التقدم بالوقت، ونغدو أسرى القيام بأفعال محدّدة، بطريقة يفهمها كل أحد، ولا نقوم بالأفعال نفسها مأخوذين بعواطفنا، واصبحت هذه الأخيرة مستعصية على الفهم.
يخامر ما تبقى من الروحيين، الحسّ الغامض بأنهم ليسوا إلإ نصفاً من شيء، وان ثمة ما هو ناقص لحفظ التوازن. تتناقص ‘الروح’ وعلى الروحيين التقدّم الى الأمام مثلما يفعل البهلوان السائر على الحبل وينتهي في خضم سوء التفاهم هذا، متأرجحاً وساقطاً على الأرض. وطريقة تكون شبيهة في النهاية بمسار دودة الخشب التي تستطيع الإستدارة الى الأمام كما تشاء، بل وحتى الى الوراء أيضاً، ولكنها تترك وراءها مساحة فارغة دائماً. وفي هذا الشعور بالمساحة العمياء المقطوعة وراء إمتلاء كل شيء، في هذا النصف الذي يظل ناقصاً أبداً، حتى عندما يكون كل شيء كلاً واحداً، فلن يشهد المرء في النهاية ذلك الجانب الذي نسميه الروح.
العالم ليس على ما ينبغي أن يكون عليه، وما من تسوية عادلة في غياب القطعة المفتقدة والمهمة الضرورية من الإحساس ومن الحب الذي يجب ان يحتل موقعاً خاصاً، وتزداد برأيي حاجتنا إليه كلما ‘تمكننت’ الحياة وكثرت وجوهها الالية الصلبة. نحيا في الواقع، حياة متصحرّة ينمو نصفها المادّي البشع على حساب نصفها الروحي، وثمة ما نفتقده من إلتحام الأرواح، ومن فيضها، كما لو نوع من الغباء المتعمّد والملعون حلّ على العالم بأسره. العالم في كلمات مهذّبة، أجل، لكن ليس أبداً في كلمات لطيفة!! يبدو العالم راهناً، مسطحاً دون منحدرات وهضبات المشاعر، كما لو أيّ من الناس قد أحبّ من قبل. أيّ معنى واسع لكلمة روح لم تعد تتعلق بالكائن نفسه وبإحتياجات قلبه، وإنما بما يملك وفي حركة تبادل نفعية وغاشمة. أيّ أحد (ما عدا الحيوانات) لم يعد يُحبّ أو يأمل أن يُحبّ، وبالتالي محروم من لذة إصطدام المشاعر السرية والعلنية في لحظة إقفال بورصة الحياة على تدني رهيب في التعامل الشعوري، ما يجعل الحياة مؤسفة، بائسة وخالية من مذاقات الإهتزازات العاطفية في الأعماق والدواخل. هل عرف العالم القديم بهذا المعنى قوى شعورية فاقت بشكل هائل أية قوى حديدية في عالمنا المتمدن!
قوى نسيبة للنجوم، تندفع منيّ اليك، ومنك إليّ، متجاوزة أيّ منطق آخر مقهور بالبرد والعزلة.
لا أريد لهذا الرثاء العالمي للعاطفة، أن يبدو ضعفاً أو تسولاً، لكنها الحيرة أمام كمّ الأيام هذه في رصيد أعمارنا، كيف نصرّفها من دون عواطف مجنحة، من دون عواصفها التي لا تقاس لا بالذهب ولا بالفضة، ومن دون الخيال الذي يزّين لنا أننا في مباشرة أمورنا من الجانب الأيسر في الصدر، جانب القلب، سوف يغدو، وإن في الخيال، كوخنا قصراً وحشيتنا البالية عرشاً مهيباً.
من دون إعمال العاطفة وخضّها من وقت لآخر لن ندرك السعادة. راهناً ما عدنا ندركها ليس لأننا نعمل عقولنا، بل لأنها بغيابها ذهبت بالعقل أيضاً. في فلكها نوجد وجوداً نورانياً خالصاً وفي عرفان غامض عن ذاته. المعنى والغاية من هذه الحياة، والهدف والقدر اللطيف، هو الكائن الذي يُعمل روحه الرقيقة، خصاله وخياله في عبير فاتن يهوّن الحياة، ولهُ الحضور الكليّ من الدماثة والقوة والمداومة والتنوع والجمال، ما لا يمكن مقاومته. الروح، وهي تغيب وئيداً، هي البوصلة فحسب.