بيروت ‘القدس العربي’ من سعد الياس أثارت عودة سفير المملكة العربية السعودية علي عواض العسيري الى بيروت في ظل التطورات المتصلة بالاستحقاق الرئاسي اهتمام الكثيرين الذين ربطوا بين هذه العودة وإمكان دخول المملكة من خلال سفيرها في لبنان على خط المشاورات الجارية لاتمام الانتخابات الرئاسية في موعدها، علماً أن خط بيروت- الرياض كان شهد زيارات مكوكية أبرزها لموفد النائب وليد جنبلاط الوزير وائل ابو فاعور وللمرشح جان عبيد ورئيس كتلة المستقبل فؤاد السنيورة.
وفي معلومات لـ’القدس العربي’ أن رئيس الحكومة تمام سلام يتحضّر لزيارة المملكة قريباً في اطار جولة عربية سيستهلها بالسعودية.
غير أن السفير السعودي العائد الى بيروت والتي كان غادرها لاسباب امنية بعد تهديدات طالت السفارة السعودية إثر التفجير المزدوج للسفارة الايرانية، نفى أن تكون لعودته أية علاقة بالاستحقاق الرئاسي، وقال ‘إن المملكة لم ولن تتدخل بالشأن الداخلي اللبناني، وانا اقول ان اللبنانيين هم من يختارون رئيسهم وهم قادرون على ذلك، ونرى ان الخيار يجب ان يكون لبنانياً- لبنانياً، وما نعمل عليه هو ان يكون هناك توافق بين جميع القوى اللبنانية السياسية في ظل هذه الفترة المتبقية بعيداً عن الفراغ لكي يختاروا رئيساً للبنان للمرحلة المقبة’.
وعن لقاءات وزير الخارجية السعودية مع شخصيات لبنانية في المملكة، قال عسيري ‘معظم الزعامات اللبنانية ترتبط بالمملكة ارتباطاً وثيقاً وتاريخياً، ولا غرابة بأن تكون هناك زيارات للمملكة، والجميع يعلم مدى حرص المملكة وخادم الحرمين الشريفين على استقرار الوضع الامني والسياسي في لبنان من دون ان يكون هناك اي تدخل من حكومة المملكة العربية السعودية، لان العلاقة المميزة التي تربط بين البلدين تؤهل لهذه الزيارات’.
وفي مراجعة تاريخية لدور المملكة العربية السعودية في لبنان، يتبيّن أن السعودية لم تكن كما هي اليوم، لاعباً اساسياً في تفاصيل الحياة اللبنانية، وهي أصبحت ناخباً كبيراً وأكثر فعالية منذ الانسحاب السوري من لبنان نظراً الى تاثيرها المباشر أكثر من أي وقت مضى على اللبنانيين السنّة الذين يمثّلهم بشكل رئيسي تيار المستقبل برئاسة الرئيس سعد الحريري والذي يحظى بأكبر كتلة نيابية في المجلس تصل الى 37 نائباً.
وهكذا بدأت السعودية تنافس سوريا التي تحكّمت بإنتخابات رئاسية عامي 1989 و1998 ففرضت انتخاب الرئيس الياس الهراوي في العام 1989 والتمديد له عام 2005 لثلاث سنوات ثم فرضت انتخاب العماد اميل لحود عام 1998 والتمديد له ثلاث سنوات عام 2004. وحلّت السعودية مكان مصر والعراق.
ويمكن القول إنه وبعد مجيء رفيق الحريري، الى رئاسة الحكومة أخذ يلعب الدور الذي لعبه في السابق حسين العويني الذي أضحى عام 1947 ممثلاً تجارياً وراعياً لمصالح المملكة في لبنان وهو ما قاده الى رئاسة الحكومة أنذاك.
ومع تنامي دور الحريري الأب في السلطة اللبنانية إطمأنت السعودية الى حضورها العائد عبر رئيس الوزراء والممسك بمصدري قوة السلطة: السياسة الخارجية والاقتصاد، رغم أن الحريري عند تسلّمه الحكومة سلّم على مضض بترك الامن في يد سوريا وحدها.
وفي المقابل، وكما طمأن الحريري الأب السعودية الى دورها ومالها في لبنان عبر الصندوق السعودي للتنمية وسائر مصادر تمويل الانماء والاعمار، إطمأن بدوره الى وجود ثلاثة أقوياء في دمشق حلفاء له يحولون دون نشوء تناقض بينه وبين القيادة السورية هم: عبد الحليم خدام، حكمت الشهابي وغازي كنعان.
ويعتبر الكاتب والباحث نقولا ناصيف أنه ‘ كما أمكن لصائب سلام كزعيم سني بيروتي كبير أن يوازن في علاقاته مع الخصمين اللدودين جمال عبد الناصر والملك فيصل باني التاريخ الحديث للمملكة ويحاورهما ويرى في كل منهما نطاقاً ضرورياً لمرجعية في العلاقة مع لبنان ومسلميه، فإن الحريري إضطلع بدور مماثل بين الملك فهد والرئيس حافظ الاسد: أراد الاعتدال والثروة السعوديين اللذين يعيدان لبنان الى الخريطة العربية والدولية، وفي الوقت ذاته عرف بخطر أي خلاف ينشأ بينه وبين سوريا والتي من دونها لم يكن ليصل الى رئاسة الحكومة’.
واذا كانت مطاردة النظام السوري باستمرار الدور السعودي في لبنان بلغت به حد التخلص من ركيزته اللبنانية رفيق الحريري كما ورد في الاتهام السياسي لقوى 14 آذار بعدما فرضت عليه قيوداً. إلا أن اغتيال الحريري الذي أدى الى انسحاب الجيش السوري في 26 نيسان/ابريل 2005 أعاد حضور المملكة في لبنان الذي أخذ يتعرّض بين الحين والآخر وخصوصاً منذ حرب تموز/يوليو 2006 الى مطاردة من حلفاء سوريا بلغت بالامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله الى شنّ حملة على السعودية معتبراً في أكثر من اطلالة قبل تأليف الحكومة السلامية أنه ‘لا يمكن بقاء المنطقة مشتعلة لأن السعودية غاضبة’. وكانت المطاردة للدور السعودي حملت حلفاء سوريا على الاطاحة بحكومة الرئيس سعد الحريري الذي حاول أن يوازن مثل والده بين الملك عبد الله والرئيس بشار الاسد بلا جدوى.
اما اليوم ومع عودة السفير السعودي الى العاصمة اللبنانية ورغم كل الكلام الدبلوماسي عن عدم تدخل بلاده في الشأن الرئاسي، إلا أنه لا يمكن فصل هذه العودة عن المتابعة القريبة والمباشرة لمجريات الاستحقاق وما يرافقه من تعطيل للنصاب من قبل فريق حزب الله والتيار الوطني الحر. ومع عودة السفير العسيري، فإن السفير الامريكي في لبنان دايفيد هيل الذي قام بجولة على القيادات اللبنانية سيطير الى المملكة في غضون ايام لاجراء مشاورات تتصل بالاستحقاق على عتبة الجلسة الثالثة من جلسات الانتخاب في 7 ايار/مايو والتي سبقها لقاء بارز في باريس بين البطريك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي والرئيس سعد الحريري، تمّ التوافق فيه على رفض الفراغ الرئاسي، فيما الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند كان له اتصال لافت بالنائب وليد جنبلاط الذي بإمكانه ترجيح كفّة على أخرى من خلال أصوات كتلته النيابية، وهذا ما يتخوّف منه فريق 8 آذار الذي يمارس لعبة توزيع الادوار ويقدم على تعطيل النصاب القانوني المحدّد بـ 86 نائباً.