الريح التي تُشبهنا
فــاروق واديالريح التي تُشبهنالم يفاجئني فيلم كين لوتش الأخير “الريح التي تهزّ حقل الشعير”، ولم يثر لديّ تلك الدهشة التي تستثيرها فينا متعة التلقي، رغم السطوة الجماليّة التي مارسها الفيلم علي لجنة التحكيم في مهرجان كان الأخير، وانتزاعه السعفة الذهبيّة للمهرجان دون منازع. وربما يكمن سرّ غياب المفاجأة، في أن سيناريو الفيلم بدا لي مألوفاً، حتّي التشابه والتقاطع مع أحداث عشناها.. أو نعيشها.. أو إننا نتهيّأ لمعايشتها.فثمّة نقاط تَشابُه، وتقاطعات، تحدث دائماً في الوقائع التي تروي حياة البشر وتجاربهم في ظلّ الإحتلال. هناك ثوابت لا تستطيع القفز عنها، والنجاة من تكرار أجزاء من الصورة العامّة التي ترسمها أقدام المحتل فوق ترابٍ ليس لها، وعلي أديم أرضٍ ليست أرضها، رغم الخصوصيّات والتفاصيل الزمانيّة والمكانيّة المختلفة بين مُحتل ومُحتل، وبين تجربة شعبٍ وآخر. ورغم ذلك، فإن الإحتلال يبقي هو الإحتلال.يضعنا فيلم “الريح التي تهزّ حقل الشعير”، في زمن من أزمنة الإحتلال. العام 1920، وفي إحدي قري جنوب إيرلندة، ينفتح المشهد علي ثلّة من رجال القرية وهم يمارسون واحدة من الألعاب الرياضيّة الجماعيّة، يتصايحون، معلنين خلافاتهم العاديّة وتحدياتهم الصغيرة. وما أن تنتهي اللعبة بغالبٍ ومغلوب، حتّي تداهم القرية مجموعة من الجنود البريطانيين الذين يحتلون بلادهم. بإمكاننا أن نتخيّل أساليب القمع والإذلال الهمجيّة التي يمارسها الجنود علي أهالي القرية، والذين لا يتركوهم دون أن يخلِّفوا وراءهم جثّة أحد أبنائهم، الذي لفظ أنفاسه الأخيرة بين أيديهم.تدفعنا المُشاهدة، دائماً، إلي عقد مقارنة بين ريح الاحتلال التي تهبّ علي الشاشة، في تلك القرية الإيرلنديّة البعيدة، بالريح التي ما زالت تهب علينا، آخذين بالاعتبار ما طوّره الإحتلال الإسرائيلي، وعبر عقودٍ طويلة من الزمان، من أساليب البطش والتنكيل التي وَرَثها عن أعتي النظم الإستعماريّة، ليتجاوزها بمسافاتٍ شاسعة. لكن بطش الإحتلال لا ينتُج عنه، في كلّ الأحوال، سوي المقاومة.هكذا يتداعي رجال تلك القرية، ليتخذوا قرارهم بالمشاركة في الكفاح المُسلّح، وخوض حرب العصابات، التي قادت رجالها إلي الجبال الخضراء والحقول النائيّة، لتهتزّ بحركتهم وفعلهم هناك حقول الشعير. ولم يكن من المصادفة أن يتلاقي زمن الفيلم مع التاريخ الواقعي الذي شهد انطلاقة المقاومة الإيرلنديّة المُسلّحة ضدّ الإحتلال البريطاني، وتشكيل الجيش الجمهوري الإيرلندي، الذي خاض حرباً شرسة من أجل بلوغ الاستقلال، مستخدماً التكتيكات التقليديّة لمثل هذه الحرب، من كمائن وهجومات مباغتة علي تجمعات جيش المحتل، مُجبراً البريطانيين، في النهاية، علي القبول بمبدأ التفاوض.غير أن سيناريو الفيلم يخرُج عن عموميات ثنائيّة الإحتلال والمقاومة، ليُسلّط الضوء علي أخوين انخرطا معاً في حركة المقاومة ضدّ المحتل. الأوّل، رأيناه في موقف بالغ الشجاعة والصلابة، وهو يتعرّض لتعذيب المُحتل، حيث تُنتزع أظافره بالكماشة، في مشهدٍ سيتكرّر في أزمنة أخري تُشبه زماننا، وفي سجون احتلالات أخري سنعاني منها. أما الأخ الثاني، فهو يتنازل عن مشروع عُمره باستكمال دراسة الطب، ليلتحق بالمقاومة المُسلّحة في الجبال.لم تكن حركة المقاومة الإيرلنديّة بمنجي عن الإرتجال والعفويّة وغياب التخطيط، رغم النجاحات الميدانيّة التي أُحرزتها، علي المستويين العسكري والسياسي، حتي أن الأخ الأكبر يطلب من أخيه أن يتولّي إعدام صديق طفولته بإطلاق الرصاص عليه، بعد محاكمة ميدانيّة خاطفة ومرتجلة، بتهمة التعاون مع المحتل، فيفعل ذلك. وعندما يقود الثائر القاتل أم صديقه إلي قبر ابنها، تكتفي الأخيرة بأن تحدجه بنظرة قاسية وهي تردد: الآن.. إغرب عن وجهي! لكن الخلافات السياسيّة تندلع بين الأخوين، انعكاساً وتعبيراً عن شتعالها في بلاد باتت تشهد حرباً أهليّة طاحنة. الأخ الأوّل أصبح ينتمي إلي تيارٍ سياسي براغماتي رضي بالتفاوض وأنجبت له المفاوضات كياناً هزيلاً، أدي فيه قسم الولاء للتاج الملكي البريطاني، ليصبح الثائر القديم في موقع عسكري مُتقدِّم. أما الآخر، فقد تشبّث بالمبادي وعبّر عن قناعته بأن مهمات التحرر الوطني لم تُنجز بعد، فما بالك بإنجاز مهمات الثورة الاشتراكيّة التي يتشوّف إليها حالم مثله؟! الصراع بين الأخوين يشهد نهايته المأساويّة، عندما يعتقل الأخ أخاه. ويبلغ الشقّ بينهما مداه عندما يُعطي الأخ الأكبر أوامره العسكريّة لفصيل الإعدام بإطلاق الرصاص علي أخيه. لأخ يقتل أخاه. يذرف عليه بضع قطرات من الدموع ويذهب بنفسه إلي أرملته ليسلمها رسالته الأخيرة، وصيّته ومتعلقاته، فلا تجد المرأة سوي أن تصرخ في وجه الأخ القاتل، مُرددة: الآن.. أغرب عن وجهي!الريح التي تشبه ريحاً حرّكت حقل الشعير، هي ريحنا. أمّا أولئك الذين يدفعون بنا نحو مثل تلك النهاية التراجيدية، حيث الأخ يضع أخاه أمام فصيل الإعدام، فإننا نصرخ في وجوههم، بكلّ ما أوتينا من روح: إبعدوا هذه الريح عنّا.. واغربوا عن وجوهنا! كاتب من فلسطين[email protected]