قام مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي، من مختلف الجنسيات والانحيازات، بمشاركة مئات من التسجيلات المصوّرة القصيرة (وسنطلق عليها هنا تسمية «ريلز» كما في موقع أنستغرام) بعد عملية «طوفان الأقصى» والحرب التي شنتها دولة الاحتلال ضد غزة. تلك التسجيلات اختلط فيها الحقيقي بالمزيّف؛ الدموي بالمثير للمشاعر الرقيقة؛ البطولي بالمأساوي، وقد ساهمت تلك «الريلز» في خلق حالة كبيرة من الاحتقان والتشنّج، ليس فقط بين الجمهور العربي، بل أيضاً حول العالم.
سبق لكثير من المفكرين انتقاد «العلامات اللافتة للانتباه» التي تنتشر على مواقع التواصل، أي التسجيلات والصور والعبارات والأخبار، وغيرها من الرموز اللغوية والسمعية والبصرية، التي لا تشير إلى دلالات واضحة ومترسّخة ومتوازنة، بقدر ما تعمل على مستوى التحفيز العصبي، واستثارة ردود فعل شبه غريزية من متلقيها، ما يضمن بقاءهم «على الشبكة» وإنتاجهم مزيداً من البيانات القابلة للتداول. كما تم التركيز على دور مثل تلك العلامات في دفع البشر لمواقف غير عقلانية، ومتطرّفة، وعنصرية. إلا أن فيضان «الريلز» الأخير تجاوز كل هذا، لا نتحدث هنا عن مجرّد «أخبار زائفة» عمّا حدث في الأراضي الفلسطينية، رددها دون مسؤولية حتى الرئيس الأمريكي جو بايدن، بل عن رموز شديدة الاستفزاز، ومثيرة جداً للأعصاب، ومؤدّية لما يشبه الرضّة النفسية، تتعلق بحرمة الجسد الإنساني، واغتصاب النساء، وانتهاك الأطفال. لم يعد الموضوع لفتاً للانتباه، وإنما علامات دموية لها تبعات قاتلة، سيدفع ثمنها مدنيون وبشر لا ذنب لهم، ويستطيع أي شخص كان، في أي مكان بالعالم، نشرها كما يشاء، وهذا لا يمكن تشبيهه حتى بدور الإذاعات في مجازر التطهير العرقي في راوندا مثلاً، فعلى الأقل لتلك الإذاعات مشرفون معروفون، كان يمكن، من حيث المبدأ، إيقاف أفعالهم، ومحاسبتهم عليها.
وعلى الرغم من أن جهات إعلامية، توصف بالمهنيّة، تبذل جهداً في سبيل التحقّق من فيض الصور والبيانات، وتقديم أنباء أكثر صحّة وتوثيقاً، إلا أن الوضع الحالي مثير لقلق كثيرين، في ما يتعلّق بصراعات المستقبل، التي من المتوقع أن تزداد حدّة ودموية، إذ أن شهية الناس مفتوحة دائماً لـ»الريلز» ولم يعد كثير منهم قادراً على تركيز انتباهه لقراءة مقال، أو متابعة نشرة إخبارية مهنيّة حتى النهاية، وهذا يعني أن المؤيدين للمجازر، والتطهير العرقي، والحروب الكارثية، قد يكونون مجرّد أشخاص رأوا تسجيلاً دموياً ما، وسط تمريرهم لعشرات التسجيلات الأخرى، حول الأزياء والسياحة والرياضة. هل هذا القلق مبالغ فيه؟ وهل يعطي لمواقع التواصل وعلاماتها قيمة زائدة عن اللزوم؟ أم أن «الريلز الدموي» أكثر من مجرّد ظاهرة عابرة؟
المترحّلون المتطرّفون
يمكن نقد المبالغة في القلق من «الريلز» وأشباهه بأن الناس عموماً لا يعيشون في مواقع التواصل، حتى لو كانوا يتأثّرون بها، فالمنظومات الأيديولوجية والسياسية والاجتماعية، التي تصنع انحيازاتهم وردود أفعالهم، أكثر عمقاً من مجرد تصفّحهم لبعض التطبيقات على الهاتف. وفي النهاية كان لكثير من الأنظمة القمعية إعلامها و»ثقافتها الجماهيرية» القادرة على دفع كتل سكّانية كبيرة إلى مواقف شديدة الدموية والعنصرية، بشكل أكثر تنظيماً وتركيزاً مما تؤدي إليه الصور والتدوينات والتسجيلات القصيرة المعاصرة، لكنّ ظاهرة تشتت الانتباه الشديد لدى متابعي «الريلز» تبدو أكثر من مجرد تأثير قد تكون له تبعات أيديولوجية تقليدية، بالأحرى هي ظاهرة أيديولوجية وحيوية في الوقت نفسه، بمعنى أنها تشير إلى ضعف القدرة العصبية على التركيز، في قضايا تتطلّب تركيزاً كبيراً، فينتقل البشر من عاطفة إلى أخرى، ومن رأي إلى آخر مناقض، بسرعة شديدة، ودون أي أساس، ما يعيق تشكّل موقف سياسي أو أخلاقي يتمتّع بشيء من الرسوخ.
يمكن نقد المبالغة في القلق من «الريلز» وأشباهه بأن الناس عموماً لا يعيشون في مواقع التواصل، حتى لو كانوا يتأثّرون بها، فالمنظومات الأيديولوجية والسياسية والاجتماعية، التي تصنع انحيازاتهم وردود أفعالهم، أكثر عمقاً من مجرد تصفّحهم لبعض التطبيقات على الهاتف.
كما أن هذا يجعل مخزوناً كبيراً من الأفكار، التي قد تكون خطيرة، مثل الأفكار الدينية والقومية، متاحاً لـ»الاستخدام» دون منهج أو ضابط، ينتقي منه الأفراد ما يرغبونه، أو يجذبهم، لتبرير تصرّفات وأفعال قد تكون شديدة الغرائزية. يطرح هذا أسئلة مهمّة عن مفهوم الذات المعاصرة نفسها، فهي لم تعد ذاتاً سياسية أو أخلاقية بأي معنى متعارف عليه، ولا تتبع «تقليداً» واضحاً، بقدر ما تبدو «مترحّلة» على مستوى شديد السطحية.
إلا أن المترحّل يمكن إعادة توطينه، وشكل الذاتية، الذي اعتُبر الأساس في «إعادة التوطين» في عصرنا، وسط كل هذا التشتت، هو الاستقرار في نموذج الفرد/المستهلك، المُنتج والمتلقي لآلاف البيانات والعلامات. ربما يجب إعادة التفكير بهذه النتيجة، مع بروز ظاهرة «الريلز الدموي» إذ قد يظهر نموذج آخر، هو الجمهور المؤيّد لأكثر الوقائع وحشية وتطرّفاً من جهة، وغير الفاعل سياسياً أو اجتماعياً من جهة أخرى. وإذا كان الفرد/المستهلك نموذجاً مناسباً لفترات الازدهار، أو «التوسّع الرأسمالي» بلغة أخرى، فإن الجمهور المتطرّف والمعطّل سياسياً، قد يكون مناسباً أكثر لفترة أزمات ذلك التوسّع المستعصية.
من الظواهر المثيرة للقلق أيضاً أن كثيراً من الأنظمة الشمولية، أو التي قامت بممارسات دموية خارج حدودها، لاقت معارضة منظّمة وقوية، وذلك بفضل ما يوفّره الجدل في الحيّز العام، حتى لو كان مقموعاً أو محاصراً، من إمكانيات نقدية، في عصر «الريلز» لا يتوفّر ذلك النوع من الجدل، وإنما فقط نقرات وتفاعلات وتعليقات على صورة أو تسجيل منتشر، تزيد من أثر تحفيزه العصبي سوءاً. يعيدنا هذا إلى طرح الناقد الثقافي البريطاني آلان كيربي، مطلع هذا القرن، عن الحداثة الزائفة/الرقمية، إلا أن كيربي لم يتخيّل لها مضاراً أكثر من منتجات ثقافية «بالغة التفاهة» وإفراغاً للسياسات العامة من محتواها الديمقراطي، لكن ماذا إذا ظهر متطرّفون عقائديون، تنبني ثقافاتهم بأكملها على تداول «الريلز» واستهلاكه، ويساندهم جمهور واسع من المعجبين؟ يحدث هذا حالياً في الحرب الروسية – الأوكرانية؛ ويحدث أيضاً بين كثير من المتطرفين في الصراعات الدينية في الهند؛ واليوم انتقل إلى كثير من مؤيدي الحرب التي تشنّها دولة الاحتلال.
تنظيمات «الرؤوس الحامية»
يميل بعض المنظّرين السياسيين إلى تفسير عدم قدرة الناس، أو رغبتهم، بالعمل ضمن تنظيمات سياسية كلاسيكية، مثل الأحزاب والنقابات، بتفتت المواطن التقليدية للعمل واللقاء الاجتماعي، مع تقدّم اقتصاد الخدمات والعمل العاطفي، ما أدى إلى تغيّر نظرة الناس لذواتهم، ولوجودهم الاجتماعي. وقاد هذا إلى بعض التفاؤل، بأشكال جديدة للعمل السياسي والاجتماعي، أقل هرميّة وقمعية وأبوية مما عُرف حتى ستينيات القرن الماضي، مثل «التنظيم الشبكي» وانتفاء الحاجة لـ»الزعامة الكارزمية» والتنسيق المتبادل بين الناس عبر وسائل التواصل، التي كانت، في زمن ظهور تلك التنظيرات، «جديدة».
أحداث العقدين الأخيرين بيّنت فشلاً كبيراً لكل «التنظيمات الشبكيّة» و»الثورات دون رأس» لكن، في المقابل، برزت بقوة تنظيمات أخرى، وبرؤوس حامية إن صح التعبير، وهي الميليشيات، التي لم تَسُد في دول عربية كثيرة فحسب، بل لها وجود كبير أيضاً في الحرب الروسية – الأوكرانية، سواء الميليشيات العقائدية والهوياتية، أو ميليشيات المرتزقة، التابعين لـ»شركات أمنية»؛ وليس من المستبعد أن تظهر مستقبلاً، في دولة الاحتلال، ميليشيات منظّمة وفعّالة من المستوطنين، خاصة إذا طال أمد الحرب؛ حتى في الدول «المتقدمة» مثل ألمانيا وفرنسا وأمريكا، هنالك قلق جدّي من بروز ميليشيات يمينية أو يسارية متطرّفة. قد يجد نموذج «الذات المترحّلة» في الميليشيا مُستقرّاً مناسباً جداً له، لما تؤمّنه، في فترات الاضطراب، من تفريغ مباشر لمشاعر النقمة والفشل، المرافقة للخراب الاجتماعي، وكذلك ترميزات سهلة ومبتذلة، تشبه «الريلز الدموي» متعلّقة بالبطولة والانتقام للمظالم التاريخية.
ترميم المجتمع
يعرف من عاصروا الحروب الأهلية العربية، في القرن الماضي، أن كثيرين من مقاتلي الميليشيات بدأوا شباباً متحمّسين، يحملون أفكاراً سياسية وعقائدية كبيرة، ثم، عبر مسيرة الحرب، تحوّلوا إلى مجرّد «زعران» يضطهدون مجتمعاتهم المحليّة ويمزقونها، قبل تمزيق مجتمعات أعدائهم من هويات أخرى. فكيف سيكون الحال مع نموذج الميليشيات المعاصر، التي يبدأ مقاتلوها «زعراناً» بالأصل، لا أفق لهم أبعد من التحفيز العابر؟ تجعل هذه المخاطر ما يمكن تسميته ترميم وإعادة بناء المؤسسات الاجتماعية أمراً شديد الإلحاح، وفي كل الظروف، بما فيها الأشد قسوة. وهذه مهمة سياسية أساساً، ومن جوانبها الأساسية عدم الخضوع لمنطق «الريلز الدموي» ليس فقط عبر «فحص الوقائع» الذي تقوم به بعض الجهات الإعلامية، بل أيضاً برفض نمط الجدالات، والآراء، وردود الفعل، والمواقف، الذي ينتجه تداول تلك التسجيلات والصور؛ ومحاولة تنظيم جدل اجتماعي، عبر كل الوسائل الممكنة، تحكمه أخلاقيات الحيز العام الكلاسيكية، ومن أهمها صياغة الحجج العقلانية؛ وتجنّب التعبيرات الذاتية والعاطفية البحتة؛ وحرية التعبير والمعتقد؛ وإمكانية التحقّق من كل ادعاء عبر النقد. كل هذا ليس ترفاً، لكنه محاولة لاستعادة التماسك في زمن «الريلز».
كاتب سوري