عندما شاهدت على القنوات الفضائية صور القمع الأمريكي الممارس على المحتجّين الشباب أصحاب صرخة ‘احتلوا وول ستريت’ المناهضين للسياسة الاقتصادية المطبقة من طرف حكامهم الرأسماليين والصقور من أصحاب المال والأعمال ممّن انتفخت بطونهم مقابل جفاف الخزينة العموميّة والبنوك المالية وتقلص جيوب المواطنين، وما زالوا متشبثين بكراسيهم وأياديهم في جيوبهم قابضة ‘الدولار’ بدون أي مبادئ أخرى. عندما شاهدت تلك الصور وسمعت تصريحات المسؤولين الأمريكيين حيال الأزمة التي انتقلت من الاقتصادية إلى الاجتماعية، لم أسمع لا أوباما ولا كلينتون ولا وزير الخزانة ولا قيادة الأركان ولا الكونغرس ولا البنتاغون.. وما أدراك ما ‘البنتاغون’ تكلموا حرفا واحدا عن ما يسمّى عند ‘العرب’: ‘المؤامرة’.. أو ‘المؤامرة العظمى’، إنهم لا يؤمنون بالخيال ولا بالغول الذي يخيف الأطفال.
فلون الأزمة ‘اقتصادي’ وهذا مفهوم ويقينيّ وتتحمله السياسة المالية الرأسمالية وهذا أيضا واضح ومعقول، لكن خروج المتظاهرين إلى الشوارع رافعين لافتات تدعوا لأول مرة في تاريخ ‘حرية الشّعب’ في بلاد ‘العم سام’ تطالب بإسقاط ‘النظام الرأسمالي’.. وها نحن في بداية المرحلة ومع تطور القمع سوف نشهد تطورا لا محالة في رنين الشعارات التي ربما سوف تنادي بإعدام ‘أرباب النظام الرأسمالي’ الفاحش والمتغول والمتجبر على الضعفاء بحجة حرية الملك والامتلاك وليبرالية النظام الاقتصادي.
تدير رأسك باتجاه أوروبا وتعود قليلا للوراء في ‘روما’ أين سقط ‘سلفيو برلسكوني’ رئس وزراء إيطاليا العاشق للّحم الطري من ‘شقيقاته’، وهو الذي لم يتورع في الافتخار بعلاقاته ‘الجنسية’ مع بائعات الهوى الموجودات قرب قصره في إيطاليا وفرنسا ومالطا رغم منصبه المرموق سياسيا واقتصاديا وحتى رياضيا.. فهذا الرجل قدّم ورقة استقالته مع حكومته لرئيس الدولة بدون أن يدافع عن كرسيه دقيقة أو عن حكمه ولو بحرف، ولم يتهم ‘مؤامرة مافيوية’ نسجت ضده أو ضد إيطاليا لكي تبعده عن الحكم في بلاد ‘المافيا’ أو كما يقولون أنّها خرجت من هنا، ولم يلصق التهمة بإحدى صديقاته ممّن نامت معه في فراش واحد واستمتعا بالليالي الملاح في ‘البندقية’، رغم أنّ الرجال لا يأتمنون النساء خاصة إذا كانوا مشهورين كحال المغضوب عليه ‘برلسكوني’. و في فرنسا قالت آخر الأخبار القادمة من عاصمة ‘الجن والملائكة’ أنّ العشرات من المحتجين قُمعوا هناك لأنهم تجرّؤوا على الخروج من الصّف مرددين شعارات ضد ‘الرأسمالية’ وتغوّل المال على الأخلاق وهذا يعرفه جيدا الرئيس وزوجته ‘كارلا بروني’ وحكومة ‘فرنسوا فيون’ اليمينيّة لكن ما لم يلحقنا أن قصر الايلزييه ألصق هذا الخروج العادي عن ركب الرأسمالية في بلاده بمؤامرة يقودها ‘مجهولون’ ضد ‘فرنسا البونبارتيّة’ أو ‘فرنسا الساركوزية’ التي يُرسي دعائمها ابن مهاجر من ‘المجر’ اسمه ‘نيكولا ساركوزي’. و في ‘إسبانيا’ أين تشم رائحة العرب والمسلمين ممزوجة برائحة ‘الأندلس’ قابل الحزب الاشتراكي الحاكم في البلاد المظاهرات بعين نصف مغلقة ولم يلصق بها تهما تتعلق بمؤامرة يقودها ‘إسلاميون’ يخططون لسرقة الأندلس ومدن غرناطة وقرطبة من يد العائلة الملكيّة وتحويلها إلى ‘خلافة سابعة’ يلصقونها ‘بالخلافة السادسة’ التي بشر بها القيادي في حركة ‘النهضة التونسية ‘حمادي الجبالي’ قبل أسبوع.
أما في بلاد أفلاطون وسقراط وإقليدس وعباقرة الفلسفة العظيمة لم يتهم ‘باباندريو’ رئس وزراء اليونان المقال المحتجين في بلاده من أبناء جلدته، أنهم متآمرون يصنعون ‘مؤامرة’ يقودها شيوعيون للاستيلاء على حضارة من أقدم الحضارات في تاريخ الإنسانية وتحويلها إلى علبة ديكتاتورية مسودة بظلام الجهل والفساد والقهر وقمع الناس وتحويل العلم اليونانيّ من أزرق وأبيض لأسود بالكامل وسرقة الملكيّة الفكرية لفلاسفة ‘أثينا’ وبيعها لعلماء آخرين لا يملكون ربع فلسفة سقراط وأبوقراط وغيرهما.
في العالم العربي.. أين كل شيء مرتبط بوحش خيالي اسمه ‘المؤامرة’، كل مخلوق له مؤامرة تتبعه إلى يوم الدين، الشيطان مؤامرة، الجن مؤامرة السماء مؤامرة، المرأة بالنسبة للرجل مؤامرة، والرجل بالنسبة للمرأة مؤامرة، الطبيعة كلها مؤامرة، حينما يفيض النهر مؤامرة، وحينما يجفُّ مؤامرة مجهولة.
الأنظمة التي لها علاقات توصف’ سمن على عسل’ مع أمريكا عندما تمسُّها قشعريرة برد ترجع هذا إلى مؤامرة ‘إمبريالية’ والتي لها علاقات مع الكيان الإسرائيلي وتطبّع جهارا نهارا معه، عندما تسمع صوتا ‘عبريا’ ترجع هذا إلى ‘مؤامرة صهيونية’ ومن لها حساسية من صوت الله ترجع هذا إلى ‘مؤامرة تطرف’ تتربص بها.
يا أيتها المؤامرة من تكونين؟ وأين تسكنين؟ وما هو لونك وطعمك ورائحتك؟ اختفى ‘بن لادن’ نحو عشر سنوات وتم كشفه واغتياله ورميُه في البحر، لكن لا أظن أنهم سوف يجدونك في جبل أو غابة، لأنك تتحصنين في عقولهم وأفئدتهم وكل عضو من أعضائهم.. إنك حاستهم السّادسة.. إسلام كعبش[email protected]