الرّاهن السياسي في تونس والأفق الممكن

حجم الخط
0

فتحي العكرمي تكمن المفارقة في أنّ كل خطاب سياسي يكون دوما مصحوبا بحسابات عاجلة وأخرى مؤجّلة أو هي العقل الحِسابي وقد انقطع عن كل القِيَم: الصّدق، البعد الإنساني، الشّفقة على الضعيف ولو أنّها في ذاتها حساب يُرجى منه مصلحة انتخابيّة، لكن في ظلّ هذا هل أنّ الرّاهن السياسي في تونس في علاقة مع هذا المطلب الجوهري وهو التّأسيس لوطن مختلف عمّا كان عليه قبل الثّورة؟هل أنّ مفهوم الدّولة كمصطلح حديث سيظلّ محافظا على معناه المرتبط بمجتمع مدني منظّم بواسطة القانون مع ما يتطلّبه ذلك من سُلط مستقلّة وتعمل لأجل الوطن؟البداية الخاطئة : تمّت الانتخابات في تونس بعد الثّورة بطريقة لامست الشّفافيّة بحضور مراقبين دوليين مقارنة مع ما كان يحدث مع السّلطة السّابقة، غير أنّ المشكلة تمثّلت في الأحزاب التي شاركت فيها والتي قامت بالدّعاية لانتخابات رئاسيّة وهو ما غالط المواطن وقد ساهم في ذلك الثقافة السياسيّة التي لم تكن معهودة لأنّها كانت ممنوعة ومحرّمة، فقبل الانتخابات بعد الثّورة أطلق كل حزب وعودا ورديّة من توفير الشّغل والبنية التحتيّة والمستشفيات…. وهي مغالطة أخفت وراءها الغاية الأساسيّة منها وهي اختيار نوّاب يكتبون دستورا ينظّم السُّلط ويفصل بينها ويحدّد الحقوق والواجبات في مختلف المجالات. هذا الخطأ أنتج علاقة مربكة بين الائتلاف الحاكم ـ المؤتمر من أجل الجمهورية- النهضة-التكتّل وبين المواطن ومن جهة ثانية بين الثلاثي الحاكم وبين الأحزاب المعارضة الموجودة في المجلس التّأسيسي أو خارجه مثل الحزب الجمهوري وحزب العمل. يتمثّل المشكل المطروح بين الحكومة والشّعب في أنّ الأخير ـ ولو بشكل لاشعوري- بقي على قناعة بأنّ من انتخبهم لقيادة البلاد وصياغة الدستور في هذه المرحلة الانتقاليّة مُطَالبون بتحقيق المطالب المتعدّدة كالشّغل وإطلاق الحرّيات والعدالة بين الجهات والالتفات إلى المناطق المحرومة منذ سنوات، والتصريح الأخير لرئيس الحكومة دليل على ذلك إذ بيّن أنّ النّهضة لم تصارح من انتخبها منذ البداية ولم تبيّن حجم التحدّيات المطروحة على مختلف الأصعدة. يتمثّل الخطأ الآخر في تشتّت الأحزاب أثناء الانتخابات فانقسم اليسار إلى تيّارات متعدّدة لم تستطع تبسيط خطابها ليفهمه عامّة الشّعب، فتسمية حزب العمل الشيوعي أو الديمقراطي ارتبط لدى العديدين بالكفر والإلحاد ممّا جعل الأصوات التي انتصرت له قليلة لذلك فهذه الأحزاب التي بدأت متفرّقة اتّفقت مؤخّرا على ائتلاف يضمّ جبهة شعبيّة جمعت مجملها ربّما لإحداث توازن بين الثلاثي الحاكم وبين مسار ديمقراطي حداثي. في ذات السّياق تكمن الصعوبة الأخرى في طريقة التّعاطي مع الأحزاب التي ترى في الديمقراطيّة كفرا وفي الجمهوريّة أمرا مناقضا للخلافة التي تستمدّ مشروعيتها الدينيّة والسياسيّة من سلف صالح، فالمفارقة التي طُرِحت على الحكومة هي أنّ السّماح لهذه الأحزاب بالنّشاط العلني القانوني يخلق قوّة تريد أن تفرض نمطا مجتمعيّا لم تعهده تونس وفي المقابل رفض إعطائها التّأشيرة يتناقض مع مطلب الديمقراطيّة كرهان ثوري.في ظلّ أوضاع اجتماعيّة لم تصل إلى ما أرادته الثّورة مع البداية الخاطئة سياسيّا في الانتخابات مع تناقض المصالح السياسيّة بين أحزاب متحالفة في الظّاهر ومتناقضة جوهريّا في الطّروحات تكمن الصّعوبات التي يجب تشخيصها بفكر نقدي يقبل الاختلاف ويعتبر تصحيح الأخطاء جوهر العمليّة السياسيّة. الصّعوبات الرّاهنة وشروط تجاوزها : ينفتح الواقع التونسي على جملة من الصعوبات التي لا يمكن تجاوزها الا بشروط يجب على الجميع إدراك أهمّيتها والاقتناع بضرورتها ثمّ الاتّفاق على العمل بها وفق توافق يجمع مجمل الأطياف السياسيّة الحاكمة والمعارضة مع مكوّنات المجتمع المدني إضافة للاتحاد العام التونسي للّشغل بقدرته على تجميع أطياف لا يمكن لها الالتقاء بمعزل عنه: – إقرار الحكومة بأنّها لم تُقدّر حجم التّحدّيات وبأنّ وعودها للشّعب لم تجد تطبيقا لأسباب اقتصاديّة… يجب أن يكون متبوعا بحوار جادّ وصريح تكشف فيه عن الأسباب التي منعتها من تحقيق المطلوب ومعرفة التحدّيات والإمكانيات المتوفّرة وكيف يمكن استغلالها وهذا يمثّل حلاّ بإمكانه تخفيف حدّة التوتّرات الاجتماعيّة وتوفير المناخ الملائم لإتمام كتابة الدّستور.- على الثلاثي الحاكم الوعي بالمسؤوليّة التّاريخيّة التي يقومون بها ليس للظروف الصّعبة فحسب بل وأساسا لأنّهم يصنعون البداية لمستقبل سياسي ‘والبداية تكون أعظم الأشياء’ لأنّ تبعاتها ستكون لقرون لاحقة، وهذا يشترط أن يكون حكمهم الانتقالي متّجها صوب عدالة انتقالية بالمعنى الحقيقي للكلمة أي أن تتمّ محاسبة من أجرم في حقّ الشّعب وتسبّب بشكل واضح في مصائب العباد والبلاد وهذا يقتضي استقلاليّة كاملة للقضاء ممّا يمكّنه من تطبيق القانون على الجميع بمعزل عن علاقتهم أو بعدهم عن الحزب الحاكم. – اعتبار الحقّ في الشغل والكرامة والحرّيّة كُلاّ لا يتجزّأ فهو رهان كل مواطن ومواطنة ، فليس من المعقول في عصر الثّورات ـ التي هي نتاج للتقنية ووسائل الاتصال الحديثة والصّورة والنقل المباشر للأحداث أن نفصل داخل الدّولة بين ذكر له كل الحقوق وبين أنثى مُكمّلة للرّجل، فقد يكون الأخير حائزا على كمال تنقصه نسبة مئويّة ضعيفة تكمّلها المرأة خاصّة إذا عرفنا أنّ المرأة التونسيّة هي الدّكتورة في الطب والفلسفة والتاريخ والكمبيوتر وقيادة الطّائرة والأديبة في هذه الحالة يتمنّى الرّجل أن يكون هو المكمّل لها وليس العكس، فما الذي يمنع بنود الدستور أن تكون صريحة وواضحة مثل: المواطن والمواطنة يتساويان في الحقوق والواجبات إلا إذا اعتبرنا المرأة من درجة ثانية بل أخيرة فيصبح وجودها في الدّولة وجود الغريب والثّانوي والهامشي. – الوعي بأنّ الدّستور الذي يُكتب الآن ليس لأجل أغلبية حاكمة أو أقلّية معارضة بل هو لمستقبل الوطن بأكمله ستولد فيه أجيال جديدة ستطوّره وتجعله فاعلا في عالم متحوّل وكلّ بند لا يراعي هذا سيكون آنيّا مصلحيّا. – فكّ الوصاية عن الإعلام والنّظر إليه بما هو مِلك عمومي وليس حزبيّا خاصّا، والأخير مُطالب بالإسراع نحو التحسّن والموضوعيّة والانتصار للوطن وللمواطن – الأحزاب الموجودة خارج الحكم هي ذاتها تتحمّل مسؤوليّة تاريخيّة لأنّها تساهم في هذا الانتقال بالبلاد من مرحلة قديمة سلبيّة تجاه مرحلة أفضل، فكما لها الحقّ في النّقد والكشف عن أخطاء الحاكمين فهي مُطالبة بالبحث عن حلول للمشاكل وتقديم بديل يساعد البلاد على التخلّص من الصّعوبات.- الإسراع في كتابة الدّستور وإجراء انتخابات تعيد للبلاد استقرارها وللمواطن الأمل في مستقبل أفضل.- توسيع آليات التّشاور والتوافق بين الأحزاب الحاكمة والمعارضة من أجل البحث عن حلول متعدّدة للمصاعب الرّاهنة والآتية. – رفع الوصاية عن اللجنة العليا للانتخابات وجعلها مستقلّة لكي تكون أداة لتكريس التداول السلمي على الحُكم وليس وسيلة لتثبيت حزب دون آخر.لا يمكن تجاوز التحديات المختلفة التي تعيشها تونس: سياسيّة – اقتصادية-إعلامية ـ قضائيّة ـ إلا بتجربة توافق تمرّ ضرورة عبر تفعيل وعي سياسي واجتماعي قادر على النّقد الفعّال والبناء الايجابي لكي لا تكون الثّورة فاقدة لحلقة أساسيّة فتضيع رهاناتها وهي: العقل المنتج والقابل للحوار والاختلاف الذي يرى في كل مواطن فرد جوهر العمليّة السياسيّة ذاتها.’ كاتب تونسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية