الرّبيعُ العربيّ وحُرِّيَّةُ الرّقِيق

حجم الخط
0

حازم مقدادييتناول الكاتب الأمريكي ‘فريدريك دوغلاس’ في كتابه الشهير ‘مُذكّرات عبْد أمريكي’، حِقْبَةَ الرّقيق وما لَقِيَهُ المُستعبَدون من ظُلْم ووَيْلات في الولايات المتحدة الأمريكية إبّان الحقبة تلك على أيادي البِيض مِن قاطني تلك البلاد. وبرغم تركيز الكاتب على البُعْد الإنساني والأخلاقي في استعراضه وتأريخه لتلك المرحلة من التاريخ الإنساني والأمريكي، غير أنه لم يُغفل الجانب الفلسفي والرّمزي أثناء تقييمه لتفاصيل ذلك العهد. إذ يُلاحظ القاريء أن الكاتب تجاوَزَ العرض والتأريخ لِيَلِجَ في تفاصيل مُهِمَّةٍ ومِحوريّة بُغْيَةَ إظهار وتوضيح فلسفة الإستعباد بِبُعْدَيها الطَّبَقِيّ والمُمَنْهَج في سبيل تكريس مُجْتَمَع قائم في بنيته على الإستعباد وترسيخ العبودية. إذ اعتمد ‘دوغلاس’ في معرض تحليله على مَحاوِرَ ثلاث: أولها مستوى الجُّرعة العلمية والمعرفية، وثانيها مقاربة الخطأ إلى الخطيئة، بينما تَمَثَّلَ المحور الثالث في عملية التحرير الجزئي والعشوائي للمُستعبَدين. ودَعَمَ كل ذلك بما خَبِرَهُ من أحداث واختبره من مواقف هو ورفاقُهُ اللذين رَزَحُوا تحت نِيْرِ العُبودية وبراثن الإستعباد.إذْ بَدَأ الكاتب بتناول وسَرْدِ عددٍ من القصص والمواقف التي تَصِفُ حجمَ الاستبداد الذي مارَسَهُ السّادة البِيض بحق أولئك المُسْتَعْبَدِين بُغْيَةَ ترويضِهِم وتحقيق أقصَى دَرَجَات الطّاعة والإذعان، بل والتعامل معهم بمعايير لا تمتُّ للإنسانية بأيّما صِلة. إذ يُحللُ الرجلُ تلك العلاقة النسبية بين الخطأ الذي يقترفُه المُسْتَعْبَدُ وبين العِقاب الذي يوقعُه عليه سيدُه، فيَخْلُص إلى تعاظم نسبة العقوبة إلى الخطأ كنتيجة لتعامل السّادة البيض مع هفوات المُستعبَدين بإعتبارها خطايا لا أخطاء. ويُدللُ الكاتب على ذلك من خلال استذكاره لبعض الوقائع التي انتهت بمُعاقبة المُستعبَد بِقتلِه أو بتشويهه كَرَدٍّ على أخطاء بسيطة مُرتبطة في معظمها بإتقان الأعمال وليس بأعْرَافِ الطّاعة والاستعباد بمفهومه الأساسي وفلسفته المحورية. كما يرَى الكاتبُ أن أسلوبا كذاك لم يَتِمَّ اتّباعُه إلا لترسيخ سياسة الاستعباد وضمان استمراريتها. وفي هذا السياق انتقل ‘دوغلاس’ للحديث عن حِرْصِ السّادة على تغييب عقول الرّقيق، بل وتأطيرها بأُطُر الجهل والبؤس في سبيل تكريس حالة من الإقتناع والتسليم بعدالة الإستِعْباد في وجدان السُّود أنفسهم، مما كان له الأثر الكبير في تلاشي الشعور بالظّلم لدى طَيف عريض من أولئك المُستعبَدين، بل وتَمَاثُلِ معظمهم للرضى بقواعد الحياة والعيش في المجتمع الأمريكي العنصريّ آنذاك.غير أن أبْرزَ وأخطرَ المحاورَ هو ذاك المتعلق بتجريع المُسْتَعْبَدِين جُرعاة مُقَنَّنة ومُوجّهة من الحُريّة بشكل مُمنهج ودَوْرِي. إذْ يتحدث الكاتب في هذا السياق عن تخصيص يوم واحد فقط كلَّ حَوْلٍ، كان يُؤْذَنُ فيه للمُستعبدين بالتوقف عن العمل وبممارسة كل ما يريدونه من احتفالٍ وشَرَاب وتزاوُرٍ فيما بينهم، دونما تدخُّلٍ من سادَتِهِم أو تَضْييقٍ من أيّ نوع كان، بينما يَعُودُون سيرَتَهُم الأولى في اليوم التالي ليومِ ‘الحُرِّيَّةِ’ ذاك. ويرى ‘دوغلاس’ أن ذاك اليوم بالذات كان من شأنه أن يُفاقِمَ الفجوة بين أولئك المُستعبَدين من جانب وما يتوقُون إليه من تَحَرُّرٍ وحُرّيّة من جانب آخر، ذاك أن تَعَطُّشَ المُستعبَدين لحُرِّيَّاتهم كان يدفعُهم إلى التّهافت بعشوائية، ورُبما بشراهَة على كلّ ما هُم محرومون منه وممنوعون عنه، مما كان يُعطي الحُرّيّة شَكْلَاً مُزعجا ومُضطربا لا يَسْتسِيغُهُ المُستعبَدون، فَينفرُون مِنْهُ بالضرورة، بل ورُبما تَنْكَفِيءُ في نفوسهم تَطَلُّعَات التّحَرُّر والخلاص. ومن هنا فقد كان يومُ الحُرّيّة ذاك، سبيلَ السّادَة لتحقيق حالة مِن الرّضَا والقناعة لَدى المُستعبَدين بواقعِهم وأقْدَارِهم. ثم ما لبثت الظروف أن تَغَيَّرَت وأفضت إلى قرار تاريخي بتحرير الرقيق وإنهاء الرّق. غيرَ أنّ ذاك القرار الذي إتّخذَه الرئيس الأمريكي ‘أبراهام لينكولن’ من العام 1862، والذي جاء في سياق الحرب الأهلية وإنتصار نضالات المُستعبَدين وتَضْحِيَاتِهم في سَبيل الحُرِّيَّة والكرامة لمْ يُخَلِّص الرّقيق من الرّقّ لِيَنْقُلَهُم نحوَ نَعِيمِ الحُرّيّة بِطَرْفَةِ عَيْن. إذْ كان على أولئك المُستعبدِين حَدِيثي العهد بالحُرّيّة، كان عليهم أن يُكَابِدُوا وَيْلات التّحرّر العشوائي بَعْدَ أن سُلِبُوا أهلِيَّتَهُم ولم يتَعَلَّمُوا شيئا سِوَى ‘أن الطاعة هي سبيلُ التّرقي’، فخرجُو من ظلام العُبُودية بِلا عِلْمٍ أو إرثٍ يُنَجِّيهِم بشكلٍ فعليٍّ وجذري مما قاسوه إبان حِقْبَة الرّق، مما أسقَطَهُم من جديد رهينةً لمِزاجية وعُنْصِرَيّة البِيْض، وكان له الأثر الكبير على بنية المجتمع الأمريكي حتى يومنا هذا، بعد أن أصبحَ العبيدُ عِبْئَا حقيقيا على الدولة التي حرّرتهم بشكل سريع ودون تَدَرُّجٍ أو تأهيل للإنخراط في المُجتمع بصفةٍ مخالفةٍ تماما لما إعتادوه ومارسوه من ذاك الواقع الذي فُرِض عليهم، فَتَحَوَّل جُلُّهُم من رَمْضَاء الرّقّ إلى نار الإنحراف والجريمة. نعم، إن الإنتقال السّريع والمُفاجىء من سُنَّةٍ إلى أُخْرَى دون تَدَرِّجٍ كافٍ، وتَحَوُّلٍ مدروس، يعني بالضرورة حالة من التّخبط، ربما تُفضي فيما تُفضي إليه إلى أشكال مختلفة من الفوضى قد تتسبب بشذوذٍ عن الهدف المنشود والغاية المُرْتجاة. إذ يبدوا من الصّعب أن يُمَارِسَ المقمُوعون والمُضطهدون مُنْذُ عقود، أن يُمارسوا الحرية بين عشيّة وضحاها وكأنهم ما ألِفُوا شيئا سِوَاهَا. مِمّا يُلقي في الأنفسِ مخاوفَ كثيرة، وهَوَاجِسَ جَمَّة فيما يتعلق بِجَدْوى التغيّر والتحوّل. وليس أدلّ على ذلك مما تشهده دُولُ الربيع العربي في يومنا هذا، خصوصا تلك التي كان الأمس القريب فيها واعدا، كتونس ومصر، واللتان تُكابدان اليوم حالة من الشّد والجّذب بين قوى مختلفة وفقا لرؤى وبرامج متباينة، برغم ما أبْدَاهُ الشّعبان العريقان من تحلٍّ بأرقى دَرَجَات الوطنيّة وأعلى مستويات النُّضْجِ والوعي الإنساني إِبَّان مرحلة التحوّل الديمقراطي، غير أن عملية التحول تلك لم تكتمل بعد. إذ أن إزالة طاغُوت هي أسهل بكثير من مكافحة آثار ذاك الطاغوت، وما أحْدَثَه من خَرَاب وتشويهٍ مُمَنْهَج في سبيل تكريس حُكْمِهِ وتَحَكُّمِهِ. مما يُفسّر بالضرورة ما نَرَاهُ اليوم من أحداث مؤلمة وصراعات مُقلقلة تمرّ بها تلك المُجتمعات. وفي سياق التسليم المنطقي بأن الثورات التي إندلعت كانت سِلْمِيّة، تسعى للحياة وليس للإقتال، ولم تَتَّبِع أيّا من سياسات التطهير التي أعقبت مُعْظم ثورات الشعوب حول العالم، فإن نظرية المؤامرة والتآمر ما زالت قائمة، وخُصوصا في ظلّ وُجُود وتماسك بقايا الأنظمة البائدة وزبانيتها الذين ما إنفكوا يحاولون إستغلال المُمارسات العفوية والفوضويّة رُبما، للحُرّيّات التي إتّسَعَ هامشُها بَغْتَةً بعد عقود من التضييق والإستعباد، مما يُلقي على كاهِلِ الثُوّار مسؤولية التفطّن لإحتمالات كتلك، ويُوجب عليهم إستحداثُ آليات متكاملة بُغية تنفيذ برامج واقعية من شأنها تحقيق طموح الشعوب وأهداف الثورات، بل والحفاظ على تلك الثورات من التجيير والاختطاف عبر ضَبْطِ الحُريّات وتنظيمها في قنوات مَدَنِيَّة ودُستورية. وهنا فمن الممكن استذكار ما قاله الرئيس المصري الراحل أنور السادات: ‘ان الديمقراطية لها أنياب.’qadqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية