صلاح بن عيادحلّ الاثنين 14 من ايار/ مايو الروائي المعروف واسيني الأعرج ضيفا على الصالون التونسي للسرد والأدب ‘ناس الديكامرون’، وهو الصالون الذي يستمدّ تسميته من ديكامرون جيوفاني بوكاشيو (القرن الرّابع عشر ميلادي)، الكلمة التي تعني ‘الأيام العشرة’ التي جمعت وقتها فارّين من سياق وبائي حربيّ يعيشون على ‘خبزة’ السرد.
ديكامرون تونس يتجاوزون السنة الآن، وهم يمارسون نفس الفرار من سياق لا يقل وبائية عن عصر بوكاشيو، وقد نقصد وباء السياسة الجافة التي استبدّت بالذهن التونسيّ بعمومه وبمثقفيه. ويأتي واسيني الأعرج في هذا السياق، المتمثّل في الاحتماء بالحكي المنساب من تصلّب الشعارات الفضفاضة في أغلبها التي تطغى اليوم على اللغة المكتوبة والمنطوقة.
كما جاء في صلب التجاء أعضاء هذا الصالون الذي يؤثثه مثقفون وكتّاب منهم: كمال الرياحي وعدنان الجدي وأيمن الدبوسي وشوقي البرنوصي وصلاح بن عيّاد (كاتب هذه المادّة) وآخرون ـ التجائهم ـ إلى القراءة كرهان أساسيّ لا يحتاج التونسيّ والعربيّ عموما إلى غيره كي تتضح عدة رؤى أمام ناظره. فلم يكن الفرد التونسي في مرحلة غير هذه المرحلة محتاجا أشدّ الحاجة إلى المعرفة كمخرج من مآزق عدة. ولقد أطلق ‘ناس الديكامرون’ للتأكيد على ذلك وللإحتجاج على تأجيل للمرّة الثانية لمعرض الكتاب الدولي في تونس تظاهرة صنّفت الأعمق من ضمن التظاهرات الشعبيّة التونسية جاءت تحت عنوان ‘تونس تقرأ، تونس ترتقي’ والتي قلدتها جميع محافظات البلاد كسوسة والمنستير وقابس وغيرها، والتي التجأت إليها عدة جهات سياسيّة في البلاد ومنها النهضة الحزب الحاكم وربّما لغسل ماء الوجه من جهل يستبد بأغلب قواعد هذه الجهات. لا ضرر في ذلك طالما أن مسك كتاب في الشارع لمدة زمنيّة ما من شأنه أن يخفف أو يقضي على غربة الكتاب على الفضاء التونسيّ التي طالت وتعمّقت لتبلغ أوجها تحت نظام بن علي المطاح به.
ومن ضمن الكتب التي مسكت كانت روايات واسيني الأعرج الذي كتب طويلا عن الديكتاتوريّة في ‘جملكية آرابيا’ خاصة وغيرها من الروايات الأخرى مثل ‘حارسة الظلال’، كما كتب عن مختلف التيارات المتعصبة والتي تهدد المرحلة الرّاهنة. لذلك وعبر اللقاء الذي أشرف عليها الديكامرنيون بمسرح دار الثقافة ‘ابن خلدون’ بالعاصمة ترددت أسئلة حول هذه الثنائية بالذات. الكاتب الباحث عن حريته الإبداعية والتعصّب المحدّق بهذه الحرية. أمّا إجابات واسيني الأعرج فقد تميّزت بهدوء العارف وحنكة الرّوائي العارف بأدق التفاصيل. كيف لا وهو من تعرّض في أكثر من مرّة إلى التهديد بالقتل. وكيف لا والجزائر ـ وطن الكاتب ـ قد عاشت ما يسمّى العشريّة السوداء في ثمانينات القرن الماضي رازحة تحت خطر مثل هذه التيّارات. كما تطرّق الحضور إلى أسئلة حول الشعر في علاقته بالرواية وهل حقا نشهد موت الشعر السريريّ؟ هل يمكن للرواية أن تحتمل أسئلة الإنسان العربي خصوصا في هذه المرحلة. هل ستصمد الرواية أمام غزو السينما والصورة؟. بأي لغة نكتب الرواية؟ إلخ.. وقد أثار الأعرج قضيّة الكتابة حول ما بات يسمّى بالربيع العربي من عدمها. فأشار إلى أنه لم يخطّ حرفا في هذا الجانب. وأنه من الذين لا يكتبون تحت طلب انتظارات القارئ. يكتب متى توفّرت عنده إرادة الكتابة والاستعداد لها. وواسيني الأعرج مثل غيره من الكتاب والمثقفين كتبوا حول قضايا ليست بالبعيدة عن المتقبّل. فقد كان حاملا لنفس الغضب الذي أخرج الشعوب بكلّ مكوناتها من صمتها لتنتفض على الأنظمة السياسيّة القائمة. ومن ضمن تلك القضايا التي توقف عندها سنجد ظاهرة اغتراب الكتّاب المغاربة والعرب. ليشير إلى أنه من أولئك الذين لم يكفّوا عن حمل الوطن (الجزائر) في حقيبته الخاصّة والحميمة. الوطن بمعانيه الأرحب وليس ذاك الوطن المنحصر في التقاليد والأعراف، وإنما حمل ‘جزائر’ منفتحة وثريّة. وفي هذا الجانب طرحت قضايا مثل التخلي عن اللغة من قبل الكتّاب المغتربين كما التخلي عن قضايا أوطانهم إلخ… والأمثلة على ذلك لا تعدّ جزائريّة كانت أو تونسيّة وعربيّة بشكل عامّ.
وضمن علاقة رواياته بالسينما أشار الأعرج إلى الفساد الإداري الجزائري والعربي عموما الذي حال ومازال يحول بين تحويل رواياته وروايات غيره إلى فلم سينمائي، من ذلك ما حدث مع ‘كتاب الأمير’ والذي لولا عرقلة ما تمّت في وطنه لكان من الأفلام العربيّة الكبرى مثل ‘الرسالة’ و’عمر المختار’. هذا الكتاب الذي يسرد سيرة الأمير عبد القادر الجزائري الشخصية الوطنيّة الجزائريّة الشهيرة.
لم ينج اللقاء كما هو طبيعي من محور الكاتب في علاقته بالمواقع الإجتماعية لينتهي ضيف صالون ناس الديكامرون إلى القول بأنه يملك حسابا على موقع ‘الفيس بوك’ ليتواصل مع القرّاء ويناقشهم في خصوص تجربته وأنه سعيد لتخصيص عدة صفحات له على نفس هذا الموقع من قبل معجبين لا علاقة شخصيّة له بهم سوى التواصل النبيل القائم على أساس ما يكتبه الروائي الجزائري المعروف. وفي هذا الباب طرح سؤال الاستشهاد بالمقتطف الروائي الذي وكأنه يعوّض الاستشهاد بالشعر لقابليّة هذا الأخير للحفظ وعدم قابليّة الأوّل. ممّا كان الحديث المطوّل حول تداخل الأجناس الأدبية واستفادتها من بعضها البعض ولا سيّما استفادة الرواية من الشعر. *شاعر تونسي