الزعتري مدينة في الصحراء تفوح منها رائحة الفلافل والكباب ولا يغيب عنها طعم الهريسة والبقلاوة

حجم الخط
0

لندن ـ ‘القدس العربي’ كتب دنيس روس المبعوث الأمريكي السابق الخاص الى الشرق الأوسط، مقالا حول الأحداث في أوكرانيا وتأثيرها على المنطقة العربية، مؤكدا أنها ستشكل مستقبل المنطقة. وجاء مقال روس الذي نشرته مجلة ‘نيوريباليك’ أن التدخل الروسي في أوكرانيا يمنح الولايات المتحدة فرصة لفتح حوار مع حلفائها في المنطقة فيما يتعلق بسوريا ومصر وإيران.
وقال روس إن ‘فلاديمير بوتين فعلها مرة أخرى’ من ترانسيتريا، أبخازيا وأوستيا الجنوبية إلى القرم، ففي كل منطقة توجد فيها إثنية روسية في دول الإتحاد السوفييتي السابق لا تريد أن تسير حسب السياسة الروسية فهناك دائما حركة إنفصالية جاهزة للإنفصال كما حصل في مولدوفيا وجورجيا والآن أوكرانيا وروسيا جاهزة لدعم هذه الحركات ولا يهم إن كانت هناك اتفافيات دولية، كما هو حاصل بين روسيا وأوكرانيا في عام 1994 في بودابست، حيث وقع على هذا الإتفاق أيضا بريطانيا والولايات المتحدة وتعهدت بموجبه روسيا الحفاظ على وحدة التراب الأوكراني.
ويقول روس ‘كان ذاك عام 1994 حيث كانت روسيا في عين بوتين ضعيفة واليوم هو عام 2014 وهي ليست كذلك، وقادرة على فرض إرادتها بدون تحمل أي نتائج’.

وحدة سوريا وليس أوكرانيا

ويرى روس مفارقة في موقف بوتين من الحرب الأهلية السورية، حيث عبر عن قلقه على وحدة التراب السوري، وشجب محاولات التدخل الخارجي في شؤون وسيادة الدولة، ولكنه كان سريعا في تجاهله هذا القلق عندما تعلق الأمر بالمصالح الروسية.
وعلى ما يبدو كما يقول روس ‘مبادئ بوتين موضعية وعندما تكون الفرصة سانحة أمامه لفرض إرادته فهو لا يتردد بهذا’.
ويرى روس أن تصرفات بوتين تترك آثارا مهمة على سياسات أمريكا وأوروبا.
ويجب أن يدفع بوتين الثمن، فلا أحد يريد الذهاب للحرب من أجل القرم، لكن يجب أن يكون هناك ثمن سياسي واقتصادي لأفعال بوتين الأخيرة. فمقاطعة مؤتمر مجموعة الثماني في سوتشي لن يثير اهتمام بوتين الذي يقول إنه يقوم بحماية الروس في القرم.
وفي حالة مقاطعة باراك أوباما والقادة الأوروبيين للقمة فسيكون بوتين أكثر تصميما وتحد. بل ومن المتوقع أن يحصل على دعم محلي.

أصدقاؤنا في الشرق الأوسط

وفي الوقت الذي يرى فيه الكاتب أن فرض عقوبات إقتصادية على روسيا سيؤدي لوقف تدفق الغاز الروسي لأوروبا، وستتوقف موسكو عن التعاون مع الولايات المتحدة في الملف النووي الإيراني.
ويعتقد روس أن أوباما تحدث عن النتائج التي يجب أن تتحملها روسيا، هناك ثمن وهذا مهم للذين يراقبون الأحداث في القرم من أبناء الشرق الأوسط. فهم ينظرون للأحداث باعتبارها مثال آخر عن استعداد روسيا لتحدي المجتمع الدولي والتصرف بما تلميه عليها مصالحها.
ويقول الكاتب إن الكثيرين في الشرق الأوسط يراقبون بذكاء ويعتقدون أن الولايات المتحدة مترددة في اتخاذ قرارات لتواجه تحولات ميزان القوى التي تسير ضد أصدقاء واشنطن في المنطقة. ويقول الكاتب إن الإستماع للسعوديين والإماراتيين والإسرائيليين يظهر مدى النقد لأمريكا وتراجعها من المنطقة.
ويعتقد روس أن الأزمة في القرم قد تمنح الإيرانيين فرصة لاستخدام الخلاف بين روسيا والولايات المتحدة كي تستفيد منه في مفاوضاتها حول الملف النووي، وأيا كان الحال فالطريقة التي ترد بها واشنطن على التدخل الروسي في القرم ستعطي قادة المنطقة ثقة بها.
وعلى الولايات المتحدة أن تقوم بالحشد لفرض عقوبات إقتصادية على روسيا ومساعدة أوكرانيا، وهي مهمة كبيرة. ويختم بالقول إن السعوديين الذين يشتكون من غياب الحسم الأمريكي لا يعني عدم مساءلتهم حول ما يفعلون. صحيح أن السعودية تريد من واشنطن موقفا حاسما في سوريا.
ويعتقد أن أهم ما يمكن تحدي السعوديين به هو صفقة الأسلحة التي تشتريها لمصر من روسيا بقيمة 3 مليارات دولار، فالوقت ليس مناسبا لتمويل هذه الصفقة ولا يدل على أن روسا لا تدفع ثمن دعمها لاستمرار الأسد في السلطة وجرائمه ضد المدنيين.
ويرى الكاتب أن إظهار القيادة والرد على التدخل الروسي في القرم سيؤدي إلى ‘لفت انتباه أصدقائنا في الشرق الأوسط، ومع أنه لن يكون بديلا عما فعلناه هناك إلا أنه سيؤدي لحوارات جديدة مع السعوديين وغيرهم، حوار يركز على ما يجب عمله في سوريا والعمل معا حتى لا تتحول مصر دولة فاشلة. وسيظل الحوار صعبا حالما لم تظهر الولايات المتحدة القيادة المطلوبة في القرم.

يتسولون في اسطنبول

أشكال المعاناة السورية بسبب الموقف الروسي تتواصل ومعها تتزايد أعداد اللاجئين السوريين لدول الجوار في تركيا ولبنان والعراق والأردن وتتزايد معها نسبة السوريين الذين لا يجدون ملجأ لهم أو مكانا يأوون إليه.
وقد دفع الكثير من السوريين للتسول خاصة أولئك الذين فروا للبنان نظرا لعدم سماح السلطات اللبنانية بإقامة المخيمات الرسمية.
وظل وضع السوريين الذين فروا إلى تركيا أفضل نظرا للخدمات التي قدمتها الحكومة التركية والمنظمات الطوعية للاجئين السوريين، ولم يمنع هذا من انتشار ظاهرة تسول بين السوريين في شوارع المدن التركية.
وجاء في تقرير لصحيفة ‘وول ستريت جورنال’ الأمريكية تحت عنوان ‘ البؤس السوري يزور الشوارع التركية’، عددا متزايدا من اللاجئين السوريين يلجؤون للتسول في الشوارع التركية، كوسيلة جديدة تقتضيها الحاجة لجيل يهرب من الحرب الأهلية.
وتضيف أن حملة القصف التي تقوم بها الحكومة في حلب أدت لموجة جديدة من السوريين الذين فروا للمدن الجنوبية في تركيا واسطنبول مما زاد في عدد المحتاجين والسائلين.
وهناك أعداد من اللاجئين تركوا مخيمات اللجوء التي لم تعد تستوعب القادمين وبعد فقدانهم الأمل في حل للأزمة وعودة سريعة لبلادهم. وتقول الصحيفة إن مظاهر التعبير عن اليأس والفاقة حاضرة بين السوريين في الأردن ولبنان.
ويشير التقرير إلى أن تركيا كانت من الدولة المضيفة التي تحملت عبئا كبيرا من 2.5 مليون لاجيء سوري واستضافتهم وفتحت لهم المخيمات وأقامت المراكز الصحية والمدارس حيث استوعبت أكثر من 700.000 منهم 100.000 يعيشون في اسطنبول حسب تقديرات الحكومة والجمعيات الخيرية.
ومع أن عدد الذين لجؤوا للتسول بالمئات إلا أن المؤسسات الخيرية ومنظمات حقوق الإنسان ترى حاجة لقيام الدولة بدعم أكثر للاجئين.
ونقلت عن حليم يلماظ، من جمعية ‘مظلوم دار’ وهي جماعة حقوقية قامت بإعداد تقرير عن اللاجئين السوريين في اسطنبول ‘الكثيرون لا يريدون البقاء في الخيام في الشتاء، حيث الحصول على سكن جيد في المخيمات يظل مقيدا’، مضيفا أن العيش في المخيم لمدة طويلة ‘يؤثر على النفسية’.
وقالت فاطمة ساهين، وهي عضو بارز في حزب العدالة والتنمية الحاكم لمحطة تلفزيونية يوم الإثنين إن الحكومة ‘تخطط لدمج مجموعة قليلة جدا جدا من المتسولين السوريين في قوة العمل والمجتمع التركي’.

لا نطلب ولكن الناس يتبرعون

ولا يخفى وجود المتسولين السوريين في اسطنبول حيث تجدهم في ساحة تقسيم بين المسافرين والمتسوقين والسياح يحملون لافتات تدعو للتبرع.
وينقل التقرير عن أحمد كوليك (23 عاما) عامل بناء سابق فر لتركيا مع ابنيه الصغيرين من بلدة الرقة التي سيطر عليها المتشددون من القاعدة ‘لا نلاحق الناس ولكن الناس يأتون إلينا ويتبرعون’.
ويقول كوليك إنه بعد أيام قضاها في المخيم على الحدود قرر الإنتقال مع عائلته لاسطنبول بعد اقتناعه بأنه سيحصل على عمل فيها، ولكنه اكتشف سريعا أن لاعمل للاجئين الذين لا يتحدثون التركية، ويضيف أنه يحصل على ما بين 15-50 ليرة تركية في اليوم وهي ليست كافية لدفع الإيجار.
ولم تخف ظاهرة التسول على الصحافة التركية المحلية حيث قالت تقارير إن اللاجئين السوريين الذين يتسولون ظهروا في شوارع العاصمة أنقرة، والمدن الساحلية والسياحية مثل أضنة ومرسين، وفي ديار بكر وهركاري وغيرها.
وتقول تقارير الأمم المتحدة إن ما بين 1.000-2.000 لاجيء جديد يدخلون تركيا يوميا، وتتوقع مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة وصول عدد السوريين في تركيا نهاية هذا العام إلى مليون لاجيء.
وأقامت الحكومة التركية 22 مخيما للاجئين وملاجيء لهم والتي تقول الأمم المتحدة إنها جيدة بالمعايير الدولية، لكن المسؤولين الأتراك الذين يعدون ببناء مخيمات جديدة يقولون إن زيادة تدفق اللاجئين أصبحت فوق احتمالهم. ونقلت الصحيفة عن مسؤول قوله إنهم لا يجبرون أحدا على البقاء في المخيمات لكنهم لا يستطيعون الإبقاء عليهم فيها، ومن يخرجون للشوارع ويتركون المخيمات يبدو أنهم بحاجة للمال ويحاولون الحصول عليها. وتقول جمعيات خيرية إن عددا من المتسولين ربما كانوا يتسولون في سوريا قبل قدومهم لتركيا لكن يلماظ يقول ‘المثير للقلق هو أن هناك أشخاص يتسولون للمرة الأولى في حياتهم مما يعرضهم للمجرمين والإنتهاكات’.
ومن بين المتسولين من اللاجئين تركمان وعلويون يتجنبون الذهاب للمخيمات. وتنقل عن بكر المصطفى، سائق من حمص إن أحدا لم يرحب به في المخميات ولهذا انتقل وزوجته وابنه إلى اسطنبول واستأجروا شقة وعندما لم يعد بامكانهم دفع الإيجار بدأوا بالنوم في أماكن وقوف السيارات.
وبسبب الإنتخابات المحلية تقول سلطات اسطنبول إنه لم يكن لديها الوقت لمواجهة المشكلة ولكنها أقامت مراكز إيواء مؤقتة خارج اسطنبول حيث تنقل الشرطة المشردين إليها والذين تعثر عليهم في مركز المدينة.

الزعتري مدينة الخيام

بعيدا عن اسطنبول في مخيم الزعتري، هناك قصة أخرى عن الإرادة، والعمل حيث حول السوريون قطعة من الصحراء وخيامها إلى مطاعم ومحلات حلوى.
وبين البؤس والبعد عن الوطن تفوح رائحة الفلافل والكباب الحلبي، والحلويات السورية بكل أنواعها. فقد تحول هذا المكان الصحراوي وخلال عام ونصف لأكبر تجمع سكاني للسوريين ورابع ‘مدينة’ في الأردن من حيث الكثافة السكانية، ويعيش فيه 120 ألف نسمة ويمتد على مساحة 50 ميلا.
وفي داخل هذا المخيم حياة صاخبة وأسواق ودكاكين أقامها سكانه من مواد الخردة، ويبيع السكان ويتبادلون في محلاته الأجهزة الإلكترونية المستعملة والهواتف إلى جنب الفواكه والخضروات، وهناك محلات لتجهيز العرائس واستئجار ملابس العرس، وتحمل المحلات أسماء مختلفة مكتوبة باليد من ‘أحسن من لا شيء’ إلى ‘العودة إلى سوريا’.
وكل هذه لا تخفي الكفاح من أجل الحفاظ على نوع من الحياة اليومية وسط غياب التيار الكهربائي والمواد الأساسية والسكن الدائم.
وأصبح المخيم كما تقول صحيفة ‘ لوس أنجليس تايمز’ معروفا بمشاكله من الشوارع الموحلة إلى برده القارص في الشتاء وقيظ الصيف والمواجهات المتفرقة بين سكانه وقوات الأمن. ورغم كل هذا فالتصميم والإرادة التي لا تقهر حاضرة في كل مكان في المخيم خاصة في القطاع التجاري المزدهر فيه والمطاعم الكثيرة التي ظهرت في الآونة الأخيرة. ويشير التقرير أن سكان المخيم كانوا يتلقون عندما افتتح المخيم العام الماضي وجبات جاهزة والتي لم تكن تعجب السكان، ومن ثم غيرت السلطات وبدأت بتقديم مواد غذائية للمطابخ العمومية فيه تكفي لإسبوعين.
ومن ثم بدأت تظهر المطاعم والمقاهي التي أخذت تلبي حاجة السكان السوريين الذين يفتخرون بمطبخهم المتنوع. واليوم أصبح الفلافل الذي تنتشر رائحته في السوق فخر المأكولات. وينقل عن أبو أيوب ‘لو انتظر الواحد الصدقات فلن تستطيع عمل أي شيء ‘.
ويعتبر محل أبو أيوب من المحلات المشهورة بأطباقها الشعبية. ويشير التقرير إلى أن غالبية سكان الزعتري يدعمون الثورة السورية ضد نظام الأسد، ويعيش بعض المقاتلين في الزعتري وعائلاتهم حيث يذهبون للقتال في سوريا ثم يعودون.
وكان أبو ايوب يملك محلا في درعا قبل أن يلجأ للأردن منذ 11 شهرا، ومعظم سكان الزعتري هم من درعا ونواحيها، وهي المدينة التي انطلقت منها شرارة الثورة السورية قبل 3 أعوام. ويقدم المطعم حوالي 300 ساندويش في اليوم كما يقول عامله عماد.
وهناك مطاعم للكباب ‘عربي ـ تركي’ الذي يحتفظ بمكان واسع لجلوس الزبائن ويقدم المشاوي الحلبية المعروفة.
وتنتشر في الشارع التجاري للزعتري الذي يطلق عليه ‘شارع الإليزيه’ عربات الحلوى والبقلاوة، ويشتهرفيه حلويات ‘أبو الهول الحريري’ حيث يقول ‘نعمل الهريسة والبسبوسة وحلاوة الجبن والوربات..’. ويقول إنه يقدم خدمات للزبائن من المخيم ويوفر خدمات للحفلات والأعراس.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية