الزعيم يطعم شعبه نياشينه واوسمته ورجاء بتنظيم دور لانتفاضات الشعوب

حجم الخط
0

خطيب بدلةإذا أردت- يا عزيزي القارئ العربي- أن تعرف سبب جلوس عدد كبير من المُنَظِّرين، والمحللين الاستراتيجيين، والناصحين، والوُعَّاظ.. العرب، في استوديوهات المحطات الفضائية العربية، ليلاً ونهاراً، في وضعية (الانجعاص)، وهي الوضعية المفضلة لإلقاء المواعظ على الشعوب الغلبانة، العائفة رد السلام، إذا أردت ذلك عليك أن ترجع في ذاكرتك قليلاً إلى الوراء، وتتذكر أن العربي القديم كان يقول (النصيحة بجمل)، أي أنه مستعد أن يقدم لمن ينصحه أفضلَ أنواع وسائط النقل التي كانت متوفرة في زمانه، جملاً بسنامين، (خالي العَلام، لا يوجد في كابينه بَخّ أو تصويج)، له سنامان كبيران، سماكة شفاتيره لا تقل عن (2 إنش)، ضامر، خفاه مكلثمان، يستطيع أن يقطع، إذا دعست له، خمسة عشر كيلومتراً في الساعة.

وأما نحن المنحدرين من أصلاب أولئك العرب الأقحاح، الأماجد، فلا نقلّ عنهم ولعاً بالنصائح، واليوم، بعدما تطورت الصناعة في العالم الغربي الملحد – أجَلَّكُم الله – وتوصل، ذلكم الغرب، إلى تصنيع أفخر أنواع السيارات، واشتريناها نحن بحُرِّ مالنا، أصبحت (النصيحة بسيارة شبح) أي أن العربي المعاصر يعطي لمن ينصحه سيارة ذات دَفع رباعي، فول أوبشن، مع فتحة في السقف، وبالون يفتح أثناء الحوادث، لئلا يؤدي الحادث إلى وفاتنا، (لأن حياتنا ثمينة، وضيعاننا أن نموت)، مجهزة بكافة أفانين الرفاهية، وتقطع مئتي كيلومتر في الساعة، في الحد الأدنى، وتستهلك من الوقود ما يكفي لأن يُفقرنا وينشف نفطنا، ويعيدنا إلى أيام الجمل، الذي يمكن أن ندلعه فنسميه (البعير).. سقى الله تلك الأيام.

وبناء عليه، ونظراً للأحداث الخطيرة التي تشهدها الساحات الكبرى في بعض المدن العربية، اسمحوا لي أن أتوجه، عبر ‘القدس العربي’، بمجموعة من النصائح المجانية، أي أنني لا أريد مقابلها سيارة، أو جملاً، ولا حتى (بسكليتاً)، إلى الجهات الوارد ذكرها في ما يلي:

ناكروا الجميلأولاً- إلى زملائي كتاب زاوية ‘فضائيات’: يجدر بالزميل أن يؤجل كتابة زاويته الفضائية إلى ليلة اليوم المخصص لنشرها، لأنَّ تسارُع الأحداث على الأرض العربية لم يعد من الممكن مجاراته، وذلك بعد الهدوء والصبر الأزليين اللذين كان يتحلى بهما.

فلو أخذنا رؤوس أقلام مما عرضته الفضائيات، وبالأخص ‘الجزيرة’ التي طالب وزير الاعلام في الوزارة المصرية المستقيلة أنس الفقي بإغلاقها (وهو على حق طبعاً لأن الجزيرة قدمت أفضل تغطية للأحداث على الأرض المصرية، من خلال بث حي ومباشر).. لرأينا أن المظاهرات انطلقت يوم الأربعاء الماضي، من معظم المدن المصرية، وبالأخص القاهرة والسويس، والشرطة فعلت ما يقتضيه منها الواجب فأطلقت الرصاص الحي على المتظاهرين، فقتلتهم (وما نفع حياة من يتنكرون للجميل ويخرجون للاحتجاج؟) واعتقلت بعض الصحافيين ‘النقاقين’ الذين اعتصموا احتجاجاً على الأوضاع التي زعموا أنها سيئة، وهو زعم فاسد بالطبع. ثم بدأت الأحداث تترى، والمئات الذين خرجوا في اليوم الأول تحولوا إلى آلاف، والشرطة أخفقت في منع هذا السيل المتدفق من الناس من الوصول إلى حيث يرغبون، ثم خرج السيد الرئيس مبارك ليخطب، فذكرني خطابه برسم كاريكاتوري قديم للفنان السوري العالمي علي فرزات يظهر فيه الزعيم في إحدى الدول العربية واقفاً أمام حلة للطبيخ، والجياع متجمهرون حوله، وكل واحد منهم يمد قصعته ليأخذ شيئاً من الطعام، فإذا به يغرف من الحلة، ويرفع المغرفة في الهواء، وإذا هي مليئة بالأوسمة والنياشين! وبالطبع فإن الزعيم على حق، لأن من يأكل ويشبع – على حد تعبير زياد الرحباني- سيجوع مرة أخرى، وأما الوسام والنيشان فيبقى في سجل هذا الإنسان مدى الحياة. (لاحظوا كم هي عميقة الحكمة التي يتمتع بها الزعماء العرب)! بشَّرَ الرئيس مبارك أهلَ مصر بشكل عام، والمتظاهرين بشكل خاص، بأنه سيقيل الوزارة، لأن هذه الوزارة هي سبب المشكلة! وقد كان الناس خائفين من أن يبقى رئيسهم طيلة حياته من دون نائب، فعين السيد عمر سليمان نائباً له، ومع ذلك بقي بعض الناس منساقين وراء التذمر والاحتجاج.

من هنا يمكن للمرء أن يرثي لحال الزعماء العرب، فمهما غيّر الزعيم من وزارات، وعين لنفسه من نواب، فإنه لا يُرضي الشعب.

الرئيس الممتازثانياً- نصيحتي للشعب المصري الشقيق أن يوقف انتفاضته، لعدة أسباب، أولها أن هذا الرئيس موجود لديهم منذ نحو ثلاثين سنة، وهم يعرفونه جيداً، والمثل يقول (اللي بتعرفه أحسن من اللي ح تتعرف عليه) وثانيها هو ما تناقلته ‘الفضائيات’ من أن عدداً من الزعماء العرب، ومنهم الملك عبد الله، والرئيس معمر القذافي، اتصلوا بسيادة الرئيس حسني مبارك، واطمأنوا عليه، وقدموا له الدعم المعنوي، وهذا يؤكد وجهة نظري السابقة، فكون هؤلاء الزعماء شهدوا خيراً بالرئيس مبارك، فهذا يعني أنه جيد، بل ممتاز، تمشياً مع ما يعنيه المثل العربي الذي يقول (ألسنة الناس أقلام الحق).. وهؤلاء الزعماء العرب، من جهة أخرى، مخضرمون في الحكم والسياسة، وكبار في السن، والمثل العربي يقول (أكبر منك بيوم أعرف منك بسنة)، فلو لم يكن هؤلاء الزعماء العرب يدركون أهمية بقاء السيد مبارك في الحكم، لدعموا انتفاضتكم، أو لظلوا على الحياد في الأقل. ثالثاً- إن الانتفاضة المصرية مسحت الأحداث الشعبية التي جرت في تونس الخضراء، وقضت عليها قضاء مبرماً، واليوم، من أراد أن يعرف شيئاً عن المرحلة التي أعقبت مغادرة السيد الرئيس زين العابدين بن علي خارج البلاد، سيذوق الأمرين وهو يقلب من محطة إلى محطة فلا يجد أمامه غير الأحداث المصرية.

نصيحتي للشعوب العربية أن تنظم بينها ما يشبه (الدور)، فإذا انتفض شعب، واضطر رئيسه الطيب المسكين إلى مغادرة البلاد، أن يتريثوا حتى نعرف نحن المشاهدين العرب رأسَنا من رجلينا، وبعدها، أي حينما يأتي دوركم، تفضلوا إلى الشارع وواجهوا الرصاص الحي بصدوركم.

رابعاً – يوم الأربعاء (26 كانون الثاني/يناير)، وبالمصادفة المحضة، عثرت على برنامج يتحدث عن تونس في محطة ‘الحوار’ التي تبث من لندن، وكان في استضافة البرنامج المحلل السياسي السيد سعد جبار، وجرى الحديث بين معد البرنامج والضيف عن صدور مذكرة من الإنتربول الدولي بإلقاء القبض على (بن علي)، ودعوة للبنوك العالمية لأن تعيد أموال بن علي إلى الشعب التونسي.

بصراحة أنا، بوصفي إنساناً عربياً عارباً، أسفت أشد الأسف حينما سمعت هذا الكلام. عيب يا جماعة. فـ ‘بن علي’ أمضى سنين طويلة وهو يوفر هذه النقود، من رواتبه الحلال، وهو يعرف أن معدلات الفائدة في بلاده منخفضة، فأرسل بعض هذه المدخرات المتواضعة إلى بعض البنوك العالمية الصديقة، كي يستفيد منها، وبالحلال أيضاً، فيا ترى هل فعل ذلك حتى تأتوا حضراتكم، بعد ما ينوف عن ربع قرنه من حكمه، وتضحياته تجاه شعبه، لتطالبوه بأن يتخلى لكم عن مدخراته الشخصية؟!

خامساً- أعجبتني حلقة (بلا حدود) التي بثتها الجزيرة يوم الأربعاء الماضي، وفيها السيدان أحمد منصور والدكتور صائب عريقات يتحاوران حول تفريط السلطة الفلسطينية الحالية بالحقوق الفلسطينية أثناء المفاوضات مع إسرائيل. كانت الحلقة أقرب ما تكون في أسلوبها من برنامج ‘الاتجاه المعاكس’ الذي يصول ويجول فيه الدكتور فيصل القاسم، ويلعب دور المخلص ببراعة، بعدما ينجح نجاحاً باهراً باستفزاز ضيفيه، وجعلهما يتنافحان و(يتصايحان) مثل الديوك.

هنا، في برنامج (بلا حدود)، لم يترك عريقات كلمة نابية (مما يمكن تمريره تلفزيونياً) إلا واستخدمها ضد أحمد منصور الذي كان (يفتفت) له على البارد، فيستفزه، ويحاصره، ويُغضبه، ليرفع من وتيرة السباب.

نصيحتي لمخرج هذا البرنامج، ومخرج برنامج الاتجاه المعاكس، أن يزود كل طرف من الأطراف المتحاورة بعصا صغيرة، ويشترط عليهم أن يبقى الشجار أثناء بث الحلقة بالكلام، ويمكن استخدام العصي بعد الانتهاء منه!

ووقتها سنعتبر هذه البرامج الحوارية، برامج حوارية (عربية) بامتياز!

قاص وكاتب من سورية[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية