د. حسين علي شعبان مقدمة ضرورية: رحت قبل أسابيع أبحث في نفسي وانا اتجول وسط مدينة لندن عن سر سحر هذه المدينة وجذبها للسياح بلا انقطاع على مدى فصول السنة وايامها؛ هذا مع العلم ان اللندنيين يستغربون هذه الظاهرة ويفضلون قضاء عطلهم السنوية في بلدان الدفء والشمس. الجدران الخارجية لمجلس العموم كما القلاع الامبرطورية، القصور الملكية والمتاحف تسبب حجارة ابنيتها الرمادية المائلة الى السواد لناظرها الاكتئاب، شوارعها المكتظة مزعجة، أسعار خدماتها وبضائعها تزهق الجيوب والحسابات البنكية؛ لا شيء فيها مجاني؛ حتى مراحيضها لا تفتح ابوابها الا بالمال. الحجارة والجماد لا يجيبون؛ فكان لابد من البحث عن الاجابة في مكان آخر. تهذيب ومهنية رجل شرطة يحرس مبنى البرلمان وهو يجيب عن اسئلة بعض المارة قدم الاجابة الشافية وخمر الفكرة التالية: سم الافاعي يستخرج منه الحكماء الدواء، لسع النحل يقوي مناعة الجسد، نجاسة الكلاب يلازمها الوفاء، ضرب الحبيب ينقلب الى زبيب عند العامة من العرب. من هنا كانت نقطة الانطلاق للاجابة عن سر سحر الزنتان وجبلها الشامخ عبر العصور. فالجبل يستمد شموخه من كبرياء، شجاعة وحكمة اهله الدافقة من تسامح الاسلام وشموخ العرب به. تتشعب الاحجية لتسافر بعيدا الى اليمن السعيد لتأخذ منحى متعرجا شرقا الى دمشق وبغداد سالكة درب القديس هيبا في رحلته الايمانية من صعيد مصر الى الاسكندرية، سيناء، البحر الميت مدينة القدس فانطاكية فهذه الارض وناسها مهد حضارات اندمجت وانصقلت في بوتقة لا يحل لغزها الا نور العلم والمعرفة.
تجبر وخنوع الطغاة من الحكام العرب في العصر الحديث اعاد اسماء حوران، حماة وحمص، تعز، الحديدة وصنعاء وقبلها الانبار، الفلوجة العراقيتين الى كل زنقة وبيت في الوطن العربي والولايات المتحدة أيضا. لكل ثورة عربية مناراتها ولكل مدينة وبلدة ابداعاتها الحضارية. الزنتان ليست الاولى ولن تكون الاخيرة لكن الله لطف فجاءت مكرمة اهلها لتزيل بقعة سوداء لطخت الارث الليبي يوم نحر القذافي بوحشية كادت تذهب بدماء الشهداء واثلجت صدور دهاقنة السلب الذين رقصوا طربا لأن موت القذافي ستر عوراتهم. دون زعيق اعلامي ظهر سيف القذافي بكامل لباسه العربي ـ الليبي؛ غطاء الرأس، العباءة وكل مظاهر الابهة العربية. لم يكن مرعوبا او مضروبا بل انيقا هادئا باستثناء اصابة يده التي سببتها طائرات الغزاة. صور اذهلت المراقبين والمشاهدين المحليين والعرب والاجانب. مشاهد هي النقيض لصور والده معمر القذافي في لحظات حياته الاخيرة. فرحة مدعي عام المحكمة الجنائية السيد اوكامبو بعمل جديد خبت وبهتت حين اكد المجلس الوطني الليبي بشكل قاطع ان سيف القذافي سيحاكم في ليبيا. خيم الوجوم على وجوه المعتاشين من انشطة حقوق الانسان بما فيها مدراء الصليب الاحمر الدولي. أزال اهل الزنتان جدار التشويه الذي صنعه خصيصا رأسماليو الاستغلال في عواصم ‘الديمقراطية’. بدد اهل الزنتان غمامة الحقد وثأر النفوس، فند اهلها حجج وتبريرات كل من استمتع او تشفى بنحر معمر القذافي. وكما اسهمت اجابات الشرطي الرابض عند اسوار مجلس العموم في حل لغز سحر لندن قدم الضابط عبدالله المهدي وصحبه من اهل الزنتان الاجابة الشافية على اسباب سمو الزنتان. فالمهدي وأشقاؤه في الزنتان يصونون عهود ووعود أسلافهم. استندوا في قرارهم الابقاء على سيف القذافي لديهم ومحاكمته هناك الى اتفاقية مهرها قبل 200 سنة شيوخ الزنتان مع قبيلة القذاذفة تضمن في بندها الرئيس حماية اسرى الحرب. الزم عبدالله ومعه اهل الجبل انفسهم بما بمواثيق اجدادهم واكدوا ان سيف القذافي مشمول برعاية تلك الاتفاقية. فالمهدي كما رجال الزنتان ونساءها وشجرها وحجرها نالوا قسطهم من نظام الطاغية؛ ربما كان قسطهم اكثر من اشقائهم، لكن ردة فعلهم يوم أصبحوا الحكم والقاضي في مصير ظالمهم كانت العدل والميل التسامح. أزال اهل الزنتان الغمامة عن العيون الطيبين، ونظفوا الثوب الليبي من بقعة السواد التي لطخت ثورتهم. لقد بخعوا المنساقين وراء غرائزهم، وبين هذا وذاك فقد وضع عبدالله المهدي واشقاءه حدا للمتعالين والطامعين الذين يمارسون الاستذة ويتشــدقون بالتطوع لمساعدة الشعب الليبي. أثبت اهل الزنتان أن في ليبيا من الحكماء والقضاة وأصحاب الكفاءات القادرين على محاكمة سيف القذافي وبناء حكم يقوم على العدل. اهل الزنتان وقبلهم أهل اليمن السعيد بحكمة اهله ثأروا لقيم القبيلة التي شوهتها قلة تمتهن الاستيرادو الاستهلاك. قلة ممن يحسبون مخطئين ان حديثقة جيرانهم اكثر اخضارا من حديقتهم. وكما ان سحر لندن يكمن في ابنيتها العتقية وتشبث أهلها بتراثهم وتاريخهم الحديث نسبيا فان اهل الزنتان اعادوا اكدوا بشكل قاطع ان التشبث بقيم وتراث الحضارتين العربية والاسلامية كفيل باعادة هذه الامة الى مربع التطور. هذه الدعوة هي نقيض زعيق الاتجاهات المتطرفة التي تريد اعادة العرب والمسلمين الى اساليب حياة قرون خلت. فعربة الحضارة والتطور لا تعرف الرجوع الى الخلف بل التقدم الى الامام بشكل خلاق ومبدع.
أخيرا نقدم عزاءنا الى السيد اوكامبو مدعي عام المحكمة الدولة وقضاها الموقرين لأن اهل الزنتان الغوا احتكار توكيلهم التحقيق ومحاكمة سيف القذافي، فالزنتان هي المكان الطبيعي والاصح للمحاكمة والقضاة الليبيين هم الاعدل خاصة ان جعبة سيف تفيض بفضائح شركائه من الحزبيين والسياسيين الاوروبيين كما نشرت الصحف البريطانية. باحث مقيم في المملكة المتحدة