عبد الرزاق قيراطنفي المسنّين: المتأمّل في بعض التقارير والأخبار على الفضائيات الفرنسيّة يكتشف حزمة من المفاهيم الجديدة التي تتعلّق بالأسرة وبالعلاقة بين أفرادها ومختلف أجيالها. شجرة الأسرة التي من المفترض أن تكون طيبّة تحوّلت إلى نبت شائك يثمر علاقات جارحة تعكس أزمة أخلاقيّة عميقة في مجتمعات تمتدح امتلاكها لقيم الحداثة التي تراعي حقوق الإنسان. في هذه المجتمعات، صار كبار السنّ يشكّلون عبئا على الأسرة والمجتمع وعلى اقتصاد البلاد، وقريبا جدّا، سيختفي مشهد الحفيد الذي يجلس إلى جدّه ليسمع منه حكاية أو نصيحة… على القناة الفرنسيّة الثانية، داهمتني تلك الأفكار أثناء مشاهدة الأخبار، وهي تتحدّث عن سيّدة أطردت من مركز لرعاية المسنّين بباريس بعد أن امتنع أبناؤها عن دفع ما تخلّد بذمّتها من المستحقّات الماليّة… وفي التقرير المصاحب للخبر تفاصيل (مزعجة) عن تكلفة الرعاية التي تقدّر بألفيْ يورو، لذلك يعجز كبار السنّ المتقاعدون عن توفيرها فيستعينون بأبنائهم لدفع الفارق الذي يتجاوز ألف يورو شهريّا… الخبر يتناول قضيّة اجتماعيّة بمنطق حسابيّ لا يلتفت إلى الجوانب الإنسانيّة. ومن خلال لغة الأرقام والتكاليف، نصطدم بمعادلات عجيبة. فدار المسنّين التي تستقبل الشيوخ المتقاعدين تأخذ كامل جراية المتقاعد بالإضافة إلى مدّخّراته التي ستغطّي عشر سنوات من الإقامة على أقصى تقدير وبعدها تفرض قوانين الدولة على الأبناء تحمّل كلّ النفقات… وفي تقريرها التالي قدّمت نشرة الأخبار مقارنة بين فرنسا وجارتها الشماليّة ألمانيا،الدولة الغنيّة المتقدّمة، وهناك يبدو الوضع مختلفا في مجتمع هَرِمٍ لا يريد تحمّل أعباء شيوخه العُجّز. لذلك وقع التخلّص منهم بتهجيرهم إلى بلدان الجوار مثل هنغاريا التي تأوي سبعة آلاف ألماني وجمهوريّة التشيك التي استقبلت ثلاثة آلاف… وقدّم الخبر مثالا لأمّ عجوز في وضع نفسيّ سيّء بعد أن أبعدت لتقيم في دار للمسنّين بسلوفاكيا بعيدا عن وطنها وأهلها. ويقول ابنها الذي كان في حديقة بيته الفاخر إنّه لم يعد قادرا على تحمّل 1600 يورو يدفعها نهاية كلّ شهر في ألمانيا، لذلك أرسل والدته إلى سلوفاكيا حيث تتحمّل كلفة رعايتها بجراية تقاعدها الخاصّة… وأرقام هذه ‘الهجرة الجديدة’ مفزعة وهي مرشّحة للتطوّر، وقد ارتفعت أصوات بعض الجمعيّات الحقوقيّة مطالبة بتطويق الظاهرة التي أدّت إلى عزل آلاف الشيوخ المهجّرين قسرا عن محيطهم الاجتماعيّ حيث يجدون صعوبة في التواصل بسبب اختلاف اللغة. ولكنّها محاولات يائسة لا تبشّر بحلول قريبة، لذلك تتسابق البلدان المجاورة لألمانيا في تشييد دور رعاية المسنّين لاستقطاب سوق واعدة تدرّ عليهم أرباحا طائلة… أمّا بعد، فالحمد لله على نعمة الإسلام الذي نحيا به حياة طيّبة بفضل واجب الإحسان المفروض علينا: ‘وقضى ربّك ألا تعبدوا إلا إيّاه وبالوالدين إحسانا إمّا يبلغنّ عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أفّ ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما’. الزواج للجميع: في برامج فرانس 24 الناطقة بالعربيّة عمل دؤوب لتسويق ثقافة ‘الزواج للجميع’ في شكل جدل يدخل بيوتنا عنوة، ويفرض علينا التفكير في مسائل محسومة بالفطرة السويّة و بالشرائع السماويّة. وقد انقسم المجتمع الفرنسيّ أمام مشروع القانون الذي سيقنّن زواج المثليين ويسمح لهم بتبنّى الأطفال. فتظاهر أنصاره مرارا… ونظّم معارضوه مسيرات مليونيّة تنادي بحماية الأسرة التقليديّة التي تقوم على الزواج بين ذكر وأنثى للتناسل والتكاثر. غير أنّ مخاوف هؤلاء لن تجد على الأرجح آذانا صاغية فليس في نيّة هولاند (وحزبه) أن يتراجع عن ذلك المشروع الذي جاء ضمن أولويّات وعوده الانتخابيّة ولعلّه الوعد الذي حسم فوزه بالرئاسة بفارق بسيط عن منافسه ساركوزي. فرانس 24 تواكب كلّ هذا الحراك بقراءة أخباره على مدار الساعة وبالبرامج الحواريّة التي يُدعى إليها من يدافع بشراسة عن الأفكار الجديدة فيؤلّف حولها القلوب النافرة ويقنع بها النفوس الضعيفة، ويحوّلها بمرور الوقت من ‘تابوهات’ وممنوعات إلى قابل للنقاش ثمّ إلى أفكار وجيهة يتبنّاها المشرّعون والحقوقيّون باسم المساواة والانفتاح على المواثيق الدوليّة والحقوق الكونيّة. ولنا في تونس آذان صاغية وأصوات منادية بالانفتاح على تلك الأفكار ‘والموبقات ‘وتضمينها في الدستور الجديد. فقد اعترف سمير ديلو وزير حقوق الإنسان في محاورة بثتها قناة الجزيرة، بضغوط من منظّمات دوليّة تطالب تونس بتثبيت حقوق المثليين وعدم تجريم أفعالهم. ‘ولكنّ الطلبات التي تمسّ من ثوابتنا لا نجد حرجا في رفضها لأنّنا لا نخضع للابتزاز’، هكذا أجاب ديلو على سؤال يتعلّق بتلك الضغوط التي تأتي من الداخل أيضا، تمارسها جمعيّات منها ‘النساء الديمقراطيات’ التي قدّمت طلبا يحثّ كتاّب الدستور في المجلس التأسيسيّ على الاعتراف بالمثليّة الجنسيّة، وتطوير تشريعات الزواج بإلغاء المهر والفاتحة! قال ذلك الحبيب خضر على الوطنيّة الثانية معبّرا عن صدمته واستغرابه من هكذا طلبات. وفي وقت سابق، تقدّمت ‘شبكة دستورنا’ بمشروع مسوّدة للدستور الجديد يضمن فصله الحادي والثلاثون ‘ لكل مواطن ومواطنة الحق في اختيار القرين بدون تمييز’، والفصل فيه من الغموض واللبس اللغويّ ما فتح الباب واسعا لتأويلات تحتمل الاعتراف بزواج المثليين، فأثار ضجّة لم تخفت حدّتها بسهولة؟ ولنكون منصفين، نقول إنّ هذه الجمعيّات هي من ثمار الثقافة الفرنسيّة بمسّميات وعناوين مختلفة كالحداثة والمواثيق الدوليّة والحقوق الكونيّة. والثقافة الفرنسيّة ترعرعت في ربوعنا طيلة العقود السابقة، ومازالت تعمل على الانتشار بكلّ الوسائل وأهمّها قنوات التلفزيون التي صارت تتكلّم لغتنا لا حبّا فيها وإنّما حبّا في الوصول إلى أكبر عدد من الجماهير لتغيير أفكارهم ومعتقداتهم بجرعات مدروسة. وعلى المشكّكين في هذه القراءة أن يشاهدوا فرانس 24 العربيّة بنظرة ثاقبة ليقفوا على درجة الخطورة التي تنطوي عليها بعض برامجها وهي تسوّق لثقافة بديلة من خلال التشكيك في قناعاتنا وثوابتنا لإضعافها وتهميشها.نبيّة من الله: في برنامج باريس مباشر مثلا، أدار توفيق مجيد نقاشا حول الاغتصاب شاركت فيه هدى زكري من جمعيّة ‘ثقافة وإبداع ومواطنة’، وهي تونسيّة متشبّعة بالثقافة إلى حدّ الإبداع، وكانت أغلب تدخّلاتها معبّرة عن عداء معلن للنصّ القرآنيّ لأنّه لا يساوي بين المرأة والرجل على حدّ قولها، وقد بلغت بها ثقافتها الإبداعيّة درجة التساؤل بغيظ واضح: ‘لماذا لا نجد في الديانات السماويّة رسولة أو نبيّة؟ والمعذرة على هذا التأنيث الذي لا تقبله لغتنا العربيّة، فمنطقها قد يكون ذكوريّا لا يتّسع لبعض بدائع هذا الزمان ومفاهيمه العرجاء للحقوق والمساواة… وفي نهاية البرنامج، وأثناء الردّ على أسئلة المشاهدين عبر الفيسبوك، استغربت زكري من عدم الحديث علنا عن قضيّة المثليّة الجنسيّة وإدراجها في المناهج الدراسيّة… وقد تساءلت لبرهة عن اسم يناسب المادّة الجديدة الموعودة، فلم أجد أفضل من ‘التربية المثليّة’ قياسا على التربية المدنيّة والتربية الإسلاميّة…فبعد تطوير الأسماء والمسمّيات يصبح كلّ شيء مقبولا مستساغا، فلم يعد أحد يتحدّث عن الشذوذ الجنسيّ وإنّما عن المثليّة تهذيبا لها دالاّ ومدلولا، وهي خطّة لغويّة قديمة تعكس جهدا متواصلا للتأثير على الذائقة الثقافيّة بما يحملها على تجاوز المحرّمات، كما فعلنا مع ‘الربا’ الذي صار يسمّى ‘فائدة’…وعلى أيّة حال نطمئن الدعاة إلى هذه البدائل الثقافيّة بأنّ تسويقها لن يكون بالأمر الهيّن حتّى ولو فرضت بقوّة القانون.. والفرنسيّون أو الألمان أحرار في تخريب بيوتهم بأيديهم. وقد (شخبطوا) أسرهم فحرموا أبناءهم من أجدادهم ، ثمّ قرّروا العبث بأقدم مؤسّسة اجتماعيّة على وجه الأرض فابتدعوا زواجا هجينا يجمع بين رجلين أو بين امرأتين. وتلك ضلالة لا مكان لها في مجتمعاتنا.ملحة الوداع: لا أعتقد أنّ الهاشمي الحامدي سيشكو بعد اليوم من مقاطعة التلفزيون التونسي له، فقد احتفلت به قناة التونسيّة في برنامج التاسعة مساء فزارته في بيته اللندنيّ الفاخر وصوّرته راكبا سيّارته الفاتنة وتحدّثت عن مواهبه الكثيرة ومنها الغناء، وعن برنامجه السياسيّ الذي يَعِد الشعب بالعلاج المجانيّ ونِعَمٍ أخرى لا حصر لها. الهاشمي الحامدي بشّر التونسيين في نهاية البرنامج بأنّه سيكون رئيسهم القادم فقال جازما للصحفيّ الذي استضافه: ‘ لقد فزتَ بسبق صحفيّ يا معزّ لأنّك تخاطب الآن رئيس تونس القادم’..ولكنّ الحاضرين ضحكوا وضحك الجمهور وكأنّه أمام كوميديا هزليّة. والحامدي كان جادّا في قوله، مؤمنا بحظوظه، وبالشعار الذي رفعه أوباما في أمريكا (yes we can). شعار يردّده ونسمعه يوميّا في حملته الانتخابيّة على (المستقلّة) من خلال برنامج حوارات تونسيّة الذي تسبقه وجوبا أغنية ‘طلع البدر علينا’ ذات المعاني المرحّبة المستبشرة… ولعلّ التونسيّين سينشدونها قريبا للترحيب برئيسهم القادم ظافرا من لندن، ضحك من ضحك وبكى من بكى. كاتب تونسي[email protected] qmaqpt