عمان-»القدس العربي»: فتحت جريمة القتل الأخيرة في الأردن (الطفايلة والسبعاوية) باب الانتقادات للقوانين المعمول بها على مصراعيها، وسط مطالبات أجمع عليها الكثير من الخبراء والمختصين بالخروج بقانون يعمل على تطوير قانون منع الجرائم والعرف العشائري في مخرج متوازن يرضي العدالة الإنسانية في المجتمع، وخاصة المواد المتعلقة بالجلوة لوضع ضوابط تحد من معاناة المواطنين.
ويبدو ان الجدل يدور على المسألة الشائكة فيما يتعلق بمفهوم «الجلوة» الذي جاء بمسودة القانون في منع الجرائم عام 1954.
تعرف الجلوة على أنها «ترحيل ذوي الجاني عن المنطقة التي يقيم فيها ذوو المجني عليه» حيث زادت من تضخيم المشهد الاجتماعي في تلك القضايا وذلك من خلال إجبار العديد من العائلات على ترك بيوتهم في جرائم لم يرتكبونها نتيجة لما عززه القانون في بعض بنوده التي تتنافى مع ما يقره الدستور من قدسية للحرية الشخصية، معتبراً الأخير أنها أولوية ويجب أن تظل مصانة، وأن لا يتم التضييق على الناس إلا ضمن ما يقره القانون حين الخروج عليه.
والأكثر تعقيداً ان القانون يعتبر نافذاً لغاية الآن، وهو يمنح للحاكم الإداري سلطة فرض كفالة، أو حجز أو تقييد حرية الأشخاص الذين يرى أن لديهم أسبابا لاتخاذ إجراءات بحقهم، ويتدرج هذا الإجراء من الاستدعاء إلى الربط بكفالة عدلية، وصولا إلى تقييد الحرية في مكان السكن، أو الحبس بدون ضوابط وهذا يعتبر خرقا للقانون واعتداء صارخا على القضاء في عدم ضمانة محاكمة الأشخاص محاكمة عادلة.
وعلى ضوء ذلك، يؤيد كثيرون التخلص من مفهوم الجلوة لما فيها من ظلم للناس الأبرياء وتتعارض مع مبادئ الدستور والعقاب الفردي. والأصل فيها إذا بقيت متلازمة ومتسقة مع نظام العشائري ان تقتصر على الأفراد المذكورين في دفتر العائلة فقط.
العرف العشائري
والملاحظ ان القانون العشائري لا يمكن إغفاله في الأردن ويتم تطبيق حكم الأعراف العشائرية فيه بشكل نافذ على الرغم من إلغائه كقانون عام 1976 نظراً لطبيعة المجتمع الأردني الذي تعد العشائر جزءاً أساسياً فيه وهو ما يبرره الكثير أن العرف العشائري هو مكمل ورديف للدولة في حل المشاكل والمحافظة على الأمن والسلم المجتمعي، معتبرين انه ما زال يسيطر على الأمور المتعلقة بالصلح وخاصة المدة الزمنية للجلوة وعدد المشمولين في الترحيل وإطلاق أحكام متعلقة في التغريم، في حين يترك محاكمة الجاني بيد المحاكم المدنية المختصة في ذلك.
في المقابل، قال أمين عام وزارة الداخلية والحاكم الإداري الأسبق سامح المجالي، إن هذا الشأن يتطلب من دولة رئيس الوزراء أن يشكل لجنة من ذوي الخبرة وبحضور الأجهزة بأن يتفقوا على آلية معينة يحدد فيها دور القضاء ودور الحاكم الإداري بالإضافة إلى دور الشيوخ حتى تستطيع ان تخرج بقانون يحرص على الموائمة بين تطبيق التشريعات الوطنية لتساعد الناس في حل قضاياهم العالقة.
وأضاف المجالي في مبادرة مفصلة ناقشها مع «القدس العربي» ان على جميع من يقوم بجمعهم رئيس الوزراء ان يتحملوا القرار ويترجم إلى «قوننة» حتى تحل جميع الإشكاليات، منوهاً إلى أن الحاكم الإداري لا يستطيع ان يعتمد على الشيوخ في مسألة الجلوة خوفا من عدم حماية أهل الجاني. ففي السابق كان الاعتماد عليهم نظرا لقوة سلطتهم وهم يقومون بمساعدة الحاكم الإداري في هذه القضايا، لكن في الوقت الحالي لا أحد يستطيع ان يحميهم سوى الدولة من خلال القوة وبوجود الشرطة والجيش.
وأوضح المجالي قبل ذلك في حديثه خلال مداخلته في برنامج «صوت المملكة» الذي يقدمه الإعلامي عامر الرجوب، أن في حكومة 2013 تمت إعادة النظر بقانون منع الجرائم وتم إدخال قضية الجلوة والقضايا العشائرية فيها، مشيراً إلى أن اللجنة برئاسة د. نوفان العجارمة اجتمعت في وقتها ما يقارب 30 مرة، لكنهم اصطدموا في ذلك الوقت مع قرارات مجلس النواب واجل مشروع القانون الذي لم يحذف وموجود لغاية الآن.
وفيما يتعلق بالحكام الإداريين، أكد المجالي ان هناك مجلسا أمنيا توافقيا مسؤولا عن هذه القضايا يحفظ هيبة الدولة، وذلك بمشاركة كافة الأجهزة الأمنية التي تؤمن المعلومات من ناحية مصادرها، مثل البحث الجنائي من ناحية الأمن، والقوات المسلحة التي تحدد مكان الجريمة، وبناء على ما ورد تقوم بحجز أبناء العشيرة الذين يعملون في الجيش، لافتاً إلى ان هذا المجلس وضعيته فقط في المتابعة.
ورأى، ان ما يهم في القضايا العشائرية هي التي لا تؤثر في الجبهة الداخلية من الناحية الوطنية داخل البلد، وهناك قضايا بسيطة يمكن حلها لكن الأهم هو الابتعاد عما يخدش الوحدة الوطنية وهذا موقف حصل في المشكلة الأخيرة التي اشغلت الرأي العام على مدار أكثر من يوم.
وتابع المجالي «أن القانون العشائري اوقف عام 1976 واعتمدت الوثيقة التي وزعها الملك حسين في عام 1987. وان الجلوة العشائرية محددة سنة متفقين عليها، لكن المهم هو معالجة ضعف الجهات العشائرية بينما الحاكم الإداري ليس بحاجة لتعديل أي قانون إذا كان في قضايا ممكن حكمها في القضاء في أمور مستعجلة، أعتقد هذا أكبر شيء، لكن إعادة الجلوة من الحاكم الإداري بالضعف الموجود فيه، أعتقد من الصعب لأن السلطة التقديرية عنده لا تسمح له بذلك كونها توجد في مناطق معينة من الصعب الإرجاع إليها، وهناك مناطق من السهل إرجاع الجلوة عليها. وفي عام 2013 تم تعديل القانون وتوسيع صلاحيات الحاكم الإداري لكنها توقف».
الحاكم الإداري
وعن الأحداث الأخيرة علقَ المجالي قائلاً «يوجد حكام إداريين يجب استغلالهم بالتعاون مع الحاكم الإداري للتدخل في مثل هذه القضايا الحساسة، مبرراً ذلك من خلال ما كشفته المشكلة الأخيرة من شح في المعلومات وبناء عليها لا يستطيع أحد احتوائها من دون معرفة تفاصيل الأسباب، الأمر الذي جعل المشكلة تخرج إلى نطاق استهداف الجبهة الوطنية الداخلية».
واختتم المجالي حديثه بالقول «هذه الأمور يجب حلها بشكل جذري، وفي الوقت الحاضر الذين نخسر فيه الوطن يجب ان تعدل كافة الأعراف، والحكومة عندها القدرة الكافية على سن قانون لوحدها من دون مساندة أحد ويقوم بتحديد منطقة للجلوة».
دولة القانون والتشريع
من جانبه اعتبر المحامي وائل فوزان في حديثه لـ «القدس العربي» أن «القانون العشائري منذ زمن طويل يعد أحد شرايين القضاء الأردني الاعتباري غير الرسمي الملزم. إلا انه ومع العلم ان أحكام الشيوخ والقضاة أقرب إلى الأحكام الشرعية منها».
ورأى فوزان، «ان وجود هذا القانون لو كان ذو فائدة حقيقية على أرض الواقع، إلا انه يلغي مفهوم احترام دولة القانون والتشريع، وبناء على ما تقدم أتمنى أن يتم إلغاء وجوده أصلا والسير إلى دولة مدنية جديدة حيث لا يتم القصاص إلا من الجاني ولا يظلم أحد تحت مظلة العدل».
وقالت محامية في اتحاد المرأة الأردني «فضلت عدم ذكر اسمها» إن فرض القانون هو دور مناط بالدولة وهيبتها وعليها فرض القانون على الجميع كما هو واجبها في حماية حقوق الأفراد وسلامتهم . بما في ذلك عوائل المتهمين بقضايا القتل.
وأوضحت لـ «القدس العربي» ان «التناقض يبرز من هنا وخاصة بين القانون النظامي والعرف العشائري، حيث ما زالت الدولة تشرف على تطبيق العرف وان تناقض مع القانون أو الدستور رغم ان القوانين العشائرية الغيت جميعها منذ عام 1987 وهي غير ملزمة قانونا لكن العرف العشائري ما زال يؤخذ بعين الاعتبار».
وأشارت إلى أن ما تعلنه العشائر في قضايا القتل يشكل تهديدا معنويا وماديا وتدخلا في أعمال القضاء وانتهاكا لحرمة المحاكم وبحق التقاضي والدفاع، كل ذلك خلافا لأحكام قانون العقوبات وقانون أصول المحاكمات الجزائية.
الانتماء إلى الوطن
وأجمع العديد من المحامين المختصين في هذا الجانب على إن تطبيق العرف العشائري يضعف الدولة، فالدولة التي تسمح للأفراد والجماعات بتطبيق العقاب بعيدا عن سلطتها دولة فاشلة بكل المقاییس، منوهين إلى ان ما يحتاجه الجميع هو مجتمع یحركه الانتماء إلى الوطن وقوة وعي المواطن بما له من حقوق وما علیه من واجبات، وبهذه النتيجة نصل إلى احترام كافة القوانين وضمانة العدالة الحقيقية.
وأكد مختصون كثر من بينهم الحقوقي عماد قيسي على أن الدولة هي من تحفظ الحقوق وقيمها من الزوال والعبثية والتشتت باسم الشعب وليس باسم رجل العشيرة، لأن قوانين الدولة العشائرية لا تمثل في أحسن صورھا الدولة المدنية الحديثة التي يطمحون لها، لافتا إلى أن العشائریة وبكافة أشكالها اليوم لا توجد في الدول المتقدمة بل في المجتمعات المتخلفة لأنها أصبحت عقبة أمام نمو المجتمع وتطوره.
في حين، یرى نشطاء مؤسسات المجتمع المدني أن الجلوة من أخطر القضايا التي تواجه المجتمع الأردني، وأولى ھذه الأخطار أن القضاء العشائري لا سلطة له لإلزام أهل المجني عليه للتنازل عن قرار الجلاء، مؤكدين أن الجلوة يجب ان تلغى خاصة في ظل وجود الأمن لحفظ المجتمع ليس كالسابق وان كثيرا من الدول ألغتها ولا تتعامل معها بسبب قوة النظام القضائي والأمني فيها.
كما ان الجلوة تتعارض مع نصوص الشريعة الإسلامية وهي تعد في نظر الشريعة أمر باطلا لا يجوز ولان الشريعة تقرر ان كل إنسان مسؤول عما يفعل ولا يحاسب شخص سواه على ما فعل لقوله تعالى «وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ».
ولكن يبقى لشيوخ العشائر رأي مختلف في هذه الجلبة التي لم يتم التوافق على حل لها لغاية الآن منذ سنوات عجاف، فهم يعتبرون ان الجلوة عبارة عن صمام أمان في بعض الأحيان وخاصة المتعلق في الجرائم الكبيرة مثل القتل وهتك العرض وغيرها وذلك من خلال حصر الجريمة وتضييقها وعدم اتساعها عند المتخاصمين، فالكثير من تلك القضايا بحد قولهم لم تحل قضائياً من قبل الدولة إلا بعد السير في الإجراءات العشائرية المتبعة؛ وإذا تم الصلح حينها يبقى الأمر سهلاً بالنسبة للسلطة القضائية ورجالها بأنهاء القضية عشائرياً وتولي مهامها في تطبيق عقوبة الحق العام.
وبناء على ذلك، أكد الكثير من الشيوخ أن تدخل العرف العشائري لا يتعارض مع القانون، بل انه يسير معه في نفس الاتجاه من خلال السير في الإجراءات التوافقية مع محكمة الجنايات الكبرى لتحقيق العدالة لصاحب الحق كل حسب اختصاصه لما هو متعارف عليه.
يشار إلى ان في الأردن 413 قضية عشائرية ما زالت عالقة لدى الحكام الإداريين في المحافظات كافة منذ عام 2010.