«الساحات المعلَّقة» تنتظر على رقعة «الشطرنج» بدون «نهائيات» حاكمة

رلى موفّق
حجم الخط
0

كانت الرهانات والتوقعات والآمال بأن يحملَ العام 2021 تسويات وحلولاً للأزمات في ساحات الصراع المحتدمة، فإذا به يُقفل على ساحات مُعلّقة بين «اللاحرب» و«اللاسلم» ساحات مفتوحة على الحرب والسلم في آن، لا تزال في دائرة المراوحة أو الانتظار لتحديد المسار الآتي. هذه حال كثير من دول الإقليم الواقعة تحت نفوذ محور إيران، من العراق إلى سوريا ولبنان واليمن. دول تعيش حالاً من تقطيع الوقت الثقيل بانتظار ما سيُسفر عنه ملف التفاوض حول النووي الإيراني ومتفرعاته بين طهران وواشنطن. دول ليست سوى حجارة على رقعة طاولة الشطرنج الدولية. يجري ذلك على وقع استدارة أمريكية نحو شرق آسيا وانسحاب عسكري من غربها سيلقي بظلاله على منطقة الشرق، ويستدعي ترتيبات وتحالفات جديدة مع التبدُّل في أولويات الاستراتيجية الأمريكية لعقود مقبلة، حيث الصين هي العنوان والوجهة ومدار التحوُّلات.
فبعد عشرين عاماً من غزوها لأفغانستان في أعقاب أحداث 11 أيلول/سبتمبر، تترك الولايات المتحدة هذا البلد مسرحاً لكل أنواع النزاعات الداخلية، وبؤرة قابلة للاشتعال مع جيرانها. وكما كان غزو كابول مفصلياً في تغيير التوازنات في المنطقة، فإن انسحابها هو تاريخ مفصلي أعاد خلط الأوراق مع عودة حركة طالبان إلى الحكم التي تنتظرُ أن يعترفَ العالم بشرعيتها.
وأمريكا، التي عادت في 2014 إلى العراق عسكرياً، على رأس التحالف الدولي لمحاربة «داعش» أعلنت أنها ستغادره مع انتهاء مهمتها نهاية السنة، ما سيترك فراغاً من جديد في بلاد ما بين النهرين كما حصل مع الانسحاب الأول في 2011 الذي أعقب الغزو في 2003 مع الإبقاء على بعض القوات لمهام تدريبية للجيش العراقي، ما سيحوّلها إلى صندوق بريد في بلد تُسيطر عليه الميليشيات الموالية لإيران التي تخوض راهناً معركة الحفاظ على مكتسباتها ونفوذها في السلطة بعد خسارتها في الانتخابات البرلمانية.

الحرب على الإرهاب

العراق يقفُ اليوم على حافة السقوط مجدداً في حرب لن تحمل مسمى «الحرب على الإرهاب» والتي لبسَتْ، ولا تزال، لبوس حرب شيعية – سنيّة وتغيير للواقع الديموغرافي في المحافظات السُّنية، بل ستكون حرباً داخل «البيت الشيعي» في الصراع المحموم على السلطة، بين فصائل فَقدَتْ في صناديق الاقتراع مشروعية يمكن التلطّي وراءها للإبقاء على سطوتها العسكرية والأمنية كامتداد لهيمنة ونفوذ إيرانيين، وبين التيار الصدري الذي أعطته اللعبة الديموقراطية انتصاراً من ضمن المنظومة وليس عليها. العملية السياسية برمتها مُعطّلة بانتظار مصادقة المحكمة الاتحادية على نتائج الانتخابات، وليس تأجيل المصادقة سوى محاولة لتأجيل الانفجار السياسي وتداعياته الأمنية.
تُطِلُّ سنة جديدة على انسداد سياسي في العراق ينسحبُ هو الآخر على سوريا التي تتقاسمها خمسة جيوش: أمريكية، وروسية، وتركية، وإيرانية، وسورية، ولكل منها فصائلها في الميدان وميليشيات تعود لها، فيما نظام بشار الأسد يُشكِّل الحلقة الأضعف، ويُواجه عقوباتٍ اقتصادية عليه، وعقوباتٍ مالية على رجالاته، فيما البلاد تُعاني ضائقة اقتصادية؛ وتنتظرُ عملية إعادة الإعمار بدء مسار التسوية السياسية وفق القرار الأممي 2254 العالق على فالق ما ينتظرُ موسكو مع واشنطن، ومن خلفها أوروبا، في أكثر من ملفٍ قديم جديد، وأحدثها اليوم الحشد الروسي على الحدود مع أوكرانيا بنحو 125 ألف جندي، ما يُنذر بإمكان إقدام «سيِّد الكرملين» فلاديمير بوتين على غزو الجارة الأوكرانية التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفياتي والدول الأبرز في الاتحاد بعد روسيا، وذلك تحت عنوان «حماية مصالح الأمن القومي الروسي» في ضوء تَوجُّه حلف «الناتو» بقيادة أمريكا إلى الموافقة على انضمام كييف إلى عداد دول الحلف، ما يعني عملياً أن الحلف الأطلسي بات في عقر دار «الدب الروسي»، وهذا خط أحمر بالنسبة لموسكو.
على أن حلبات الشدِّ والجذب عديدة ومُعقّدة… الصراع بين أذربيجان وأرمينيا على إقليم ناغورنو كراباخ لم يصل إلى نهاياته. بقي الإقليم لعقدين من الزمن بيد أرمينيا قبل أن تشنَّ باكو في تشرين الثاني/نوفمبر 2020 حرباً دامت 44 يوماً انتهت باستعادته، من دون أن تُسدل الستارة عليه، ما يجعله فتيلاً قابلاً للاشتعال، وقد شهدتْ أذربيجان المدعومة تركياً، وأرمينيا المدعومة روسياً، اشتباكات هي الأعنف منذ سنة.
وليبيا هي الأخرى مفتوحة على «لا نهائيات». شكَّل وقف إطلاق النار بين الشرق والغرب الليبيين خطوة على مسار فتح الطريق أمام تقدُّم سياسي في البلاد. كان يُفترض بيوم 24 كانون الأول/ديسمبر أن يشهدَ انتخابات رئاسية، يُشكِّل الرجل القوي في الشرق المشير خليفة حفتر ونجل معمر القذافي سيف الإسلام أبرز المتنافسين عليها، لكن تمَّ تأجيلها وسط شكوك ليس بالقدرة على إجرائها بصورة نزيهة وشفافة، بل بقدرة الفرقاء الليبيين على قبولهم للنتائج، فمخاوف المراقبين كبيرة من أن تؤدّي نتائج الانتخابات إلى توسيع هوَّة الانقسامات الداخلية، ولا سيما مع الحسابات الجهوية التي تتقدَّم على الحسابات الوطنية في ظل غياب التوافق الجامع على مستقبل البلد. وما يزيدُ من الانقسامات في المشهد الليبي استنجاد طرفي الصراع بمرتزقة جنَّدتهم روسيا لمصلحة حفتر الذي يحكم الشرق، وتركيا لمصلحة حكومة طرابلس.
وإذا كانت أصوات المعارك صمتت لبعض الوقت في ليبيا، فإنها حدّتها ارتفعت في أثيوبيا مع محاولات كادت أن تنجح بسيطرة جبهة تيغراي على العاصمة أديس أبابا لولا تبدُّل المشهد بين ليلة وضحاها، قيل إنه ناجم عن دور حاسم لمسيّرات وصلت إلى الجيش الأثيوبي، فغيَّرت مسار المعركة.

طائرات من دون طيار

تحوَّلت الطائرات من دون طيار أو المسيّرات إلى عاملٍ مؤثرٍ في ساحات المعارك، حيث إن كثيراً من الجيوش غير مجهز لمواجهتها. جرى اعتبار أن المسيّرات التركية التي كانت بحوزة الجيش الأذربيجاني ساهمت في حسم معركة إقليم ناغورنو كراباخ، في ظل عدم استحواذ الجيش الأرمني على أجهزة ورادارات تشويش مناسبة. يُشكِّل اليوم هذا العامل عنصر تحدٍ للجيوش النظامية من قبل الجماعات المسلحة. ففي حرب غزة الأخيرة، كانت المسيّرات ذات الكلفة البسيطة حاضرة بقوة، وشكَّلت تحوّلاً نوعياً عن الحروب السابقة.
والصورة تكرَّرتْ في اليمن، حيث اعتمد الحوثي، المدعوم من إيران، على سلاح المسيّرات التي لا تحتاج إلى تقنيات عالية لاستهداف الأراضي السعودية والتي لا تلتقطها الرادارات، قبل أن تتجهزَ المملكة بالأجهزة القادرة على رصد وَجَبه تلك الأنواع من المسيّرات. اليمن الفاقد لسمة «السعيد» كان مُعوَّلاً أن يشهدَ عام 2021 بداية النهاية لأزمته، ولا سيما مع وصول إدارة جو بايدن إلى «البيت الأبيض»، وإيلائها ملف إنهاء حرب اليمن مرتبة متقدمة من الاهتمام دفعها إلى رفع جماعة «أنصار الله» الحوثية عن لائحة المنظمات الإرهابية بعدما تمَّ إدراجها من قبل إدارة دونالد ترامب، وإلى التضييق على الرياض ووقف تقديم الدعم التقني. لكن الخطوة الأمريكية التي فسَّرها متابعون على أنها محاولة لتحفيز إيران قبل بدء التفاوض على النووي، استفادتْ منها الأخيرة في لعبة تحسين الأوراق للحفاظ على المكاسب الإقليمية، متكئة على فهمها لنهج بايدن وفريقه الذي سبق أن خبرته طهران حين فاوضتْ على اتفاق 2015.
فرغم كل الدعوات الأممية لوقف إطلاق النار والعودة إلى انتهاج الحل السلمي، كان محللون لصيقون بـ«محور إيران» يؤكدون أن طهران لن تذهب إلى ترتيب ملف اليمن قبل أن تسقطَ مأرب بيد الحوثيين، وهو ما سيضع السعودية في وضع الخاسر استراتيجياً.
غير أن المشهد في مأرب تحوَّل بشكل كبير، ما أن ظهر أن طريق «فيينا» تتعثر، وأن حظوظ العودة إلى الاتفاق النووي أو التوصل إلى اتفاق جديد تتراجع وسط تقارير عن قرب وصول إيران إلى العتبة النووية. وقع الحوثي تحت ضربات مُحكمة من الجيش اليمني ومن التحالف العربي بقيادة السعودية، وطاولت الضربات الجوية مراكز ومستودعات ذخيرة ومنصات إطلاق صواريخ باليستية في قلب صنعاء، وبدأت عمليات ضبط الأسلحة المهرّبة بحراً من إيران إلى جماعة «أنصار الله» تطفو إلى السطح. قد يكون من المبكر الجزم بقرب دنو ساعة إعلان وقف إطلاق للنار والقبول بالعودة إلى الطاولة، لكن بالتأكيد أن ثمَّة بدايات تَبدُّل في المشهد اليمني.
ليس هذا التبدُّل مفصولاً عن الضغوطات على إيران والتي تُترجم في ساحات نفوذها. لبنان هو أحد هذه الساحات، يسيرُ بشكلٍ متسارع إلى القعر وما دونه على المستوى الاقتصادي والمالي، وسط أزمة سياسية تتحكم به وقابلة للتمدد، على أبواب انتخابات نيابية يُراهن المجتمع الدولي أنها قد تحمل تعديلاً في التوازنات الداخلية المختلّة التي كرَّست سيطرة «حزب الله» وحلفائه على البرلمان، بعدما أدّت التسوية السياسية عام 2016 إلى وصول الحليف المسيحي لـ«الحزب» إلى سدَّة الرئاسة. هذا الاختلال في التوازن الداخلي، وضُعف الدولة اللبنانية ومؤسساتها أفضى إلى إدارة ظهر خليجية، ولا سيما سعودية، عمَّقتها «حرب المخدرات» التي شُـنَّت على المملكة من البوابة اللبنانية، على مرمى ومسمع من الأجهزة الأمنية والجمركية المتواطئة مع «حزب الله»، ما جعل الرياض ترفع بطاقتها الحمراء في وجه لبنان، مع تضامن خليجي بانتظار حلول جدية.

السودان ولغة الانقلاب

سمة «الساحات المعلّقة» تنطبق على السودان الذي يُفترض أنه يعيش مرحلة انتقالية منذ «الثورة على البشير» في 2019 بموجب اتفاق سياسي يتقاسم فيه السلطة الجيش والقوى السياسية المدنية بهدف بناء الهياكل الدستورية التي تُعبِّد الطريق نحو تحوُّل ديموقراطي في صناديق الاقتراع. فإذا بالانقسام مجدداً يُصبح العنوان الطاغي، وعادت لغة «الانقلاب» و«تصحيح مسار الثورة» إلى حيِّز الاستخدام والممارسة. انقلاب بقيادة رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان على الشريك في الاتفاق السياسي عبد الله حمدوك الذي وُضع وقيادات سياسية تحت الإقامة الجبرية، تلته احتجاجات شعبية، فضغوط دولية، فعودة عن الانقلاب وتوقيع اتفاق جديد بين البرهان وحمدوك، الذي يُواجه هو الآخر، ضغوطاً من القوى التغييرية الطامحة والحالمة بمسار ديموقراطي يسود السودان بديلاً لحكم عسكري لعقود ثلاثة، لكنه مسار لا يمكن تحقيقه من دون إصلاحات جذرية، وسياسات متوازنة وتنمية وعدالة، تبقى هي بيت القصيد ليس فقط في السودان، بل في كل الدول المُشتعلة والمُشلَّعة والمُنتظرة لتحديد البوصلة بين «الدولة» و«اللادولة».
يطوي العام 2021 آخر صفحاته ولا يزال هاجس وباء كورونا ماثلاً، لا بل هو الخطر الذي يتجدَّد مع كل متحوّر جديد يظهر ويتنقل في مدار كوكب الأرض من دون حدود أو حواجز. اليوم يُطلُّ العام الجديد على متحوّر «أوميكرون» الذي فرض على الدول الإغلاق ثانية لمنع انتشاره السريع وتأثيره على الاقتصاد العالمي، الذي لم يتعافَ بعد من تداعيات «كوفيد-19» قبل أن تُطلَّ المتحوّرات برأسها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية