الساحة العربية بين الغلومرات والمحظورات

«الاختيار» و»الحقوق» مصطلحان إلى حد كبير مترادفان؛ فعل «الاختيار» لا يمكن حدوثه بدون إعطاء الفرد «الحق» في فعله، ومن ناحية أخرى، سوف تصير «الحقوق» عديمة القيمة إذا لم تتوافر لدى الإنسان القدرة على «اختيار» ممارسة «الحق» المناسب في الوقت المناسب، وإلا شاعت الفوضى وصارت «الحقوق» و»الاختيارات» وسيلة لإيذاء النفس قبل إيذاء الغير. ومن هنا، يجب التشديد على أن الإرادة الحرة للفرد هي مصدر «الاختيارات» و»الحقوق»؛ لارتباطًها بمفاهيم المسؤولية الأخلاقية، والثناء، والذنب، والخطيئة، والأحكام الأخرى التي تنطبق على الأفعال التي يتم اختيارها بحرية.
وحسب ما يشدد عليه الفيلسوف الألماني فريديريك نيتشه في كتابه «العلم المرح» Gay Science (1882)، قد يتصور البعض أن الإرادة الحرة تمنح الفرد قدرة على اتخاذ خيارات مطلقة، أو بعيدة عن الواقع، وهذا بالطبع خطأ، لأن أحداث الماضي تحدد نتائج الاختيارات، وبالتالي تحدد الحقوق. وإذا كانت الحتمية Determinism هي عكس الإرادة الحرة، لكن أيضاً، تنطوي «الإرادة الحرة» و»الحقوق» على جوانب حتمية كثيرة. وهذا النزيف الجدلي يمكن إيجازه في أن كلا من «الاختيار» و»الحقوق» و» الإرادة الحرة»، التي يدافع عنها الفلاسفة والليبراليون، تنطوي على قدر من الحتمية حتى لا تحيد عن مسارها الصحيح. ولكن، إذا طغى الجانب الحتمي على الإرادة الحرة، يدخل الإنسان في دوامة المنع والمحظورات، التي سوف تقوده في نهاية الأمر إلى فقدان القدرة على ممارسة إرادته الحرة. وبالتأكيد، سوف يسلب منه استحقاقه لميزة «الاختيار» والمطالبة بـ»الحقوق». وتلك المسألة الجدلية العويصة تشبه جدل «من خُلق أولا البيضة أم الفرخة؟» والطريف أن ذلك الجدل الأبدي قد تجلى من ساحات المناقشات الفلسفية إلى الواقع السياسي، أثناء الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والإتحاد السوفييتي. وفي إطار التحفز واستعراض قدرات كل منهما أمام الآخر، أخذت الأساطيل البحرية الأمريكية والسوفييتية تجول في البحار والمحيطات. إلى أن وقع المحظور، واختفت سفينة أمريكية في بحر اليابان. وبالتأكيد، اتجهت أصابع الاتهام للأسطول السوفييتي، لكن بلا دليل. وعندئذٍ، صار الهدف الرئيسي للأسطول الأمريكي، رد الصاع صاعين. وبالفعل، وبعد شهرين فقط، اختفت غواصة سوفياتية K-129 في مارس/آذار 1968 في ظروف غامضة.

قد يتصور البعض أن الإرادة الحرة تمنح الفرد قدرة على اتخاذ خيارات مطلقة، أو بعيدة عن الواقع، وهذا بالطبع خطأ، لأن أحداث الماضي تحدد نتائج الاختيارات، وبالتالي تحدد الحقوق.

وبدون أدنى شك، كانت جميع أصابع الاتهام موجهة للأسطول الأمريكي، الذي لم يعلن مسؤوليته. وتكمن أهمية الغواصة في محتوياتها من «صندوق تشفير» Code Box، الذي يكشف نظم التشفير السوفييتية، إلى رؤوس نووية. وعلى الرغم من أن القوات السوفييتية نشرت فرق بحث في كل مكان عن الغواصة، خشية وقوع محتوياتها في أيدي الأمريكيين. لكن، بدون جدوى. وبعد رحيل فرق البحث السوفييتية، أعلن الأسطول الأمريكي عثوره على الغواصة على بعد 1500 ميل من جزر هاواي، وعلى عمق هائل يبلغ ثلاثة أميال من سطح المحيط.
وبدون شك، كانت الغواصة السوفييتية بمثابة كنز استراتيجي وسياسي للمخابرات الأمريكية، ولصعوبة انتشالها، تم الاتفاق على بناء سفينة بحرية ضخمة مزودة بمخلب ميكانيكي مهمته الإمساك بالغواصة وانتشالها من القاع. ولصعوبة تحقيق الهدف، كان لابد من القيام بالتعتيم على نوايا الاستخبارات الأمريكية، من خلال إيجاد ستار مناسب لتنفيذ المهمة، بدون إثارة شكوك السوفييت. فاستعانت المخابرات الأمريكية برجل الأعمال والبليونير الأمريكي الفاحش الثراء هوارد هيوز صاحب شركة «غلوبال مارين»، كستار لانتشال الغواصة، الذي ادعى أنه صار لديه ميل للتعدين، وأنه عازم على استخراج المنغنيز من المحيط الهادي، فلم يثر هذا الستار التمويهي شكوك الجانب السوفييتي. وتم بناء السفينة في ست سنوات متتالية (1968-1974). وفي يوليو/تموز 1974، بدأت السفينة الأمريكية انتشال الغواصة، والمفاجأة أن الكاميرات التي سجلت العملية كانت تنقل الصور بعد حدوثها بربع ساعة؛ لأن الفني نسي أن يعيد تنشيط وتحديث الكاميرات. وحين تم سماع خبطة قوية، تبين أن المخلب لم يستطع حمل إلا قشرة خارجية من الغواصة، أما الغواصة نفسها فمستقرة في قاع المحيط.
ولأنه لا يمكن ارتكاب مثل هذا الخطأ الفادح من قبل المخابرات المركزية الأمريكية في عملية شديدة الإحكام، وجد المواطن الأمريكي أن من حقه الاستفسارعن حقيقة الأمر، وفقأ لقانون «حرية المعلومات» Freedom of Information Act الذي صدّق عليه الرئيس الأمريكي ليندون جونسون عام 1966، يلزم أي جهة حكومية مهما كانت، أن تجيب عن استفسارات أي مواطن أمريكي عن سير أعماله. وفي إطار تلك الشفافية، صار محتماً على الاستخبارات المركزية الأمريكية، أن ترد على استفسارات المواطنين. ففكرت في وسيلة للتحايل على القانون، وإلا سوف توضع الولايات المتحدة في مأزق مع الاتحاد السوفييتي. وبما أن الكذب جريمة يعاقب عليها القانون، فابتكرت الاستخبارات المركزية الأمريكية رداً لجميع المستفسرين، يقيها من المساءلة والعقاب، واسمته «رد غلومر»Response Glomar، تيمناَ باسم شركة «غلوبال مارين» المنفذة للعملية، وذلك باجتزاء المقطع الأول من كل كلمة لتكوين كلمة غلومر Glomar. وهذا الرد الفريد كان كالتالي: «نحن لا نؤكد أو ننفي وجود المعلومات قيد الطلب. وفي حالة وجود تلك المعلومات، على سبيل الافتراض، فإنها سرية ولا يمكن الإفصاح عنها».
ولاستياء المواطن الأمريكي من هذا الرد المبهم، تم رفع قضايا عدة على جهاز المخابرات، الذي كان دفاعه أن تلك المعلومات سرية، وإفشاءها يهدد الأمن القومي الأمريكي. وبالفعل، تم رفض الدعوة المرفوعة على جهاز الاستخبارات. وبالمثل، اعتبرت الجهات الحكومية الأخرى «رد غلومر» مخرجاً رائعاً للتهرب من الرد على استفسارات المواطنين، التي تلزمها بالافصاح عن معلومة قد تدينها في المستقبل، ما جعل «قانون حرية المعلومات» لاغياً بدون أن يتم إلغاؤه. ولو كان في رد «غلومر» تعتيماً، لكنه لا ينتهك مبدأ «الاختيار» و»الحقوق» المنبثق من ممارسة «الإرادة الحرة» لأي من الأطراف المعنية. وعلى الرغم من أن «الغلومرات» تدفع للبشر للشعور بالحنق، لكن تأثيرها لا يساوي وضع التساؤل نفسه تحت بند المحظور، وأن مجرد التفكير في المساءلة يضع الفرد تحت طائلة القانون. فالأجهزة السيادية في أي مكان في العالم تميل للقمعية، ورفض مساءلتها، ولكن مع فارق فعل ذلك بطريقة لا تعبث بـ»الإرادة الحرة» بالبشر وتقتل فيهم روح الشجاعة والإقدام، والتفكير الحر عند «الاختيار»، أو المطالبة «بحقوقهم». وبالنظر لعالمنا العربي، يقفز للأذهان التساؤل ما إذا كانت تمارس على شعوبنا «غلومرات»؟ أم أنها محظورة من التفوه باستفساراتها؟ الشفافية كلمة مطاطة لجدل عميق، سبيله التحايل وليس الصراحة. لكن، على الأقل توجد شفافية حتى عند التحايل.

٭ كاتبة مصرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية