(الأناضول): المفارقة وسط السودانيين، المعروف عنهم إلى حد ما عدم دقتهم في المواعيد، حرصهم على ارتداء الساعات الفخمة، لكن هذا التقليد ربما كان في طريقه للاندثار، بفعل البدائل التي وفرتها التكنولوجيا.
قبل عقود طويلة كانت ماركة الساعة التي يرتديها أحدهم في معصمه، محل تباهي، حتى في الأغاني الشعبية، ويكاد لا يخلو سوق رئيس من قسم مخصص لبيع مختلف العلامات العالمية.
إلا أن هذا الزخم تراجع، خلال العقدين الماضيين، حيث بات معرفة الوقت متاحاً بعدة خيارات، من الهواتف النقالة إلى شاشات التلفاز.
واليوم، فإن شارع الجمهورية، الواقع وسط الخرطوم، وكان معقلاً لهذه التجارة، لم يعد به سوى عدد قليل من فترينات العرض الزجاجية، وعدد أقلّ من فنيي الصيانة، الذين يُطلق، شعبياً، على الواحد منهم “ساعاتي”.
ويقر عثمان قرشي، الذي يعمل في بيع وصيانة الساعات منذ 49 سنة، بهذا التراجع لكنه يجزم بأنه لا يزال يملك “الكثير من الزبائن”.
ويشير قرشي إلى أن هناك “تراجعاً كبيراً” في شراء الساعات الفخمة، مثل “الرولكس، الأوميغا، زوديك وباتك فلب”، لأن “ثمنها باهظ”.
ويبلغ سعر ساعة الرولكس 45 ألف جنيه، أي ما يعادل 6 آلاف و716 دولاراً أمريكياً.
وبعد 5 عقود من العمل في هذه المهنة، التي ورثها من والده، وعلمته “احترام الزمن والأناقة”، لا يزال قرشي يحتفظ بزبائن، يترددون عليه، يومياً، لصيانة ساعات، ابتاعوها منه، قبل سنوات طويلة.
ويتفاخر التاجر أن في طليعة زبائنه “أقطاب الأندية الرياضية والسياسيين والفنانين”.
وأما توماس يعقوب، المتخصص في صيانة الساعات، منذ 52 عاماً، فإنه يحن إلى تلك العقود البعيدة، عندما كان المستعمر الإنجليزي، يزيّن العاصمة بأربع ساعات كبيرة، على شاكلة ساعة “بغ بن”، الشهيرة في لندن.
وعُلقت إحدى هذه الساعات على القصر الجمهوري، الذي كان مقراً للحاكم العام، قبل استقلال البلاد، في 1956.
ورغم سيطرة الساعات السويسرية لعقود طويلة، إلا أنها تزحزحت قليلاً، بدخول ماركات يابانية مثل “أورينت” و”سيكو فايف”، كما يضيف يعقوب.
ويعتقد “الساعاتي” أنه رغم توفر بدائل لمعرفة الوقت إلا أنها “لم تؤثر بشكل كبير على اقتناء الساعات، كجزء من الأناقة”.
وللتأكيد على مكانة الساعة في المزاج الشعبي، يستشهد التاجر فيصل العوض، بأن المصانع الأوربية كانت تنتج ساعات مخصصة للسوق السوداني مثل “ساعة الجيب”، المُخصصة، في الغالب، لكبار السن.
وتمتاز هذه الساعة بأنها لا تُلبس في المعصم، بل توضع في جيب مخصص لها في الجلباب الشعبي، يسمى “جيب الساعة”، الذي كان ولا يزال “جزءاً من الهوية السودانية، كما يقول العوض.
وبالمقابل، لا يحبذ الطالب الجامعي، أمير عبد الله، اقتناء ساعة، لأن هاتفه النقال “يغنيه عن ذلك”.
يرى عبد الله أن ارتداء الساعة مرتبط، إلى حد ما، بأجيال بعينها، و”لا مستقبل لها وسط الأجيال الناشئة”.
وبالنسبة إلى التاجر قرشي فإن “الشباب انطباعيين وإحساسهم بالزمن معدوم، ومع ذلك فإن جزء كبير منهم لديه الولع بالساعات، خاصة ذات الأحجام الكبيرة”.
ويجزم الرجل بأن الساعات ستحتفظ بسوقها وبريقها “طالما أنها لا تزال مؤشراً على الأناقة”.