أصبحت حركة السترات الصفراء ظاهرة عالمية تتنازعها كما في كل ظاهرة الأضداد، فهي مرة حركة فعل من القاع تتساوق مع التاريخ الفرنسي وثورته الشهيرة وهي حركة مضادة للعولمة وتعبر عن سقوط النظام النيوليبرالي وتشبه حركات اليمين المتصاعد في أوروبا، وهي كما قال الأب الروحي لليمين الأمريكي ستيفن بانون هي نفسها التي انتخبت دونالد ترامب في الولايات المتحدة. وليس غريبا ان يؤطر هذا في تغريدة له هذا الكلام عندما كتب أن حركة السترات الصفراء هي دليل على فشل اتفاقية المناخ، وهي الاتفاقية التي خرج منها الرئيس الأمريكي من بين عدد من المنظمات والاتفاقيات الدولية. وفي تأطير آخر تبدو الحركة مثل بقية حركات الرفض العالمية الأخرى التي احتج فيها المتظاهرون خاصة في الشرق الأوسط على الظلم والتفاوت الاجتماعي وعانوا من الفقر والتهميش. ومن هنا جرت المقارنة بين الحركة الحالية وحركة الطلاب الفرنسيين عام 1968 مع أن المقارنة تبدو اعتباطية للبعض.
حركة مطلبية
إلا أن الحركة في بعدها الفرنسي تتمحور حول رفض سياسات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي تراجعت شعبيته إلى 23 في المئة وهو لم يعمر في الحكم سوى عام أو أقل. ورغم تميز الحركة بالسلمية إلا أن بعض الجماعات الفوضوية التي انضوت تحت لوائها وتغذت منها مارست أعمال شغب ومواجهات مع الشرطة. والحقيقة أن الإطارين السلمي والفوضوي بحاجة لبعضهما البعض. إلا أن الحركة في جوهرها هي تعبير عن الطريقة التي باتت فيها وسائل التواصل الاجتماعي تلعب دورا في التحشيد والتعبئة والتنظيم. فقد انطلقت حركة السترات الصفراء من الإنترنت إلى الشوارع حيث قامت منذ ظهورها في أيار (مايو) هذا العام بالاحتجاج على الضريبة التي فرضتها الحكومة على الديزل المستخدم في فرنسا، كمحاولة من الحكومة لتشجيع الطاقة المستدامة. ولهذا السبب استهدف المحتجون على الضريبة الشوارع الرئيسية التي تربط المدن والبلدات الفرنسية لعرقلة حركة السير بالإضافة لمحطات الوقود التي أغلقت احتجاجا على سياسات الرئيس ماكرون. ومثل بقية الحركات فقد توسعت مطالبها حيث طالب المحتجون باستقالة ماكرون نفسه. وأخذت الحركة شعارها من السترات الصفراء التي يطالب القانون الفرنسي منذ عام 2008 كل سائقي السيارات أن يحملوها في سياراتهم تحسبا لحالة توقف طارئ في الليل بحيث تلمع الستراتة وتحذر السيارات الآتية. ولعل هناك مقاربة بين ارتداء السترات في حالة توقف طارئ وبين الحركة التي ترى أن البلاد تعيش في حال طارئة بسبب ما يراه المتظاهرون من غلاء في المعيشة ورواتب قليلة ورسوم جامعية مرتفعة وزيادة في الوقود الذي ارتفعت أسعاره بنسبة 23 في المئة في 12 شهرا. وأدى قرار ماكرون رفع الضريبة على الديزل بنسبة 6.5 في المئة و2.9 في المئة على بقية البترول لغضب قطاعات واسعة خاصة سكان الأرياف. وتهدف الحركة في جوهرها للكشف عن حالة الإحباط السياسي وعدم ثقة العائلات العاملة الفقيرة به. وتواجه الحركة منعطفا مهما تجاه الإجراءات الحكومية والتهديدات بوقف نشاطاتها وما بدأته من “عمليات الحلزون” الهادفة لإبطاء حركة السير على المنعطفات والممرات الدائرية ومحاولة تحدي ضريبة الطرق مباشرة والتظاهرات أمام محطات الوقود ومراكز التسوق والموانئ والمراكز اللوجستية والحشود الكبيرة في باريس. وسواء نجحت الحركة في الحفاظ على زخمها أم استسلمت أمام تهديد الحكومة فإنها كشفت عن مظاهر الانقسام بين الأرياف والمدن وبين الطبقات العاملة والثرية وبين من يملك ولا يملك. وبالضرورة الانقسام الحاد بين النخبة السياسية والشعب، ولهذا السبب بدا ماكرون كشخصية كريهة للكثيرين الذين باتوا ينظرون إليه على أنه جزء من المشكلة لا الحل.
عدالة اجتماعية واقتصادية
وترى أوريلي ديانارا في صحيفة “إندبندنت” (13/12/2018) أن تطور الفعل الشعبي للحركة يؤكد أنها ليست مجرد حركة مطلبية تتعلق بأسعار الوقود، بل هي حركة تدعو للعدالة الاقتصادية والاجتماعية ضد نظام يستهدف الفقراء ويحابي الأغنياء. وهي حركة تدفع قضايا عدم المساواة إلى المقدمة في السياسة الفرنسية. وتقول إن الحركة لم تعد مجرد غاضبين من الريف بل أنضم إليها طلاب مدارس ثانوية وجامعات رافضين لنظام الاختيار النخبوي للجامعات وزيادة الرسوم الجامعية على الطلاب الأجانب. وانضم أفراد النقابات العمالية في القطاع العام بمن فيهم سائقو سيارات الإسعاف ورجال الإطفاء لحركة التعبئة وكذا المنظمات المضادة للعنصرية. وباختصار فالحركة تمثل قطاعات متعددة داخل المجتمع الفرنسي من الحرفيين وممتدة جغرافيا وتضم أعراقا وفئات عمرية مختلفة. وأدت عملية القمع التي اعتقل فيها ألفي شخص في الأسبوع الماضي إلى زيادة شعبية الحركة والتضامن معها داخل فرنسا وخارجها. وعلقت الكاتبة على ما ورد في خطاب ماكرون يوم الإثنين الذي وعد فيه بإلغاء الضريبة على الوقود ورفع الحد الأدنى من الأجور بنسبة 100 يورو، مشيرة إلى أن من سيدفع هذه العلاوات هم دافعوا الضرائب أنفسهم. ولهذا السبب لم يحظ خطابه بحماسة شديدة بين السترات الصفراء لأن مطالبهم تتمحور حول إصلاح مالي راديكالي: نظام راديكالي تقدمي للضريبة وليس مجرد إلغاء ضريبة الثراء وراتب أعلى للأغنياء بمن فيهم المسؤولون في الحكومة والنواب.
التغيير
وللحركة بعد سياسي فهي تطالب بمشاركة أوسع في صناعة القرار والتحكم بحياتهم. ففي ظل النظام النيوليبرالي الذي أفقد الديمقراطية معناها ولم يترك مجالا للمعارضة والاحتجاج شاهد الكثير من الفرنسيين تدهورا في مستوياتهم المعيشية. فلا فرق بين من انتخب ماكرون أم لم ينتخبه فلم يعد لديهم آلية لمحاسبته. ولهذا السبب تدور بين المراقبين لنقاط المرور والدوارات أفكار من مثل “مجلس مواطنة” ليمثل الفرنسيين ويجري استفتاء على النظام القديم ويلغي قوانينه ويقوم بتعديل الدستور ويعزل الممثلين المنتخبين من رؤساء البلديات لنواب البرلمان إلى الرئيس. فماكرون وبرنامجه هو ما يستهدفه المتظاهرون، لأنه خيب آمال الفرنسيين وجعلهم يخرجون إلى الشوارع ولم يعد أمامهم أي خيار سوى التعبئة. ومع ذلك فالمطلبية وعدالتها تختلط فيها شعارات متناقضة وخوف من نهاية الأساليب القديمة وفقدان نخب كانت تعتقد أنها تملك مصير البلد. تماما كما حدث مع النخب الأمريكية البيضاء التي شعرت أن القطار يفوتها وسط تغييرات العولمة وتحولات المجتمع الأمريكي. وجاء اليمين البديل وترامب وحفزوا من آمالها ضمن وعود مثل “أمريكا أولا” و “لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى” أي علينا استعادة “بلدنا” من الأعراق الأخرى. وفي سياق الحركة الفرنسية تختلط المشاعر المحبطة بمواقف يمينية كما جاء في مقال لنورا بن سودان في صحيفة “الغارديان” (13/12/2018) حيث نقلت فيه عددا من الحوارات مع حراس الطرق في الريف الفرنسي. وهي وإن لاحظت انقساما واضحا بين عالم المدينة والريف إلا أنها رصدت مخاوف الطبقة العاملة وأبناء الريف من خسارتهم عالمهم وتغيره. فالحديث عن التغيرات المناخية والطاقة المستدامة ليست إلا وسيلة لرفع الضريبة. فموجات الحرارة ليست جديدة، حدثت في عام 1976 وحتى عام 1960. وتعلق أن حس الخوف بتغير عالم اعتدناه قد يعمينا عن النظر عما ينتظرنا أو يحدث أمامنا. بل والبحث عن كبش فداء نحمله مشاكلنا. ولهذا لم يتورع بعض من قابلتهم لتحميل المهاجرين الأفارقة مسؤولية مشاكلهم، فهؤلاء مستعدون للعمل بيورو واحد للساعة “ويجعلونا فقراء، ولم نعد نشعر أننا في بلدنا”. ولاحظت في حديثها مع أفراد السترات الصفراء شعارات تذكر بالجبهة الوطنية التي تتزعمها ماري لوبان مثل “انهض يا شعب فرنسا” مع أنهم نفوا علاقة بالأحزاب السياسية. وما يقولونه تعبير عن واقعهم الحالي فهم ليسوا منشغلين بمشاكل الرأسمالية أو الكرة الأرضية بل بما ينتظرهم من مشاكل نهاية الشهر. وترى بن سودان أن كل واحد من أفراد السترات الصفراء لديه قصته وكل واحد منهم يعيش تجربة جديدة. وهذا أمر مختلف لفرنسا لأن السترات الزرقاء جلبت لونا وحياة لمناطق اعتقد البعض أنها ستظل في سبات عميق. فخروج السترات الصفراء هو تعبير عن الغضب الذي يحرك النقاش ويجمع الناس بدلا من لغة التخويف التي تمارسها الأحزاب السياسية وتفرق بين المواطنين.
حركة عالمية
وكما قلنا في البداية فالسترات الصفراء هي حركة غاضبة ذات شكل عالمي ولكن بلهجة فرنسية. إلا أن جون ليتشفيلد في مجلة “بوليتكو” (12/12/2108) استبعد معظم التحليلات التي حاولت فهم الغضب الفرنسي وربطه مثلا بماكرون أو مؤامرة روسية، ستف بانون وخطأ فيسبوك. كما واستبعد المقاربة في الصحافة الفرنسية بين السترات الصفراء وثورة أبناء الطبقات الدنيا في الأرياف في القرن الرابع عشر. وما يهمه في هذا السياق هو فهم سبب الغضب في بلد لديه أفضل نظام رفاه في العالم. فلماذا تدعم نسبة 70 في المئة من الفرنسيين حركة كهذه تجمع أبناء الريف والمدن، الصغار والكبار الذين تدفقوا على باريس من شمال فرنسا، بريتاني ونورماندي. ويعتقد ليتشفيلد أن حركة السترات الصفراء تناسب أشكال الثورات الشعبوية في العالم التي انتفضت على الوضع القائم ولكن بلكنة فرنسية. فالمحتجون الفرنسيون مثل أبناء الطبقة العاملة في بريطانيا الذين صوتوا لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي يشعرون بحس الخيانة والاهمال والاستغلال على يد النخب المدينية. ولهذا السبب ففي أوساط السترات الصفراء هناك المطالبون بخروج فرنسا من الاتحاد الأوروبي والمعارضون للهجرة. ويقارب الكاتب هنا بين هذه الحركة وحركة الخمس نجوم الايطالية بفارق أن هذه تعتمد على قاعدة حضرية وشابة ومعظم أفرادها يساريون سابقون. ويضيف ليتشفيلد أن حركة السترات الصفراء ثورة على السياسة بدون أجندة سياسية. فقد أظهر استطلاع أن 4 من 10 أفراد فيها صوتوا للأحزاب اليمنية العام الماضي و2 من كل 10 صوتوا لأحزاب اليسار وهناك من لم يصوت في حياته إلا لمجرد تضييع صوته.
غضب
ويقول إن غضب السترات الصفراء مفهوم لكن ما يثير الدهشة هو الغضب الأبيض. فالخدمات مثلا موجودة في المدن الصغيرة رغم معاناة سكانها من التضخم إلا أن الدولة سخية في مجال المساعدات والرفاه الاجتماعي. ويضيف إن الحركة بدأت من الداخل الفرنسي إلا أن الدعاية الروسية واليمين البديل الأمريكي حولها عبر الإنترنت إلى ظاهرة مشتعلة. ومن هنا علينا التعامل معها بجدية لأن أفرادها يعيشون داخل فقاعات قيامية على وسائل الاجتماعي من المخربين والأخبار المزيفة ورفاق الطريق. وأصبحت الستراتة اللامعة شعارا للذين ظلوا بعيدين عن الضوء. ولو ظهرت حركة قوية من السترات الصفراء فإنها قد تعرقل الحياة الفرنسية لمدة. وأشار ليتشفيلد إلى أن ماكرون اكتشف خطأ سياساته المتعجلة ويحاول إصلاح الضرر بطريقة لم ترض السترات الصفراء حتى الآن. والمشكلة هي داخل الحركة، فهناك قطاع من المشاركين مثل العاملين في ورش السيارات والخدمة المنزلية ومتعهدي البناء المتقاعدين والبنائين والنجارين يعتقدون أنهم حققوا ما يكفي ويرغبون بالعودة إلى حياتهم والتوقف عن عرقلة حركة السير وحصار المصافي والهجمات الأسبوعية على المدن. وهناك قطاع آخر يريد الاستمرار في الاحتجاج ولم تعد التنازلات العملية ترضي طموحاتهم. ولا ينظرون لأنفسهم كمتمردين بل كثوريين. ويرغبون في تدمير الأساس الذي تقوم عليه الديمقراطية الفرنسية وتحويل القرار إلى الإنترنت والتصويت الرقمي. ويلاحظ الكاتب تصادما بين اليمين المتطرف واليسار المتطرف داخل الحركة مع أن التيار المعتدل فيها عبر عن رغبته في الدخول في السياسة وترشيح أفراد في انتخابات البرلمان الأوروبي في أيار (مايو) ولو فعلوا هذا فسيأخذون أصواتا من اليسار واليمين ويدعمون بالضرورة الرجل الذي يمقتونه – ماكرون. ويرى الكاتب أن التيار المتطرف داخل الحركة المطالب بالتظاهرات الأسبوعية قد يقع في الشرك نفسه الذي وقع فيه ماكرون، أي الانفصام عن الواقع.