غزة ـ «القدس العربي»: لم يوقف التطور الحاصل في صناعة مستحضرات التجميل الستينية الغزية هادية قديح، من الجلوس أمام موقد النار، تمسك بيديها قطعة من نوع خاص من القماش الأسود، لتحولها بعد ساعة من الزمن إلى كحل للعيون لا يحتوي على أي مواد كيميائية أو حافظة، كتلك التي تملأ أرفف المحال المتخصصة في بيع مستحضرات التجميل المستوردة، كما لم يمنع تطور ماكينات النسيج هذه السيدة من إتقان فن الغزل بالنول.
وبالرغم من أن تكلفة شراء «الكحل المستورد» الذي يتوفر بكميات وبأشكال مختلفة، بعضها قادم من دول أجنبية وأخرى من الصين مثلا، ليس مكلفا للسيدات، حيث لا يزيد أفضل الأنواع ثمنه عن الدولارين، إلا أن هذه السيدة ترى في هذه المستحضرات ما يأتي بالضرر على عيون نساء أسرتها الممتدة، لذلك تفضل أن تصنع بنفسها الكحل، وتوزعه على الأقارب والجيران. وتقول هادية قديح (64 عاما) لـ «القدس العربي»، إن تحضير الكحل الطبيعي يحتاج إلى نحو ساعة من الزمن، وتصر هذه السيدة التي ورثت الطريقة عن والدتها، حتى اللحظة، على استخدام أوان بدائية من الفخار، وموقد النار باستخدام الحطب لتحضير هذا المستحضر.
وتجلس هادية التي تكنى بأم حسين، وتصر حتى اليوم على ارتداء الملابس التراثية الفلسطينية (الثوب الفلاحي)، التي هجرتها معظم النساء، وحولها صغار أبنائها، في فناء منزلها الريفي الواقع في بلدة عبسان، شرق مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة، وقد وضعت أحد الأواني المصنوعة من الألمنيوم، وبداخله قطعة قماش سوداء تعرفها بأنها من نوع «توبيت»، وقد بللتها بزيت الزيتون، على موقد بدائي، لتشعل بعد ذلك النار في قطعة القماش. لا يمضي وقت طويل حتى ينبعث دخان أسود من القطعة القماشية التي تحترق، فتحتويه الستينية قديح بغطاء هو عبارة عن وعاء من النوع السابق ذاته ، وحين يتلاشى الدخان تبدأ بتحريك الرماد الملتصق بقاع الآنية الذي خلفته القطعة القماشية بمعلقة، لتتأكد من جفافه وصلاحه لأن يكون كحلا مناسبا لـ «شفاء العيون».
فورا بعد أن تنجز العمل، تسارع لأخذ الرماد الأسود، الذي تحول إلى كحل، تضعه بعناية في «المكحلة»، المصنوعة من النحاس، والتي استبدلتها النساء حاليا بأقلام خاصة من الكحل، لتصبح فورا جاهزة للاستخدام.
وتقول هادية لـ «القدس العربي»، إنها لا تبيع هذا النوع من الزينة، وإن عملها يقتصر على تحضير كميات قليلة منه لبناتها المتزوجات ونساء أبنائها، وبعض الجيران والأقارب.
وتشير أيضا إلى انها تنصح نساء أسرتها بالابتعاد عن الكحل المستورد لما له من أضرار على العين، وتؤكد أن كحلها الطبيعي يعمل على شفاء عصب العين، ويزيل رمد الربيع والاحمرار. وتمضي تقول إن لا أحد يعرف من أي مادة يصنع الكحل المستورد، ولا تزال مقتنعة بأن به أضرارا كثيرة على عيون النساء. وإلى جانب صنع الكحل، تقول إنها تجيد صناعات بدائية عدة، تعلمتها من أجدادها، كصناعة الحبال من «ليف النخيل»، وكذلك الغزل من صوف الأغنام.
وتقول لـ «القدس العربي» إنها عملت سابقا، على تصنيع خيوط من أصواف الأغنام، ليصار بعد ذلك إلى صبغها بألوان متخلفة، ثم غزلها من خلال النول اليدوي، على شكل سجاد صغير، يصلح لأن يكون ديكورا في المنازل، وأخرى كقطع سجاد صغيرة أيضا، توضع لتزيين صالونات المنازل.
وترجع بذاكرتها لسنوات عدة مضت، وتقول إن هناك أشخاصا من النرويج كانوا يشرفون على دعم أحد المؤسسات الاجتماعية في مدينة خانيونس، اشتروا القطعة الواحدة مما صنعته بغزل أصواف الأغنام بمئة دولار، لكنها تقول إن ذلك لم يدم طويلا، حيث توقف المشروع، وتأمل هذه السيدة التي تشتكي من سوء الأوضاع الاقتصادية، أن تعود لذلك العمل.
وبالعودة إلى ذكريات عشرات السنين التي مضت، صنعت هذه السيدة حبلا من «ليف النخل»، وتقول إنها تعلمت هذه الطريقة التي تقوم على «فتل الليف» حسب وصفها، بيدها، من جدها، وهذا الحبل الذي تضعه في منزلها بغرض الزينة حاليا، كان يستخدم كما تقول سابقا، بسبب قوته ومتانته، في ربط البهائم من أبقار وجمال، وفي شد وتثبيت الأشياء التي تحتاج إلى قوة، دون أن ينقطع.
وللحفاظ على هذه الأعمال التراثية القيمة، عملت هذه السيدة على تعليمها لأبنائها، وتقول إنها علمت بناتها صناعة الكحل، وإنها صنعت حبل النخيل أمام أبنائها ليعرفوا سر المهنة.
وفي غزة، هناك العديد من الأسر خاصة التي تقطن المناطق الريفية، تحافظ على الأعمال البدائية التراثية، فترى الكثير منها رغم توفر الأدوات المريحة للطهو، تصر على طهي الطعام وتحضير الخبز باستخدام أفران الطين التي تعمل بالحطب.