السجالات الداخلية في إسرائيل تبلغ ذروة جديدة.. اشتباكات بالأيدي وشتائم خلال صلاة “يوم الغفران” في تل أبيب

وديع عواودة
حجم الخط
4

 الناصرة- “القدس العربي”:

شهدت مدينة تل أبيب، التي يعتبرها الإسرائيليون رمز الحياة العلمانية الإسرائيلية، مشادات وعمليات تدافع وتبادل شتائم خلال صلوات “يوم الغفران”، أمس الإثنين، بين من يريدونها مختلطة ومن يريد فصل الرجال عن النساء فيها، وسرعان ما أشعلت تراشقاً متجدداً بين السياسيين من المعسكرين المتصارعين.

 وكانت بلدية تل أبيب قد استصدرت قراراً من المحكمة العليا يحظر إجراء صلوات في الشارع والحيّز العام يفصل فيها بين الرجال والنساء، لكن منظمة متشددة تدعى “رأس يهودي” بادرت لتنظيم صلوات “يوم الغفران” في قلب تل أبيب شارك فيها متدينون ورجال دين، بعضهم مسلح بمسدسات، رفعت فيها الحواجز بين الرجال والنساء، ما دفع علمانيين ومعارضين للتدخل ومحاولة منع إقامة هذه الصلوات، ما أدى لاحتكاكات وتدافع وتبادل تهم وشتائم بلغت حافة العنف والضرب.

وسارع رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو للتعقيب بأنْ حَمَلَ بشدة على “ناشطي اليسار المتطرفين” الذين “تصرّفوا ببلطجة ضد يهود في دولة اليهود وفي يوم الغفران”.

غانتس: مَن سوى رئيس الحكومة نتنياهو إياه الذي يفعل ذلك، وهو صانع الكراهية الأكبر، وقد اختار تأجيج النار مع سياسيين قرروا تحويل الحيّز العام لمنطقة كارثية

 ومضى نتنياهو في خطاب نشر الكراهية وزرع الخلافات، كما يتهمه معارضوه: “لا حدود للكراهية لديهم. شعب إسرائيل رغب بالتواصل مع الله في يوم الغفران، طالباً الصفح والغفران والوحدة الداخلية. ويا لدهشتنا، بالذات في دولة اليهود، وفي اليوم الأكثر قداسة لليهود، يعتدي أنصار اليسار على يهود خلال أداء صلاة، ويبدو أنه لا معايير أخلاقية ولا حدود للكراهية لدى هؤلاء، وأنا كبقية الإسرائيليين أرفض ذلك، ولا يوجد مكان لهذا السلوك العنيف بيننا”.

مشعلو النار

وقال رئيس المعارضة الإسرائيلية النائب يائير لبيد معقباً: “خسارة أنهم باسم الله يفسدون يوم الغفران. طيلة سنوات اعتبرنا يوم الغفران مثالاً على عدم وجود حاجة لفرض اليهودية، وهذه تكون لنا جميعاً حينما يأخذ بالحسبان أحدنا الآخر ويحترم مشاعره”.

ورداً على بيان نتنياهو قال لبيد: “مع نهاية يوم الغفران، ينبغي على رئيس حكومة في إسرائيل ألا يزيد التحريض تحريضاً، بل تهدئة الخواطر. معظم الأشخاص الذين قدموا للاحتجاج على الاضطهاد والإكراه الديني من قبل متطرفين غيبيين كانوا صياماً، وقد صلّوا هم أيضاً في هذا اليوم المقدس. هؤلاء ليسوا ضد اليهودية، بل يحاولون إنقاذها من جماعات عنصرية ومتطرفة تحصل على هدايا من قبل الحكومة”.

من جهته، سارع وزير الأمن القومي المدان بالإرهاب إيتمار بن غفير للإعلان عن نيته القيام بصلاة المغرب في دوار ديزنغوف في قلب تل أبيب، داعياً الجمهور للانضمام له. وعما حصل قال: “في يوم الغفران شاهدنا كارهين يحاولون طرد اليهودية من الحيّز العام. إسرائيل دولة يهودية! وديموقراطية”. وتبعه وزير المالية والوزير الإضافي المستوطن المتطرف باتسلئيل سموتريتش، الذي حَمَلَ على من حاول منع الصلاة في يوم الغفران، ونعتَهم بالعنيفين المستندين لدعم لبيد، ويقومون بإشعال النار وانتهاك حرمة يوم الغفران. أنصح الجميع عدم الانجرار للعنف فنحن إخوة”.

من جهته قال وزير الداخلية ووزير الصحة موشيه أربيل (من حزب “شاس” – المتدينون الأورثوذوكس- الحريديم) إن مشاهد يوم الغفران في تل أبيب تبعث على الحزن العميق والأسى، لأن أبناء شعبي اختاروا التشظي بدلاً من “اليهودية والديموقراطية”، وما جرى ليس احتجاجاً شرعياً، بل أعمال زعرنة ضد مصلّين”. وقال الحاخام الأكبر في إسرائيل ديفيد لاو محذّراً  إن أحداث تل أبيب تذكّر بأحداث قاسية بتاريخ اليهودية. وتابع: “أقيمت إسرائيل لتكون ملجأ للشعب اليهودي، وعلينا التذكّر أنها يهودية وليس فقط ديموقراطية، ولا شك عندي أن معظم سكان تل أبيب يرفضون إزعاج المصلّين، وأدعو من يواصلون تسخين الأجواء بالكفّ عن أقوالهم وأفعالهم، قبل أن يكون متأخراً بالنسبة لنا جميعاً”.

نتنياهو المحرّض الأخطر

وتريث النائب المعارض رئيس “الحزب الدولاني” بيني غانتس في التعقيب على مشاهد العنف خلال يوم الغفران في تل أبيب، فقال إنه طيلة 75 عاماً نجح معظم الإسرائيليين للتوصل لتفاهمات حول الحيز العام في “يوم الغفران”، حيث اهتم جمهور واحد على احترام بقية الجماهير، رغم الاختلافات، ومنعوا إدخال السياسة لـ “يوم الغفران”، والآن من قرّرَ التفريق بيننا نجح أيضاً بانتهاك حرمة اليوم المقدس هذا بالاضطهاد والإكراه والكراهية المجانية. ومَن سوى رئيس الحكومة نتنياهو إياه الذي يفعل ذلك، وهو صانع الكراهية الأكبر، وقد اختار تأجيج النار مع سياسيين قرروا تحويل الحيّز العام لمنطقة كارثية”.

“هآرتس”: ما حصل في تل أبيب إكراه ديني وتديين، ومنظمة “راس يهودي” لا تعمل بسذاجة، بل وفق خطة مبيّتة وماكرة

ودعا غانتس كل القيادات إلى التحلّي بالمسؤولية ووقف خطاب الكراهية وتحاشي الأفعال التي تؤجّج الخلافات واحترام قرار المحكمة العليا، و”علينا التذكّر أنه في مكان يدفعنا البعض نحو حرب أهلية فإن مهمتنا جميعا هي منعها”.

وتعرض رئيس بلدية تل أبيب رون خولدائي لانتقادات من قبل أوساط سياسية وإعلامية، أخذت عليه عدم مبادرته لتطبيق قرار “العليا”، ومن طرفه برّر موقفه بالقول إن تدّخلاً سريعاً من قبل البلدية لتطبيق “العليا” عنوة كان من شأنه إشعال الشارع والتسبّب بتصعيد زائد، معتبراً أن “دهورة” الحدث كانت ستشكّل هدية وصورة انتصار للجهات المتطرّفة التي تهدّد المدينة. ومع ذلك، قال خولدائي للقناة العبرية 12 إنه كان سيتصرف بشكل مغاير، ويرسل مراقبين لتطبيق قرار المحكمة العليا لو كان يعرف مسبقاً ما حصل. واتهم خولدائي أيضاً الحكومة، واعتبر ما حصل في تل أبيب نموذجاً حزيناً مقلقاً على التشظي في صفوف الإسرائيليين. وتابع: “لكن للأسف هذا غير مفاجئ، لأن القيادة ذاتها تمتنع حتى الآن عن القول بملء الفم إنها تحترم قرارات المحكمة العليا، وتفتح الباب أمام جهات متطرّفة لتعبث بالقانون”.

من تجليات الصراع على هوية وطابع إسرائيل

وتكرّرت مثل هذه المشادات في مدينتي حيفا وجفعتايم، ورغم أنها بقيت محدودة لكنها مؤشر على عمق الانقسام وسخونة النقاشات والسجالات المستمرة، منذ مطلع العام، بين معسكرين، الصراع بينهما ليس فقط على مكانة المحكمة العليا وعلى فصل السلطات وتوزيع القوة، بل هو أعمق وأخطر، وله جذور عميقة.

وفي تل أبيب وحدها هناك عدد كبير من الكنس، لكن مجموعة “الرأس اليهودي” صمّمت على تنظيم صلاة جماعية في الشارع في قلب المدينة “رمز العلمانية”، ضمن محاولات التديين والتشديد على الطابع اليهودي لإسرائيل، وهذا ما اعتبره المعارضون “إصبعاً بالعين”، واستفزازاً، وسط محاولات تبرير من طرفهم لاستخدامهم التدافع والقوة لمنع إقامة الصلاة التي تفصل بين رجال ونساء في الحيّز العام.

واعتبرت صحيفة “هآرتس”، في افتتاحيتها، اليوم، أن ما حصل في تل أبيب ليس حرية تعبير عن رأي، بل إكراه ديني وتديين، وأن منظمة “راس يهودي” لا تعمل بسذاجة، بل وفق خطة مبيّتة وماكرة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية