د. سعيد الشهابي
خلال زيارته الاخيرة لبريطانيا، حظي الرئيس الايراني السابق، السيد محمد خاتمي، باهتمام واسع في الاوساط الثقافية والاكاديمية، ودعي لالقاء المحاضرات وأجريت معه المقابلات الصحافية، ومنح عددا من شهادات الدكتوراه الفخرية كان آخرها من جامعة سانت أندروز الاسكتلاندية. تركز خطاب الرئيس خاتمي علي ثلاثة محاور اساسية: اولها ان الشرق محكوم بالاستبداد وهو بحاجة لممارسة ديمقراطية، متهما الغرب بالسعي المتواصل لاستلاب ثروات الشرق مستغلا تلك الظروف وداعما الاستبداد، وثانيها ان من بين اسباب الصراع بين الغرب والاسلام غياب الظاهرة الدينية في الغرب، وهو أمر أرجعه الي الصراع في العصور الوسطي بين الكنيسة والعلم، وتنكيلها بالعلماء وحرقهم بسبب طرحهم افكارا ونظريات علمية اعتبرتها الكنيسة مناقضة لثوابتها الدينية، وثالثها: الاصرار علي ترويج مشروع حوار الحضارات الذي طرحه بعد انتخابه في 1997 رئيسا للجمهورية الاسلامية الايرانية. وفي محاضرته بالمعهد الملكي للشؤون الخارجية أشار الي كلمة قالها له أحد المفكرين المصريين: ان أهم عنوان للسيد خاتمي هو الرئيس السابق في منطقة يتشبث فيها الحكام بمناصبهم حتي الموت، ولا يمارسون مبدأ التداول علي السلطة. كان خطاب الرئيس خاتمي موجها للجمهور البريطاني بأسلوب ودي، اذ ركز علي التراث الفكري السياسي لديهم، مشيرا بشكل خاص الي دور جون لوك (1632ـ 1704) الذي يري ان الدولة قامت علي أساس من عقد أو اتفاق واع بين الحاكم والمحكوم. وقد التزم لوك علي خلاف توماس هوبز، جانب البرلمان ضد الملك في الصراع في الأمور السياسية.
لقد لامس السيد خاتمي في خطاباته جانبا مهما بتكرار الحديث عن المسألة الدينية في الغرب، فهو حديث جديد ـ قديم، يتواصل السجال بشأنه علي اعلي المستويات الفكرية والسياسية. ويحتدم النقاش هذه الايام حول دور الدين في الحياة العامة، ويعتزم أسقف كانتربري، الدكتور روان ويليام مع أسقف ويستمنستر الكاثوليكي، كورماك اوكونور، تقريرا مشتركا حول النزعة نحو العلمنة في المجتمع البريطاني، واقصاء البعد الديني من الطقوس الرسمية في أعياد الميلاد. يتزامن ذلك مع صدور كتاب بعنوان خدعة الله للدكتور ريتشارد دوكينز، أحد المنظرين الالحاديين البريطانيين. وفي الاسبوع الماضي طرحت صحيفة التايمز البريطانية سجالا واسعا حول الفكرة الدينية ساهم فيها عدد من المفكرين من المؤمنين بوجود الله والملحدين. وأعاد ذلك السجال الي الذهن النقاش الفكري الذي كان محتدما في منطقتنا في الخمسينات والستينات حول المسألة الدينية. كان الجدل آنذاك مختلفا عما تحفل به المنطقة اليوم من صراعات سياسية ومذهبية، شجعت عليه ظاهرة صعود التيارات اللادينية خصوصا التيار الشيوعي الي واجهة العمل السياسي. كان ذلك متصلا بأمرين: اولهما تنامي قوة الاتحاد السوفييتي السياسية والعسكرية والفكرية، وثانيهما صعود التوجه لمناهضة الاستعمار في العالم الثالث عموما والمنطقة العربية بشكل خاص. النضال ضد الامبريالية في منتصف القرن الماضي كان مرتبطا بالحركات اليسارية التي صاحب ظهورها جدال متواصل حول العقيدة والدين. يومها لم تكن الصحوة الاسلامية قد بدأت بعد، ولكن ساهم علماء الدين وخطباء المساجد والمآتم في التصدي لما اعتبروه تهديدا إلحاديا، مركزين علي النقاشات المتصلة بالعقيدة وأصول الدين. فانتشرت الكتب التي تثبت الظاهرة الايمانية ووجود الله، مثل كتب الدكتور مصطفي محمود ومن بينها كتاب الله يتجلي في عصر العلم و مع الله في السماء. وراجت كتب الشهيد محمد باقر الصدر خصوصا كتابي فلسفتنا و اقتصادنا. وساهم المفكرون الثوريون مثل الدكتور علي شريعتي في الترويج للطرح الديني في الســنوات اللاحقة. الجدل المحتدم حول الفكرة الدينية في الغرب يؤكد عمق الشعور الديني في الفطرة البشرية من جهة، والتناقضات السياسية التي تتضمنها الحضارة الغربية التي تهيمن حاليا علي مقدرات العالم من جهة اخري. يضاف الي ذلك حالة الاضطراب الاخلاقي الذي وصل الي اوساط الكنيسة نفسها، خصوصا في ظل الفضائح حول الشذوذ الجنسي في الاوساط الكنسية، واستمرار الجدل حول تعميد المرأة. بدأ السجال الحالي بمقالة طويلة نشرتها صحيفة التايمز في 31 تشرين الاول (اكتوبر) بعنوان لماذا لا يوجد إله للكاتب المذكور ريتشارد دوكينز. يعتبر دوكينز، المتخصص في الكتابات العلمية ونظرية التطور الداروينية والاستاذ بجامعة اكسفورد. وتركزت مقالته التي يهدف بها لتسخيف فكرة وجود إله للكون، علي ان العقل البشري قادر علي خلق التصورات للانسان، ويعطي امثلة علي ذلك منه، منها قصة رواها له احد طلابه بانه وصديقته شاهدا الشيطان عندما كانا في خيمتهما بمنطقة قاصية في جبال اسكتلاندا، وان بيتر سكليف، الذي قتل في السبعينات والثمانينات، خمس عشرة امرأة اغلبهن من العاهرات ادعي انه فعل ذلك بعد ان سمع صوت المسيح يحثه علي ذلك. ويعطي مثالا آخر وهو ان الرئيس الامريكي، جورج بوش، يبرر حربه ضد العراق بانها امتثال لأمر وصله من الله. ويستشهد بقول كاتب آخر هو سام هاريس، مؤلف كتاب نهاية الايمان الذي يعتبر ان تراجع دور العقل في الحياة البشرية ادي الي سيادة القيم الدينية، معتبرا ان أبشع المجازر ارتكبت باسم الدين. ويعتقد ان امتلاك اسلحة الدمار الشامل يقلص احتمال قدرة الجنس البشري علي التعايش حقبا اطول في ظل الاختلافات الدينية. ويتطرف هاريس في اطروحته، معتبرا ان الاعتدال الديني لا يقل خطرا لانه يجعل اصحابه مقبولين في مجتمعاتهم، فيصبح وجودهم سببا لتأصيل القيم الدينية والتعايش مع الاديان، الامر الذي يؤسس لخلافات مستقبلية اوسع. مع ذلك يعترف هاريس بالحاجة الي قدر من الروحانية او التصوف لمساعدة الانسان علي ممارسة تجربة روحية، وهذا يتوفر في النظم الصوفية الشرقية. اما دوكينز، فيقول ان العقل البشري قادر علي خيال واسع، ويربط تلك القدرة بالاعتقاد بوجود اله: العقل البشري يمتلك برنامجا (سوفتوير) للتصور من الدرجة الاولي. فاعيينا لا تعكس لعقولنا صورة طبق الأصل لما هو موجود في الخارج، ولا صورا متحركة صحيحة مرتبطة بالزمن. ويمضي في مقالته لوصف حركة العقل في حال استلامه صورا من خلال العين، ليوحي بقدرة العقل علي اختلاق ما ليس موجودا. ويستدل بما يقوله المجانين في المصحات من ادعاءات يعتبرها الأصحاء دليلا علي غياب عقلهم. ويصل من خلال وصف واسع لقدرة العقل البشري علي التصور الي اضفاء بعد نفسي (سيكولوجي) لما تقوله الاديان حول الاله والخالق، ليصل في نهاية ادعاءاته الي اعلانه بعدم وجود اله. والواضح انه اعتمد في مقالته علي الجانب الحسي من التجربة الانسانية، وطرح تفسيراته التي ربطت قضية الايمان بمساحة التجربة البشرية، فاذا اصبحت تلك التجربة واسعة اتخذت بعدا دينيا، بينما التجارب الشخصية المحدودة تبرر عادة بالحالات النفسية لاصحابها. ريتشارد دوكينز، تطرق الي المرتكزات الخمسة التي تستند اليها النظرية الدينية المسيحية لاثبات وجود الله، محاولا تفنيدها. هذه المرتكزات وضعها الفيلسوف المسيحي، توماس اكويناس في القرن الثالث عشر الميلادي واعتمدت كأساس فلسفي لاثبات وجود الخالق، وأغلبها يتفق مع الطرح الاسلامي. وحاول تفنيدها بحجج واهية. الاساس الاول ان الحركة لا بد لها من محرك، وكل محرك لا بد له من محرك آخر. وهذا يقود الي ضرورة وجود محرك في الاساس، وهو الله. والثاني ان لكل سبب علة، وكل سبب له مسبب، حتي نصل الي نقطة لا بد فيها من الاعتراف بوجود علة واجبة بذاتها. والثالث ان العالم المحسوس لا بد له من بداية، فقبل وجوده لم يكن، فلا بد ان يكون هناك من كان سببا لوجوده. والرابع ان القيم الانسانية نسبية، وان لكل منها حقيقة مطلقة، وهي الله. والخامسة مسألة الخلق والتصميم التي تتجسد في المخلوقات، فلا بد ان هناك خالقا ومصمما لها. وفيما يسعي لتسخيف هذه المقولات بأسلوب يحتوي الكثر من السذاجة، فقد سعي لدحض المرتكز الاخير من خلال الاطروحة الداروينية في النشوء والارتقاء، مدعيا انه ليس هناك تصميم واحد أزلي، بل هو متطور وبالتالي فلا مجال للقول بوجود المصمم الاول والمطلق. وقد انبري الكثيرون من القراء واهل الدين للرد علي دوكينز، فيما وافقه البعض، فالقس الدكتور ستيفن شكسبير من جامعة الامل في ليفربول يقول: ان التشبث بنظرية العمليات الدماغية ليس يقدم بعدا واحدا فقط، وهذا لا يمكن ان يدحض مقولات اكويناس، لان العلاقات بين البشر غير محكومة بفعل الدماغ وحده. ان الايمان الديني يعرض علاقات أغني وأعمق مع الكون والعالم، من خلال الترميز القصصي واعمال الحب والعطف، وذلك يفوق نظرية البعد الواحد. ووصف العديد من المعلقين كلام دوكينز بالسطحية، وانه أضعف كثيرا من النظريات الرافضة لوجود الله. ليس الهدف من هذا العرض الدخول في سجال عقيدي او ديني، باثبات وجود الله او انكاره، بل الاشارة الي حالة الاضطراب النفسي السائدة في الغرب، والصراع المتواصل بين اهل الدين ورافضيه. فحالة التوتر التي تسود عالم السياسة في العقود الاخيرة فتحت ابواب السجال والنقاش حول الاسس التي ينطلق علي اساسها المشروع الديني في الغرب. هذا من جهة، ومن جهة اخري فان العلاقات بين الاديان اصبحت عاملا ساهم في اعادة فتح المنطلقات العقيدية لهذه الاديان. وفيما استمرت الدعوات للحوار بين هذه الاديان من جهة، تبلورت مواقف اخري لا تساهم في تعميق الثقة بين الديانات الثلاث الرئيسية. فالازمات السياسية تعكس نفسها علي التجاذب الديني، والعكس صحيح ايضا. فقيام دولة اسرائيل ساهم بشكل مباشر في توتير العلاقات بين المسلمين واليهود علي خلاف الوئام التاريخي في ما بينهم. كما ان تصاعد ظاهرة الاسلاموفوبيا وانتشار الظاهرة الاسلامية في الغرب دفع البعض، ومنهم رجال دين مسيحيون، لاطلاق تصريحات غير ايجابية اعتبرها المسلمون معادية احيانا وغير لائقة أحيانا أخري. ولم تكن تصريحات البابا عندما استشهد بسجال في القرن الرابع عشر بين احد الاباطرة البيزنطيين مع احد العلماء الفرس حول الاسلام، الا امتدادا لافكاره التي لم تظهر الي العلن الا مؤخرا. ففي هذا الاسبوع قال القس، جوزيف فيسيو، عميد جامعة ايف ماريا في مدينة نابولي الايطالية، ان البابا صرح في مطلع العام في اجتماع مع طلابه السابقين، بان الاسلام غير قابل للاصلاح، وانه بالتالي لا ينسجم مع الديمقراطية. إزاء هذه الافكار المسبقة لدي اكبر سلطة دينية مسيحية، يصعب الاعتقاد بجدية دعاة الحوار الديني من جهة، ويكشف جانبا من المنطلقات الفكرية التي تمنع حدوث اختراق حقيقي في مجال الحوار والتقارب. المشكلة لا تتوقف هنا، بل تتعداها لتتصل بوجدان القسسة والرهبان، وتحركهم باتجاه مغاير تماما لاطروحة الحوار بين الاديان. وفي الاسبوع الماضي، قام القس رولاند وايسلبيرغ، بحرق نفسه احتجاجا علي السماح للاسلام بالانتشار في اوروبا. فبينما كان المصلون يؤدون طقوسهم، صعد القس الالماني الي سطح مبني مجاور لكنيسة اوغستينركلاوسر بمدينة ايرفورت، وغمر نفسه بالبنزين ثم أشعل النار، فاحترق وتوفي لاحقا في المستشفي. وقال عمدة الكنيسة، الفريد بيجريتش، ان وايسلبرغ ترك رسالة تحث الكنيسة البروتستانتية علي ضرورة ان تكون الكنيسة اكثر وعيا للخطر الذي يمثله انتشار الاسلام في أوروبا علي المسيحية. وصرخ وايسلبرغ، والنار تلتهمه قائلا: المسيح وأوسكار في اشارة الي قس آخر سبقه لحرق نفسه في 1976 احتجاجا علي انتشار الشيوعية آنذاك في المانيا الشرقية. 9