السجن أحب اليّ ..
سهيل كيوان السجن أحب اليّ ..صديقي الحاج أبو توفيق الذي يبلغ من العمر ستة وستين عاما، قرر هذا الأسبوع دخول السجن وهو مبتسم وبمحض ارادته بل وبالحاح منه. القاضية التي مثل أمامها في محكمة الصلح في عكا كادت تتوسله بالعدول عن قراره ولكنه أصر وبحزم السجن أحب الي مما تدعونني اليه .لأبي توفيق علاقة قديمة مع السجن ويري فيه مدرسة، وقبل أن يصبح رجلا شديد التقوي بعقود عاش حياة شبابية في تل أبيب بعيدة عن الزهد والتقشف، وأوصلته روح المغامرة في الستينيات من القرن الماضي الي السجن لعدة سنوات بتهمة التجند لصالح جهاز مخابرات دولة عربية مجاورة! كثيرا ما حدثني عن رفيقه في غرفة السجن الذي كان تقياً جدا، قال انه استيقظ في يوم ما وصلي الفجر وقال له يا أحمد رأيت في المنام ما تفسيره أنني سأموت وصدقت رؤيا صديقه بعد يومين، وبعد سنوات عجاف خرج أحمد من السجن بمخزون روحي لا ينضب، تزوج وأسس أسرة مباركة وصار (أبو توفيق).في مثل هذه الأيام ومع ابتسامات الربيع الأولي كثيرا ما تلقاه عائدا من الوعور متأبطا كيسا مُلئ بالبقوليات بأنواعها الكثيرة، وغالبا ما يفاجئك بعشبة جديدة تصلح طعاما أو علاجا أو كليهما، فما أن تنطق أمامه بمعاناة جسدية مهما كان نوعها حتي يستجوبك ثم يقرر هذا ينفعه منقوع الكسبرة بزيت الزيتون.. أو حبة البركة مع مسحوق البلوط المشوي الخ.. وقد يتكلل بعضها بالنجاح، والكثير يبقي (خيرها بغيرها).ويبدو أن سوسة العلم وخصوصا الطب تجري في عروقه! فبالاضافة لتعليم أبنائه الذكور لم يشف غليله الطبي الا تخرج احدي ابنتيه كأول متخصصة بالأمراض النسائية في القرية! ابنه توفيق مهندس الكهرباء اتصل بي وقال القاضية خيرته بين السجن خمسين يوما أو دفع غرامة بعشرة الاف شيكل فطلب الحبس! القاضية قسطت له المبلغ علي خمسين دفعة لكنه قال لها حتي لو قسّطت المبلغ الي خمسمئة دفعة لا أريد أن أدفع ولا حتي شيكلا واحدا .وأضاف توفيق المبلغ متوفر ونحن علي استعداد لدفعه لكنه رفض وهو يسلم عليك ويقول لك أكتب بالجريدة أنه يناشد العرب في اسرائيل أن يكفوا عن الوقوف طوابير في المحاكم كالأغنام لدفع الغرامات الباهظة علي البناء غير المرخص! ويناشدهم أن يختاروا السجن! ويقول لو فعل الجميع مثلي لتكلفت الدولة الكثير وتحول سجن عشرات آلاف (المخالفين) الي عبء عليها وليس كمصدر دخل لا ينضب للمحاكم وللجان التخطيط المنطقية العنصرية علي حساب المساكين .أما لماذا تحول العرب الي هواة دفع غرامات! فمنذ عام النكبة لم تقم في مناطق 48 أي قرية او مدينة عربية جديدة! رغم ان العرب المتبقين في ديارهم كانوا مئة وستين الفا صاروا مليونا وثلاثمئة الف علي مساحة تتضاءل وتتآكل بسبب المصادرة والحصار المنهجي الاستراتيجي! أما القري التي اقيمت بشكل طبيعي وهي تجمعات للبدو بالأساس فقد سميت قري غير معترف بها وهذا يعني أن الحكومة غير ملزمة تجاهها بأية خدمات الا بمصادرة ومطاردة مواشيها وتضييق مراعيها وغرامات مبهظة وجرافات لا تشبع هدما! قد تستغرب الأذن الأوروبية وحتي الافريقية اذا سمعت بأن في اسرائيل (الديمقراطية) أكثر من عشرة آلاف تجمع سكاني لا يستطيع المواطنون العرب التقدم للسكن فيها.تصوروا لو أن في فرنسا او أمريكا أو بريطانيا أو في المغرب عشرة آلاف تجمع سكاني ممنوع لليهود أن يسكنوها.هناك عرب ثقلاء أصروا علي حقهم كمواطنين ولاحقوا العيّار حتي باب دار محكمة العدل العليا،وهذه أقرّت بحق المواطن بالعيش حيثما يشاء حتي وان كان من الصنف العربي الثقيل. ولكن تبقي العقبة بأن في كل تجمع سكاني جماهيري توجد لجنة قبول للمتقدمين للسكن وهذه لديها ثلاثة وثلاثون سببا وجيها لرفض العربي وهذا دون أن تصاب الديمقراطية بأذي لا سمح الله! واثباتا لعدم العنصرية فان معظم هذه التجمعات ترفض اليهود الأثيوبيين أيضا لأسباب اقتصادية بحتة! فحيث يسكن هؤلاء المساكين تهبط أسعارالبيوت كما يقول يهود الصنف الممتاز.الحقيقة أن الحكومات الاسرائيلية لم تقصّرفي الوعود،وأعلن وزراء كثيرون في مناسبات كثيرة عن ضرورة دراسة اقامة مدينة عربية لحل أزمة السكن في التجمعات العربية بل واعتبرها بعض أقطاب اليسار في مؤتمر هرتسليا الأخير أخطر من القنبلة الذرية الايرانية،ولكن يبدو أن هذه المدينة لن تقوم قبل التخلص من خطر ارتطام النيزك سيء الذكر عام 2036 بالكرة الأرضية.طبعا يخوض العرب نضالا بوجوه عدة، أحدها كان الاضراب في ما عرف بيوم المسكن، بالاضافة الي النشاطات الكفاحية الأخري اليومية والموسمية الشعبية والرسمية.هذا الأسبوع يقوم ممثلان عن جمعية (عدالة) التي تعني بحقوق المواطنين العرب داخل وخارج الخط الأخضر بتوصيل هذه الصرخة الي أروقة الأمم المتحدة.تقول الاحصاءات أن هناك خمسة وأربعين الف بيت عربي داخل الخط الأخضر محكومة بالهدم، وهذا سلاح ضغط استراتيجي بيد السلطة، ففي أجواء الخوف تزدهر الواسطات والرشاوي وحتي العمالة والضغط علي العرب ومطالبتهم بالخدمة الوطنية مقابل بعض حقوقهم الأمر الذي ترفضه الأكثرية الساحقة! أبو توفيق الذي اكتوي بنار الغرامة مرتين فضل السجن في الثالثة! وعلي فكرة..أبو توفيق لم يبن قصرا منيفا ولا فيلا ولا حتي بيتا بل ولا حتي غرفة جديدة، فقد قرر انه يستحق شرفة الصقها بسقف بيته آملا بأن يستنشق نسيما منعشا في حي أطلق عليه أهالي قريتنا اسم حي الباطنية بسبب اكتظاظه الشديد! وكانت النتيجة أنه دفع ثمن عشر شرفات وخمسين يوما في السجن والقضية لم تنته بعد! علي كل حال هذا جزء من نصيبنا من المعاناة التي قصدها الراحل توفيق زياد حين قال..وأهديكم ضيا عينيّ ودفء القلب أعطيكم فمأساتي التي أحيا نصيبي من مآسيكم ..أناديكم أشد علي أياديكم..كاتب من فلسطين QMK0