السجون المصرية… مصيدة تنظيم «الدولة» لتجنيد الراغبين في الانتقام بعد تعرضهم للتعذيب

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: كيف تساعد سياسات القمع التي يتبناها نظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في تقوية تنظيم «الدولة الإسلامية»، ودفع العشرات للانضمام إلى صفوفه، كان هذا السؤال هو محور تقرير أعده مركز «القاهرة لدراسات حقوق الإنسان»، ومنظمة «هيومن رايتس فيرست»، تحت عنوان «كالنار في الهشيم، نمو التطرف العنيف داخل السجون المصرية».
التقرير استند إلى عشرات المقابلات على مدى عدة أشهر مع محامين ونشطاء ودبلوماسيين كانوا رهن الاحتجاز في السجون المصرية منذ عام 2014، اتفقوا بصفة عامة على أن سياسات الحكومة تقوّي تنظيم «الدولة الإسلامية».
ورغم اختلاف تفاصيل القصص التي تناولها التقرير من سجين لآخر، إلا أن روايات أولئك الذين شهدوا التطرف بشكل مباشر، تُظهر أوجه تشابه لافتة فيما يتعلق بعملية التجنيد ومحفزات الانضمام لتنظيم «الدولة الإسلامية».
السجون المصرية أماكن خطيرة وعنيفة، لذا فالانتقام والحماية كانا، حسب مقابلات «هيومن رايتس فيرست»، «أكثر محفزات الانضمام لتنظيم «الدولة الإسلامية» قبل الأيديولوجيا حتى، فالرغبة في الانتقام من سلطات السجن، وأجهزة الأمن المصرية بشكل عام، إلى جانب الحماية التي يقدمها التنظيم لأولئك المنضمين له هما أبرز الأسباب، خاصة في ظل الشيوع النسبي للمشاجرات الجماعية بين سجناء «الدولة الإسلامية» وسجناء الإخوان المسلمين، إذ يشعر باقي السجناء بحماية أكبر إذا انضموا لإحدى المجموعتين».
وحسب السجين السابق محمد نبيل، عضو حركة 6 أبريل، فـ»أثناء احتجازه عام 2015، كان المحتجزون ينتقلون الى زنازين سجناء «الدولة الإسلامية» بعد تعرضهم للتعذيب بالصدمات الـكهربائية، إما بالهراوة الـكهربائية أو باستخدام سلـكين موصولين بالجدار ومثبتين على الجلد العاري، هذا بالإضافة إلى اغتصاب بعض المعتقلين بهراوة كهربائية، وتعليق بعضهم من الأطراف في السقف وصعقهم بالكهرباء».
نبيل قال: «رأيت ذلك بعيني، وقابلت في السجن رجلا يطلق عليه أمير سيناء، قصفت القوات الجوية المصرية منزله في سيناء، ما أدى لمقتل زوجته وأطفاله وحروق في جسده، وتم اعتقاله لمدة عام وتعذيبه على أيدي قوات الأمن، وبمجرد مغادرته السجن انضم فورا لتنظيم الدولة الإسلامية».

انضم لـ«الدولة»

وزاد: «كنت في زنزانة مع رجل آخر من القاهرة، كان متظاهرا سلميا لكنه احتُجز لمدة عامين، معظمهم في زنزانة انفرادية، قبل أن ينتقل الى زنزانتنا، حيث أخبرني أنه تعرض للتعذيب وانضم لتنظيم «الدولة» الإسلامية.
أما أيمن عبد المجيد، السجين خلال عامي 2015 و2016 فقال: «في بعض الأحيان يتخلل الاستجواب تعذيب جسدي، بما في ذلك التعذيب الجنسي، وقد خرج كثيرون من تلك الاستجوابات برغبة في الانتقام».
وتابع: «في الزنازين التي تجمعك برجال داعش، ستسمع عن فرصة حقيقية للانتقام، وإذا لم ترد الانتقام فهذا شأنك، لكن سيتعين عليك التعايش مع شعور دائم بالغضب، وفي النهاية أنت تعيش وتأكل مع هؤلاء الأشخاص، ولا خصوصية في السجون المصرية، وبمرور الوقت قد تجد كلامهم عن الانتقام مقنعًا للغاية».
واحتجزت السلطات المصرية ناشط يدعى سالم، لم يذكر اسم عائلته، لعدة أشهر عام 2016 بسبب عمله في مجال حقوق الإنسان، وفي مقابلته مع «هيومن رايتس فيرست»، شرح كيف قابل في السجن شبابا كانوا «فريسة سهلة لتنظيم «الدولة»، بعد إقناعهم، خاصة الشباب من سيناء، الجيش أهانهم، وعليهم أن يهينوا الجيش.
وتابع: «في السجن، هناك من قبض عليه لمجرد مروره في توقيت معين في محيط نقطة تفتيش، أو بسبب تدوينة صغيرة على موقع فيسبوك، هؤلاء يتعرضون للصعق بالكهرباء في الفم، أو في أعضائهم التناسلية، وبعدها يصبحون على استعداد تام للانصياع لأوامر التنظيم».
فهد، سجين سياسي آخر، غادر السجن في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، يتذكر كيف نال بعض رجال التنظيم «الدولة» إعجاب بعض السجناء، خاصة هؤلاء الذين قاتلوا السوفييت في السبعينيات في أفغانستان، والقابعين اليوم في السجون، ويتمتعون بـ«الهيبة».
وبين أن «الإخوان المسلمين لديهم خيارات مختلفة لمعارضة النظام، أما تنظيم داعش فلديه خيار واحد أكثر وضوحًا، هو العنف».
أما محمد حسانين فقد اعتقل في مايو/ أيار 2013 ووجهت له عدة تهم ذات دوافع سياسية، بما في ذلك إدارة منظمة غير مرخصة وتحريض أطفال الشوارع على المشاركة في الاحتجاجات.
وقضى حسانين وزوجته، آية حجازي، المواطنة المصرية الأمريكية، ثلاث سنوات في السجن بعد تأسيسهما منظمة غير حكومية، أطلقوا عليها مؤسسة «بلادي»، لحماية أطفال الشوارع. وقد تم إطلاق سراح الزوجين مع أربعة آخرين من المؤسسة نفسها في أبريل/ نيسان 2017، بعدما قضت المحكمة ببراءتهم.
وقال: «لدى جماعة الإخوان المسلمين شبكة اجتماعية تعتني ببعض السجناء، ويستهدف تنظيم الدولة الإسلامية أولئك الذين هم خارج رعاية هذه الشبكة، ويدعمهم ماديًا، ثم يستهدف أولئك الذين تعرضوا للتعذيب الوحشي في غرف جهاز الأمن الوطني، يقنعهم أن تعذيبهم كان نتيجة عدم تمكن الدولة الإسلامية بعد من إحكام سيطرتها، فهي لا تزال ضعيفة، لكن متى أصبحت قوية، فلن يتمكن أحد من تعذيب جنودها الأقوياء، الذين لن يستطع أحد قهرهم». ووفق المصدر «يبدأ داعش أولا في تجنيد المتهمين في القضية الواحدة، وبمجرد أن يشكلوا قاعدة قوة صلبة، يتحركون لاصطياد الآخرين، ويتوسط سجناء داعش لأنصارهم من السجناء لدى سلطات السجن، التي غالبا ما تمتثل لمطالبهم».
إبراهيم حلاوة، الإيرلندي المولد، تم اعتقاله في مصر لأربع سنوات في 2013، على خلفية اتهامات مختلفة، بينها «التحريض على الشغب» و«التخريب»، وخضع للمحاكمة مع ما يقرب من 500 آخرين، قبل أن تقضي المحكمة ببراءته في أكتوبر/ تشرين الأول 2017.
وقال: «أتذكر المرة الأولى التي سمعت فيها عن داعش. كنا ننتظر عودة أحد السجناء جاءته زيارة من أحد أفراد أسرته منتصف عام 2014، فلما عاد للزنزانة قال لنا هناك مقاطع مصورة على الإنترنت لأشخاص تعرضوا لهجوم دام في العراق وسوريا من قبل مجموعة تسمى داعش».
وتابع «استغربنا جميعا، مّن هؤلاء؟ أليس ما يحدث في سوريا ثورة ضد بشار؟ فقال: لا. العالم يتغير. هؤلاء الرجال انفصلوا عن القاعدة».
واستكمل: «في نهاية عام 2014، كان بعض السجناء قد بدأوا يهتمون بالتعرف على أيديولوجية داعش، وإن لم تكن لديهم شجاعة الحديث عن ذلك علنًا. ولكن بعدما اكتسب التنظيم مزيدًا من القوة، أصبح أعضاؤه في السجن أكثر ثقة وقوة».

الإيقاع بالشباب

وتطرق إلى لظروف المروعة في نظام السجون التي ساعدت «الدولة» على الإيقاع بالسجناء الشباب، فقال: «بعدما استقرت سلطة السيسي، بدأت الشرطة ٺتصرف بشكل أسوأ، فألقت بالرجال في السجون بسبب مشكلة في ركن السيارة أو كسر إشارة مرور، حيث تعرضوا للتعذيب، وتفاجأوا بقائمة من تهم الإرهاب، هؤلاء كانوا الأكثر عرضة للتطرف بعد تعرضهم للضرب والتعذيب». وتناول التقرير «كيف اكتسب تنظيم الدولة الإسلامية شهرةً سياسية بسبب صلابته داخل السجون وعدم تعاونه مع سلطاتها، مما حقق فوائد لأعضائه، بينما السلطات التي تعلن تحدي المتطرفين وتهدد بالعنف، تقدم في الحقيقة تنازلات».
فيصل محام في الأربعينيات من عمره، له موكّلون منتشرون في مختلف سجون مصر، تطرف بعضهم. وقال: «تقدم مجموعات داعش في السجون طعامًا أفضل للسجناء الأكثر فقراً، وتوفر حماية أفضل ضد الحراس والسجناء الآخرين، فضلاً عن مزايا أخرى مثل القدرة على استخدام الهواتف المحمولة المهربة وأحيانًا الـكتب، بل أن التنظيم يوفر نوعا من التعليم، يحصل السجين بموجبه على دبلوم داعش».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية